بغية الطالب ج٢ الدرس ١٠٢
بغي معاوية.
ومسئَلةُ مُقاتَلةِ الإمام الرّاشِدِ كعَلِيّ معلومٌ حُرمَتُها مِنْ عدَّةِ أحاديثَ كحديث (أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "سترون بعدي أمورًا تنكرونها" ومسلم في صحيحه: كتاب الإمارة: باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة.) "مَنْ كرِهَ مِنْ أميرِهِ شيئًا فلْيَصْبِرْ عليهِ فإنّهُ ليسَ أحَدٌ منَ النّاسِ خَرجَ منَ السُّلطَانِ شِبرًا فماتَ عليه إلّا ماتَ مِيْتَةً جَاهِلِيَّةً" رواه مسلم وغَيرهُ.( أَيْ مِيتَتُهُ تُشْبِهُ مِيتَةَ عُبَّادِ الأَوْثَانِ. معناهُ مَن تَركَ الخليفةَ الرّاشِد وماتَ وهوَ متمَرّدٌ عليهِ أي لم يتُب مِن خرُوجِه على الإمام الرّاشِد فقَد ماتَ مِيْتةً جاهِليّة، هذا يَشمَلُ الذينَ تمرَّدُوا على عليّ بنِ أبي طالِب والذينَ تمرّدُوا بعدَ ذلكَ على غيرِه مِنَ الخلفَاء بالباطِل والعُدوان، معنى الحديث أنّ الذي يَنكُثُ البَيعةَ بعدَما يُبايِعُ خَليفةً، أو لم يُبايعْه هو مُبايعَةً بطريقِ المباشَرَة لكنّ الخِلافَةَ ثَبتَت، قامَت، فتَمرّدَ بعضُ المسلمِين على هذا الخليفةِ (الذي ثبتَت له الخلافةُ)، هؤلاء مَن ماتَ مِنهُم وهو متَمرّدٌ مَوتَتُه كمَوتَةِ الجاهليّةِ تُشبِهُ مَوتَةَ الجاهلِيّة، الجاهليّةُ همُ الذينَ كانُوا قَبلَ أن يُبعَثَ رَسولُ الله، وكانوا يَعبُدونَ الأوثانَ ويأكلونَ الميتَة إلى غَيرِ ذلك مِن أفعالهمُ الخبيثةَ، الرّسولُ شَبّه هذا الذي يتَمرّدُ على الخليفةِ الرّاشِد ويموتُ وهو على ذلك بهؤلاء. معناهُ أنّ هذا الذي تمرّدَ على الخليفةِ إذا أدركَهُ الموتُ وهوَ على حَالِه أي لم يَتُبْ فكأنّهُ ماتَ مِيْتةً جاهِليّةً، مِيتَتُه تُشبِهُ مِيْتَةَ الجاهليّةِ أي النّاس الذينَ كانوا على الوثَنِيّةِ قبلَ أن يَدخُلوا في دِينِ الله، لما دَعا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بعدَ نزُولِ الوَحي عليهِ الجاهلية َإلى دينِ الله، فسَعِدَ مَن أجَابَ دَعوتَهُ وهَلَك مَن رَدَّ دَعْوتَهُ، الرّسولُ شَبّه هؤلاء الذينَ يتَمرّدُونَ على الخليفةِ الرّاشِد فيَمُوتُونَ وهُم على حالهِم مِن غَيرِ أن يَتُوبوا بحالِ أولئك الجاهلِيّة، ليسَ معناه أنهم كفّار إنما معناه أنهم يُشبِهُونهم.) وحديثِ (أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة: باب إذا بويع لخليفتين.) "إذا بُويِعَ لخليفَتَينِ فاقتُلوا الآخِرَ منهُما" رواه مسلم.( المهَاجِرينَ والأنصَار خِيَارُ المسلِمِينَ هُم بايَعُوا عَلِيّا فثَبتَت الخِلافَةُ لعَلِيّ على كُلّ المسلمِينَ الآخَرِينَ، فأيُّ مَعنًى لِمُبايَعةِ أهلِ الشّامِ لِمُعاوِيةَ معَ وجُودِ الخَلِيفَةِ الرّاشِد، بَعدَمَا بَايَع النّاسُ أبَا بَكرٍ الصّدّيق بايَع سَعدُ بنُ عُبَادَة مَا تَمنّع. في الأوّل الأنصَار قالوا مِنّا أَمِيرٌ ومِنكُم أَمِير(أي من المهاجِرينَ) ، ثم تَركُوا ذلكَ. )
فالخَطأ الذي أَورَدَهُ الإمامُ الأشعَريُّ منَ القِسمِ الأوّل فإنّهُ أرادَ أنّ هؤلاء عَصَوا بدليل قولهِ في طلحةَ والزُّبير "إنّهما تابا" فلا يَشتَبه عليكَ الأمرُ يا طالبَ العلمِ.
ومما يدُلُّ على أنّ مرادَ الأشعري بتعبيرهِ بالخطإ المعصيةُ ما نقلَهُ عنهُ الفقيهُ ابنُ فُورَك في كتاب "مقالات الأشعريّ" ونصُّهُ (مجرد مقالات الأشعري (ص/157).) "فصلٌ ءاخَرُ في إبانةِ مَذهبِهِ في أسماءِ الذُّنوبِ والمعاصي وقولِهِ في الصّغائرِ والكبائر: اعلمْ أنّهُ كانَ يقولُ أي الأشعريُّ إنَّ معنى معصيةِ الله سبحانَهُ مخالفَةُ أمره، وأنَّ كلَّ معصيةٍ ذنبٌ وخطأٌ وخلافٌ لأمرِ اللهِ تعالى" اهـ.
وقَد قالَ الكَمالُ بنُ الهُمَام في شرحهِ للهِدَايةِ (فتح القدير (7/245 – الطبعة الأولى).) إنّ مُعَاويَةَ جَائرٌ وذلكَ في كتَاب الشّهَاداتِ مِن كتابه "فتح القدير" ومِثلُهُ قالَ صاحبُ الهِدايةِ الْمَرْغِينَانيّ وهُما مِنْ مشَاهِيرِ الحنَفِيَّةِ ( (7/245) المطبوع مع شرحه فتح القدير لابن الهمام.). فلَو اطّلَعَ على كَلامِهِما الذينَ يَنتَقِدُونَنا لَسَكَتُوا عن انتِقَادِنا عندَما نبَيّنُ للنّاسِ أنّ معاويةَ ومَن كانوا معَه في قتالِ عَلِيٍّ ءاثمونَ ظَالِمُونَ.
وأمّا مَن يُعارضُ حديثَ: "وَيْحَ عَمَّار" المتَواترَ بمثلِ ما رُويَ أنّهُ صلى الله عليه وسلم قال: "إذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فأَمسِكُوا" (أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (2/96) و(10/198).)، فهوَ بَعِيدٌ منَ التّحقِيقِ بُعدًا كَبِيرًا، وهذا الحديثُ لم يَثبُت فكَيفَ يُحتَجُّ بهِ في مُعارضَةِ حديثٍ ثابتٍ مُتواتِرٍ، فقَد رَوى حديثَ "ويحَ عمّارٍ" أربعَةٌ وعِشرُونَ صحَابيًّا.( والحديثُ مَعناه أَمسِكُوا عمّا لا يَجُوزُ ذِكرُهُم به)
مواضيع أخرى من «دروس عامة»
- قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: « يا أيّها النّاس توبوا إلى الله…
- قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَهَ…
- ما سبب وجود المذاهب الفقهية الاربعة شافعية ومالكية وحنابلة واحناف ؟
- معنى قول رسول الله ﷺ " وأبدلها زوجاً خيراً من زوجها
- العبادة مع الجهل لا تنجي صاحبها — يروى عن محمد بن سيرين رحمه الله أنه قال: "إِنَّ قَوْمًا تَرَكُوا
- إن سعيكم لشتى
