تأليف الإمَام المحدِّث عَبْد الغَنيّ بن عَبْد الوَاحِدِ الـمقْدسِيِّ
بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه ثقتي
قال الشيخُ الإمامُ الحَبْرُ الحافظُ أبو محمد، عبدُ الغنيِّ بنُ عبد الواحد المقدسيُ رضي الله عنه وأرضاه: الحمدُ لله خالقِ الأرض والسماء، وجَاعِلِ النور والظَّلْماء، وجامِعِ الخَلْق لفَصْل القَضَاء، لفَوز المحسنين، وشِقْوة أهل الشَّقَاء. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، شهادةً يَسْعد بها قائلُها يوم الجزاء. وصلى الله على سيِّد المرسلين والأنبياءِ، محمدٍ وآلهِ وصحبهِ النُّجَبَاءِ. وبعد: فهذِهِ جُملةٌ مختصرٌ من أحوال سيِّدنا ونبيِّنا، المصطفى محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم، لا يَستغني عنها أحدٌ من المسلمين، نفعنا اللهُ بها مَنْ قرأها وسمِعَها.
نسبهُ صلى الله عليه وسلَّم
فنبدأ بنسبه: فهو: أبو القَاسِم، محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ المطَّلِب بنِ هاشم بنِ عبدِ مَنَاف بنِ قُصَي بنِ كِلاب بنِ مُرَّة بنِ كَعْبِ بنِ لؤَيِّ بنِ غالب ابنِ فهْرِ بنِ مالكِ بنِ النَّضْر بنِ كنانَةَ بنِ خُزَيمَةَ بنِ مُدْركَةَ بنِ إلياسَ ابنِ مُضَرَ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عَدْنان بنِ أُددِ بنِ المُقَوَّم بنِ ناحور ابنِ تَيْرَح بنِ يَعْرُبَ بنِ يَشْجُبَ بنِ نابت بنِ إسماعيلَ بنِ إبراهيم (خليلِ الرحمن) بنِ تَارح (وهو آزَرُ ) بنِ ناحور بنِ ساروع بنِ راعو بنِ فَالَخَ بنِ عَيْبر بنِ شَالَخ بنِ أرْفَخْشَدَ بنِ سَام بنِ نُوح بنِ لامك بنِ مَتوشَلخَ بنِ أَخنوخ وهو إدريس النبيُّ فيمَا يَزْعمون،
وهو أولُ بني ءادَمَ، أُعْطِي النبوَّة، وخطَّ بالقَلَم-بنِ يَرْدِ بنِ مَهليل بنِ قَيْنَنِ ابنِ يانَشَ بنِ شيثِ بن ءادَمَ صلى الله عليه وسلَّم. هذا النَّسَب ذَكَره محمَّدُ بنُ إسْحاقَ بنِ يَسَار المدنيُّ في إحدى الرواياتِ عنه. وإلى عدنانَ مُتَّفقٌ على صِحَّتِهِ من غير اختلافٍ فيه، وما بعدَه مختلفٌ فيه. وقريش: ابْنُ فِهْر بنِ مالكٍ، وقيلَ: النَّضر بن كِنَانَة.
أمهُ صلى الله عليه وسلم
فنبدأ بنسبه: وأمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ءامِنةُ بنتُ وَهْبِ بن عبد مَناف بنِ زُهرَةَ بنِ كلاب بنِ مُرَّة بن كَعْبِ بنِ لُؤيِّ بنِ غالبٍ.
ولادتُه صلى الله عليه وسلم
فنبدأ بنسبه: ووُلِدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، بمكَّة عامَ الفيل، في شهر ربيعٍ الأول، لِليلتينِ خَلَتا منه، يومَ الاثنينِ. وقالَ بعضُهم: بعد الفيل بثلاثينَ عامًا. وقالَ بعضُهم: بأربعينَ عامًا. والصَّحيحُ: أنَّهُ وُلِدَ عامَ الفِيلِ.
وفاةُ والدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمِه وجدِه
وماتَ أبوه عبدُ الله بنُ عبد المطَّلبِ، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم قد أتى له ثمانية وعشرونَ شهرًا. وقالَ بعضُهم: ماتَ أبُوه وهو ابنُ سبعة أشهرٍ. وقالَ بعضُهم: ماتَ أبُوه في دَارِ النَّابغة وهو حَمْلٌ. (في بعض النسخ التابعة وهذا وارد والنابغة وارد أيضًا). وقيلَ: ماتَ بالأبْواءِ بين مكةَ والمدينةِ. قالَ أبُو عبد الله الزُّبيرُ بن بَكَّار الزُّبيريُّ: تُوفِّي عبدُ الله بنُ عبد المطلب بالمدينةِ ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابنُ شهرينِ. وماتَتْ أُمُّهُ وهو ابنُ أربع سنينَ، وماتَ جدُّه عبدُ المطَّلبِ وهو ابنُ ثمان سنينَ. وقيلَ: ماتتْ أُمُّهُ وهو ابنُ ستِّ سِنينَ.
رضاعه صلى الله عليه وسلم
وأرضعته صلى الله عليه وسلم: ثُوَيْبةُ جاريةُ أبي لَهَبٍ. وأرْضَعتْ معه حمزةَ بنَ عبد المطَّلب، وأبا سَلَمةَ عبدَ الله بنَ عبد الأسد المخزوميَّ. أرضَعتهم بلبنِ ابنِهَا مَسْرُوح. وأرضعته: حليمةُ بنتُ أبي ذُؤيبٍ السَّعْديَّة.
فصل في أسمائه صلى الله عليه وسلم
رَوَى جُبَيرُ بنُ مُطْعم قالَ: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني محمَّدٌ، وأنا أحمدُ، وأنا الماحِي الذي يَمْحو اللهُ بي الكفرَ، وأنا الحاشرُ الذي حَشَرَ الناس، وأنا العاقِبُ الذي ليس بعدي نبي"، صحيحٌ متفقٌ عليه. ورَوَى أبو موسى عبدُ الله بنُ قيس، قال: سَمَّى لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نفسَه أسماء، منها ما حَفِظنا، فقالَ: "أنا محمدٌ، وأنا أحمدُ، والمقفِّي، ونبيُّ التوبة، ونبيُّ الرحمةِ". وفي روايةٍ: "ونبيُّ الملحَمة"، وهي الـمَقْتلةُ.
صحيحٌ، رواه مسلمٌ. ورَوَى جابرُ بنُ عبد الله قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أنا أحمدُ، وأنا محمدٌ، وأنا الحاشُر، وأنا الماحِي الذي يمحو الله بيَ الكفرَ، فإذا كانَ يومَ القيامةِ لواءُ الحَمْد معي، وكنتُ إمامَ المرسلينَ، وصاحبَ شفاعتهِمْ". وسمَّاه الله عز وجل في كتابه العزيز: ﴿بشيرًا ونذيرًا﴾ [سورة البقرة/ 119]. و﴿رَءُوفٌ﴾ [سورة التوبة / 128]. و﴿رحيمٌ﴾ [سورة التوبة / 128]. و﴿رحمةً للعالمينَ﴾[سورة التوبة / 107].
نشأته صلى الله عليه وسلم بمكةَ، وخروجه مع عمِّه أبي طالب إلى الشام، وزواجه بخديجة
ونَشَأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتيمًا يَكْفلُهُ جدُّه عبدُ المطَّلب، وبعده عمُّه أبو طالب بنُ عبد المطَّلب. وَطَهَّره الله عز وجل من دَنَس الجاهلية، ومن كلِّ عيبٍ، ومَنَحه كل خُلُقٍ جميلٍ، حتى لم يكنْ يُعرَف بينَ قومه إلا بالأمينِ، لِمَا شَاهَدوا من أمانتِهِ، وصِدْقِ حديثِهِ، وطهارتِهِ. فلمَّا بَلَغ اثنتيْ عَشْرة سنةً، خَرَج مع عمِّه أبي طالبٍ إلى الشام حتى بَلَغ بُصرَى، فرآه بَحِيرا الراهب، فعَرَفه بصفتِهِ. فَجَاءَ وأخَذ بيدِهِ، وقالَ: هذا سيدُ العالمينَ، هذا رسولُ ربِّ العالمينَ، هذا يبعثُهُ الله رحمةً للعالمينَ.
فقيلَ له: وما عِلْمُكَ بذلكَ؟ قال: إنكم حين أقبلتُمْ مِنَ العَقَبة لم يَبْقَ شجرةٌ ولا حجرٌ إلا خرَّ ساجدًا، ولا يَسْجدونَ إلا لنبيٍّ، وإنَّا نَجِدُهُ في كُتُبنا، وسألَ أبَا طالبٍ، فَردَّه خوفًا عليه من اليهود. ثم خَرَج ثانيًا إلى الشام مَعَ مَيْسَرة غُلام خديجةَ رضي الله عنه في تجارةٍ لها قبلَ أن يتزوَّجها، حتى بلغَ إلى سوق بُصْرَى، فبَاعَ تجارتَه. فلمَّا بَلَغ خمسًا وعِشرينَ سنة تزوَّج خديجةَ رضي الله عنها.
ابتداءُ الوحي
فلمَّا بَلَغ أربعينَ سنةً اختَصَّه الله بكرامتِهِ، وابتعَثه برسالتِهِ. أتاهُ جبريلُ عليه السلام وهو بغَارِ حِرَاء (جَبَلٌ بمكة)، فأقامَ بمكَّة ثلاثَ عشرةَ سنةً. وقيلَ: خمسَ عشرةَ. وقيلَ: عشرًا. والصحيحُ الأولُ. وكانَ يُصلِّي إلى بيتِ المقْدسِ مدةَ إقامتِهِ بمكَّة، ولا يَسْتدبرُ الكعبةَ، ويَجْعلها بينَ يَدَيه. وصلى إلى بيتِ المقدس أيضًا بعد قُدُومِهِ المدينةَ سبعةَ عشرَ شهرًا، أو ستةَ عَشَر شهرًا.
هجرتُه صلى الله عليه وسلم
ثمَّ هَاجَر إلى المدينةِ، ومعه أبو بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه ومولى أبي بكرٍ عَامِرُ بنُ فُهيرة. ودليلُهمْ عبدُ الله بن الأُرَيْقِطِ الليثي، وهو كافرٌ، ولم يُعْرف له إسلامٌ. وأقامَ بالمدينةِ عَشْرَ سنينَ.
وفاتُه صلى الله عليه وسلم
وتُوُفِّيَ وهو ابنُ ثَلاثٍ وستينَ. وقيلَ: خمسٍ وستينَ. وقيلَ: ستينَ، والأولُ أصحُّ. وتوفيَ صلى الله عليه وسلم يومَ الاثنينِ حينَ اشتدَّ الضُّحَى، لاثْنتَي عَشْرة ليلةً خَلَتْ من شهر ربيعٍ الأوَّل. وقيل: لِلَيلتينِ خَلَتا منه، وقيلَ: لاستِهلالِ شهر ربيعٍ الأوَّل. وَدُفِنَ ليلةَ الأربعاء، وقيلَ: ليلةَ الثلاثاءِ. وكانت مدة عِلَّتِهِ اثْنَي عَشَر يومًا، وقيلَ: أربعةَ عَشَر يومًا. وغَسَّلَه عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وعَمُّه العبَّاس، والفَضْلُ بن العبَّاس، وقُثَم بن العبَّاس، وأُسَامَة بن زَيْدٍ، وشُقران مَوْلَيَاه، وحَضَرهُم أوْس بن خوليِّ الأنصاريُّ.
وكُفِّنَ في ثلاثة أثوابٍ بِيضٍ سَحُوليَّةٍ ( بَلْدة باليَمَن) ليسَ فيها قميصٌ، ولا عمامةٌ. وصَلَّى عليه المسلمونَ أفْذاذًا، لم يؤُمَّهمْ عليه أحدٌ. وَفُرِشَ تحته قطيفةٌ حمراء كان يَتغطَّى بها . ودَخَل قبرَه العباسُ، وعليٌّ، والفَضلُ، وقُثَم، وشقْران، وأُطْبِقَ عليه تسعُ لَبِناتٍ. ودُفِنَ في الموضع الذي توفَّاه الله فيه حول فِراشِهِ. وحُفِرَ له وأُلحِدَ في بيته الذي كان بيتَ عائشة. ثم دُفِنَ معه أبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما.
