قال شيخنا رحمه الله : يقول أبو الحسن الأشعري: الشّيطَانُ القَرِينُ الذي يُوَسوِسُ في صَدْر الإنسانِ اللهُ يَجعَلُ لهُ عَلاماتٍ بأنّ هذا الإنسانَ يُريدُ كَذا فبِسَبَب هَذه العَلامَاتِ يَظُنُّ أنّه يُرِيدُ كَذا وكَذا، وقالَ أيضًا: لهُ حَديثٌ خَفِيٌّ مع النَّفْس هذا الشّيطَانُ نَحنُ لا نَسمَعُه بآذَانِنا، أمّا أنْ يَعلمَ الغَيبَ فَلا يَعلَم الشّيطَانُ الغَيب. مَا يَحدُث في المستَقبَل لا يَعلَم كالبشَر. الأولياءُ والملائكةُ والأنبيَاءُ اللهُ يُطلِعُهُم على بَعضِ الغَيبِ مِنَ الْمُستَقبَل وبما يُضمِرُه بعضُ النّاسِ في نفُوسِهم. أمّا كُلّ الغَيب كُلّ الأمور الخَفِيَّةِ لا يَعلَمُه إلا الله. مَن قال إنّ أحَدًا غَيرَ الله يَعلَمُ كُلَّ الغَيبِ كَافرٌ، بعضُ النّاسِ الغَالِيْنَ يَقُولونَ الرّسولُ يَعلَمُ كُلَّ الغَيب، كُلَّ مَا يَعلَمُه الله يَعلَمُه هؤلاءِ كفّارٌ، لهم وُجُودٌ في البَاكِستَان أمّا في غَيرِ البَاكِستان قِلَّة. الذي يقولُ الرّسولُ يَعلَمُ بكُلِّ الغَيبِ فهوَ كالذي يقولُ الرّسولُ قَادِرٌ على كُلِّ شَيء، هذا كافرٌ وهَذا كَافِرٌ، وقَد يَحتَجُّ بعضُ النّاس بهذه الآية: {عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا}، يقولونَ فَلا يُظهِرُ على غَيْبِه أحَدًا إلّا مَن ارتَضَى مِنْ رَسُول، يقولونَ هَذه الآيَةُ فيها أنّ الرّسولَ اللهُ يُطْلِعُه على غَيْبِه أي كُلّ الغَيب، يُقَالُ لهم إلّا مَنِ ارتَضَى مِن رَسُولٍ إلّا هُنا معناه لَكِن كمَا أنّ ثُمّ تَأتي بمعنى الواو، في القُرءان الكريم في موضِعَينِ ورَدَت ثُمّ بمعنى الواو لكنْ مَن ارتَضَى مِن رَسُول فإنّه يَجعَلُ لهُ حَرَسًا مِنَ الملائكةِ، الرّسولُ اللهُ يَجعَلُ لهُ حَرَسًا يَحرُسُه مِن أمَامِه ومِن خَلف. اللهُ يَجعَلُ حَرَسًا رَصدًا أي حَفظَةً يحفَظُونَه هَذا مَعنَاهُ، ليس مَعناه الرّسولُ يُطلِعُه الله على غَيبِه، ليسَ في الآيةِ دَلِيلٌ على ما يقولُونَ، "على غَيْبِه" ليسَ مَعنَاه على جمِيعِ غَيْبِه.
أمّا مَن قالَ بَعضُ الغَيبِ يُطْلِعُ اللهُ علَيهِ بَعضَ الأنبياءِ والأولياءِ فَلا بَأسَ كُلُّ الرّسُل اللهُ يُطلِعُهُم على بَعضِ الغَيبِ أمّا الأولياءُ فلَيسُ كُلّهم بل بَعضُهُم. لكنّ هَذا البَعضَ بالنّسبَة لِمَا لا يَعلَمُه إلّا اللهُ شيءٌ قَلِيلٌ بالنسبة إلى معلوماتِ اللهِ شَىءٌ قَلِيل، كالعُصفُورِ إذا وقَف على طرَفِ السَّفِينَةِ وغَمَسَ مِنقَارَه في الماء. مِثلُ هَذا القَدْر عِلمُ المخلُوقِ مِن عِلْم الله أي معلوماته. الخَضِر وموسى لما اجتَمعا الخضِرُ قَال لموسى: "مَا عِلمِي وعِلمُكَ في جَنْبِ عِلْم اللهِ إلّا كمَا نقَرَ هَذا العُصفُور منَ البَحْر"، وكانَ عُصفُورٌ نقَر مِنقَارَه في الماء. قال عِلمِي وعِلمُك مِثلُ هَذا، مَعنَاهُ شَيءٌ قَلِيلٌ بالنّسبَةِ لعِلْم الله، وموسى نَبيّ وخَضِرُ نَبيّ. هؤلاء ضَلُّوا وكَفَروا لَمّا قَالوا الرّسولُ يَعلَمُ كُلَّ مَا يَعلَمُ اللهُ، هذا ليسَ تَعظِيمًا، الشّيطَانُ زَيَّنَ لهم أَوهمَهُم أنّ هَذا تَعظِيمٌ للرّسول، وهوَ كُفرٌ ليسَ تَعظِيمًا تَكذيبٌ للرّسولِ وتَكذِيبٌ للقُرءان.( فاللهُ تَعالى لا يتَغَيَّرُ إنّما مَعلُومَاتُه الحَادِثَةُ أي مخلوقَاتُه هيَ التي تَتغَيَّر، أمّا مَعلُومُه الأزليُّ فَلا يتَغيَّرُ كذَاتِه وصِفَاتِه، فعِلمُه تعالى في الأزلِ بالحادثاتِ التي لم تَكُن في الأزلِ قَدِيمٌ سَابقٌ على الزّمَان، وهذا العِلمُ لم يَنقَطِع بل هوَ مُستَمِرٌّ دَائِمٌ إلى أن وُجِدَت هذه المعلُوماتُ، فلَم يَطرأ تغَيُّر على العِلْم إنّما التَّغَيُّر على المعلُومِ الحَادِث،)