بغية الطالب ج٢ الدرس ١٠٥
حرمة الظهار.
قال المؤلف رحمه الله: والظِّهَارُ وهوَ أن يَقُولَ لزَوجَتِهِ أنتِ علَيَّ كظَهرِ أُمِّي أيْ لا أُجَامِعُكِ.
الشرح: مِنْ معاصي اللّسان الظِّهارُ وهوَ أن يقولَ لزَوجَتِهِ ولو رَجعيَّةً أنتِ عليَّ كظَهرِ أُمّي، وكذلكَ قولُهُ أنتِ كَيَدها أو بَطنِها وكذلكَ سائرُ الْمَحَارِمِ لِمَا فيهِ مِن إيذاءٍ للمَرأةِ.
وسُمّيَ ظِهارًا لِتَشبيهِ الزّوجَةِ بالظَّهرِ، وإنّما خُصَّ الظَّهرُ لأنّهُ محَلُّ الرّكُوبِ والمرأةُ مَركُوبُ الزّوجِ ولذا يُسمَّى الْمَركوبُ منَ الإبلِ ونَحوِهِ ظَهرًا، وهوَ منَ الكبائرِ ووَصفَهُ الله تعالى بأنّهُ مُنكَرٌ وزُورٌ لِما فيهِ مِنْ تَشبيهِ الزّوجِ زوجَتَهُ بأُمِّه في التَّحريمِ، والذي جرَتْ عادةُ الجاهليّةِ بهِ هو أنّهم كانوا يعتَبِرونَهُ طَلاقًا وهوَ ليسَ بطَلاقٍ.( والأصل في تحريم الظّهار قبلَ الإجماع قولُه تعالى: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) المجادلة. )( {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ} نَزلَت في أَوسِ بنِ الصّامِتِ لَمّا ظَاهَر مِن زَوجَتِه خَولةَ بنتِ ثَعلبَة على اختِلافٍ في اسمِها ونسَبِها [المجادلة: 1] ، وهي خَولةُ بنتُ ثَعلبَة امرأةُ أوسِ بنِ الصّامِت أخِي عُبَادة رآها وهيَ تُصَلّي وكانت حسنَةَ الجِسْم، فلَمّا سلَّمَت راوَدَها فأَبَتْ، فغَضِبَ فظَاهَرَ مِنها، فأَتَتْ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم فقالت: إنّ أَوسًا تزَوّجَني وأنَا شَابّةٌ مَرغُوبٌ فيَّ فلَما خَلا سِنّي ونَثَرت بَطني ـ أي كَثُرَ ولَدِي ـ جعَلَني علَيهِ كأُمِّه.
ورُوي أنها قالت: إنّ لي صِبْيَةً صِغَارًا إنْ ضَمَمتُهم إليه ضَاعُوا وإن ضَمَمتُهُم إليّ جَاعُوا. فقال صلى الله عليه وسلّم: " مَا عِندِي في أَمرِكِ شَيء "رواه .
ورُوِيَ أنّه قال لها: "حَرُمتِ علَيهِ" رواه .
فقالت: يا رسولَ الله مَا ذَكَر طَلاقًا وإنّما هو أبُو ولَدِي وأحَبُّ النّاسِ إليَّ.
فقال: "حَرُمْتِ علَيه" فقالت: أَشكُو إلى اللهِ فَاقَتي ووَجْدِي، فكُلَّما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :"حَرُمتِ علَيهِ" هتَفَت وشَكَت، فنَزلَت{ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا} في شَأنِه ومَعنَاه {وَتَشْتَكِى إِلَى اللَّهِ} تُظهِرُ مَا بها مِنَ المكرُوه {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ} مُراجعَتَكُما الكَلامَ، مِن حَارَ إذَا رَجَع {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} يَسمَعُ شَكوَى المضطَرِّ {بَصِيرٌ} بحَالِهِ {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم} } [المجادلة: 2] تَوبيخٌ للعَرَب الذين كانوا يفعلون ذلك لأنّه كانَ مِن أَيمانِ أهلِ جَاهلِيَّتِهم خَاصَّةً دُونَ سَائِر الأُمَم {مِن نِّسَآئهِمْ} زَوجَاتِهم {مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا الَّائِي وَلَدْنَهُمْ} يُرِيدُ أنّ الأُمَّهاتِ على الحقِيقَةِ الوَالِدَاتُ، والمرضِعَاتُ مُلحَقَاتٌ بالوالِدَاتِ بواسِطَةِ الرَّضَاع، وكَذا أزواجُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم لزِيادَةِ حُرمَتِهنّ، وأمّا الزّوجَاتُ فأَبعَدُ شَيء مِنَ الأُمُومَةِ فلِذَا قال {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ} تُنكِرُه الحقيقَةُ والأحكَامُ الشّرعيّةُ {وَزُورًا} وكَذِبًا باطِلًا مُنحَرِفًا عن الحَقّ {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2] لما سَلَفَ مِنهُم.
{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئهِمْ} [المجادلة: 3] بيّنَ في الآيةِ الأولى أنّ ذلكَ مِن قائلِه مُنكَرٌ وزُورٌ، وبيّنَ في الثّانية حُكمَ الظِّهَار {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}العَودُ الصَّيرُورَةُ ابتِدَاءً أو بِنَاءً، أي يَعُودُونَ لنَقْضِ مَا قَالُوا ، وعن ثَعلَبَة: يَعُودُون لتَحلِيل ما حَرّمُوا على أنفُسِهم بلَفظِ الظّهار، تَنزيلًا لِلقَولِ مَنزلَةَ الْمَقُول فيه .
ثم اختَلَفوا أنّ النّقضَ بماذا يحصُل؟ فعندَ الحنفيّة بالعَزم على الوطء وهو قولُ ابنِ عبّاس والحسنِ وقتَادة، وعند الشافعي بمجَرَّد الإمسَاك وهو أن لا يُطَلّقَها عقِيبَ الظِّهَار.{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} فعلَيه اعتَاقُ رقبَة مؤمنةٍ {مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا} الضّمِيرُ يَرجِع إلى ما دَلّ عليه الكَلامُ منَ الْمُظَاهِر والمظاهَر مِنها.
والممَاسَّةُ الاستِمتَاع بها مِن جماع أو لمسٍ بشَهوة أو نظَرٍ إلى فَرجِها بشَهوَةٍ {ذَلِكُمْ} الحُكم {تُوعَظُونَ بِهِ} [المجادلة: 3] لأنّ الحكمَ بالكَفّارةِ دَلِيلٌ على ارتكَاب الجنَايةِ، فيَجِبُ أن تتّعِظوا بهذا الحكم حتى لا تَعُودُوا إلى الظِّهَار وتَخافوا عقَابَ اللهِ علَيه {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} والظِّهار أن يقولَ الرّجُل لامرأته: أنت عليَّ كظَهرِ أُمّي.)
