بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع والأربعون
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأجمعين.
خبث اليهود والمواجهة الإسلامية
قال الله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) (المائدة).
قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) (الأنفال).
أخي المسلم، إن الأمة الإسلامية لها تاريخ حافل بمواقف البطولات ومواطن الكفاح وأن هذه الأمة حين أدركت أن الاعتصام بحبل الله قوة وأن الفرقة ضعف، فتماسكت قواها وتوحدت صفوفها بفضل جهاد النبي صلى الله عليه وسلم جَنَت أطيب الثمرات وحققت عظيم الانتصارات، ولذلك كان هم أعدائها أن يتربصوا بها الدوائر وهم لا يغيظهم شيء أكثر من تآلف هذه الأمة وتماسكها ولا يسرهم شيء كسروهم حين يرونها متفرقة متمزقة متنازعة.
وعلى رأس هؤلاء الأعداء المتربصين طائفة حقيرة شريرة لا تدخر وسعًا في إلحاق الضرر بنا ألا وهي فئة اليهد الذين لعنهم الله سبحانه لكفرهم وضلالهم وخبثهم.
أضواء على مواقفهم في عهد النبي:
لقد رأى اليهود لعنهم الله في هجرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة واستقراره فيها خطرًا عليهم وعلى مصالحهم. وقد زاد من مخاوفهم ازدياد عدد المسلمين وإقبال العرب على الدين الصحيح وتوسع انتشار الإسلام يومًا بعد يوم. فلم تقبل نفوسهم الخبيثة دعوة النبي العربي صلى الله عليه وسلم فهم يعتقدون أن النبوة مقصورة على بني إسرائيل. وقد وجد اليهودُ لعنهم اللهُ أن السبيل للمحافظة على مصالحهم في الجزيرة العربية يكون بالخلاص من الرسول والمسلمين. فتهيأوا لذلك حيث:
1 – أراد اليهود أن يزرعوا بذور العداء والخصام بين المسلمين في المدينة فأخذوا يثيرون البغضاء بين المهاجرين والأنصار ويحاولون الإيقاع بين الأنصار أنفسهم بتذكير الأوس والخزرج بما كان بينهم من معارك قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وخاصة يوم "بُعاث" الذي انتصرت فيه الأوس على الخزرج. لكن هيهات هيهات أن يفلح هؤلاء الأشرار في بث سمومهم وفي تفرقة صفوف من ألف الله بين قلوبهم.
2 – وحاول اليهود لعنهم الله قتل الرسول صلى الله عليه وسلم وحرّضوا المشركين على قتال المسلمين، وحزّبوا الأحزاب عليهم وألبوا الأعداء والقبائل ضد الدعوة المحمدية. ونقضوا العهود التي كانت بينهم وبين المسلمين.
وأمام هذا الخطر الداهم بل الأخطار والقلاقل التي كان يسببها اليهود لعنة الله عليهم كان لا بد من تأديبهم وقتالهم.
أ – قبيلة بني قينقاع: كان الرسول قد جعل بينه وبينهم أمانًا وشرط عليهم ألا يعينوا عليه عدوًا. ولكنهم نقضوا العهد بعد موقعة بدر الكبرى، فحاصرهم الرسول خمس عشرة ليلة حتى اضطروا إلى التسليم وأجلاهم عن المدينة وذلك في 26 ربيع الثاني.
ب – قبيلة بني النضير: تآمروا على قتل الرسول إذ حاولوا أن يلقوا عليه بصخرة كبيرة فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم منهم الجلاء عن المدينة وأمهَلهُم عشرة أيام فإن لم يخرجوا فالحرب. فأبوا الجلاء فحاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم حتى طلبوا الصلح وانتهى الأمر بجلائهم عن المدينة.
جـ - قبيلة بني قريظة: وكذلك كان الحال مع بني قريظة حيث نقضوا العهد بانحيازهم إلى قريش في موقعة الخندق (الأحزاب) فحاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يومًا حتى استسلموا وكان ذلك في العشر الأخير من ذي القعدة. ولم ينتهِ خطر اليهود بإجلائهم عن المدينة فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن عقد مع قريش صلح الحديبية أن يغزو خيبر معقل اليهود فزحف الرسول إليها في مُحرّم في السنة السابعة للهجر ففاجأهم ليلًا فلاذ اليهود بالفرار.
اليهود عامل تفرقة وتشتت
وهكذا فإن اليهود كانوا ولا يزالون عامل تفرقة وتبعثر ودعاةً إلى الخبث والمكر. ففي أيام الجاهلية كانوا يثيرون رياح العداء بين القبائل العربية، وبعد هجرة الرسول إلى المدينة ظلوا دعاة تشرذم وفرقة فناصبوا المسلمين العداء وكثيرًا ما كانوا يظهرون الود ويُخفون الحقد، ويُبدون المحبة ويُضمرون الكراهية.
وكما أن اليهود كانوا مصدر خطر على الأمة الإسلامية في المدينة المنورة فإنهم اليوم لا يزالون على هذا.
وكما أن اقتلاعهم من المدينة وكف شرهم في الجزيرة العربية كان السيف القاطع لهذا الخطر فإن اقتلاعهم اليوم من كل الأراضي الإسلامية والعربية هو الضربة القاضية على رؤوسهم المليئة بالمكائد والمؤامرات.
لذا فالإعداد لهذا الجهاد فرض ليس له جاء إلا الجنة.
المواجهة الإسلامية لخبث اليهود:
يقول الله تبارك وتعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (آل عمران). إن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالإعداد والاستعداد بجمع الكلمة وبذل الغالي والنفيس لتجهيز الغزاة. وليس لأحد أن يقول: لقد سبقونا بعشرات السنين ولا قدرة لنا عليهم. إن مثل هذا الكلام مثبط للعزائم ودليل على الخنوع والضعف ولا أدل على فساده إلا الثمرة الجلية الواضحة التي قطفها المسلمون من جهاد وبطولات القوى الإسلامية في جنوب لبنان البطل حيث تم ترحيل قوى اليهود الصهاينة من صيدا البطلة وجوارها.
والمؤمن الصادق المخلص لا يُثنيه عن مواجهة العدو شيء فإن انتصر فقد أعز دين الله ورفع لواء الحق وأجزء عند الله وإن سقط شهيدًا فإلى جنات النعيم، قال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحيانًا عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله) (آل عمران).
أخي المسلم، إننا نواجه المؤامرات والمكائد من الاستعمار الباغي ومن الصهيونية الخبيثة وأعوانها وكلٌّ لا يستطيع أن يُحدث ثغرة بيننا إلا إذا تفرقت الصفوف واختلفت الكلمة.
أخي المسلم، إن الاتحاد قوة وإن الفرقة ضعف وقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (آل عمران). ألا لعنة الله على اليهود وعلى أمثالهم وأعوانهم وكافة أعداء الأمة الإسلامية.
أذّن بلالُ وأسمِع الجوزاءَ *** واصدعْ بما نادى النبي وجاءَ
فالجاهلية هُدمت وتحطمت *** وتمزقت وتناثرت أشلاءَ
ومحمد أرسى بناء حضارة *** رفعت على هام العلاء لِواءَ
دين ودنيا، مصحفٌ وعقيدة *** فتحٌ وجيش يقهر الأعداءَ
فاصعدْ بلالُ وقف بأعلى موضعٍ *** واصدعْ بلالُ وأيقظ الجهلاءَ
اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل، أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات.