بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الستون

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المكائد اليهودية واليقظة الإسلامية

قال الله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإيامي فارهبون وأمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) (البقرة).

إن دعوة الأنبياء والمرسلين والصالحين دعوة إلى التوحيد والإيمان بالله وفي ذلك إنقاذ الناس من الكفر والشرك والإلحاد. وقد لاقت على مر العصور والأزمان من المعاندين والمكابرين والمكذبين الشيء الكثير وكثيرًا ما كان يتخلل هذا الأعراض عن قبول دعوة الحق اللجوءُ إلى التنكيل والاضطهاد ضد المؤمنين ومحاولات صرفهم عن إيمانهم بالقوة والقهر، الأمر الذي كان يتطلب من هؤلاء المؤمنين الصبر على البلاء والمزيد من التمسك بدينهم الحنيف وعقيدتهم الحقة. وهكذا كانت دعوة خاتم الأنبياء والمرسلين دعوة رحمة وخير وكانت مواقف أصحابه مواقف صبر وتضحية وكرامة.

فبعد أن اشتد البلاء على المسلمين في مكة من مشركي قريش جاء الأمر بالهجرة إلى المدينة المنورة فهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم أبو بكر بعد الصحابة. غير أن المدينة المنورة كان فيها قوم كمشركي قريش قوم قلوبهم ملؤها الحقد والحسد والضغينة ونفوسهم مشحونة بالعداوة وسرائرهم مخزن للمؤامرات والمكائد هؤلاء القوم هم اليهود لعنهم الله.

خيانة اليهود وغدرهم:

كان في المدينة طوائف من القبائل اليهودية منهم من بني النضير وبني ثعلبة وبني قينقاع وبني قريظة وبني زريق وبني حارثة وبني عمرو وبني النجار. إضافة إلى جماعة من الأوس والخزرج ممن بقوا على جاهليتهم وارتضوا لأنفسهم الكفر لكنهم تظاهروا بالإسلام ونافقوا في السر حفاظًا على حياتهم. وعلى رأسهم عبد الله بن أُبيّ. لقد كان هؤلاء أشد ضررًا على المسلمين من الكفار المعلنين لكفرهم لأنهم كانوا يدخلون بين المسلمين فيعرفون بعض أسرارهم ثم ينقلونها إلى اليهود وأعداء الإسلام والمسلمين.

ولقد عقد الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود لعنهم الله عهدًا على ترك الأذى فلا يؤذونه ولا يحاربونه ولا يُعينون عليه أحدًا وإذا دَهَمَ المسلمين بالمدينة عدو نصروهم. غير أن اليهود أخذوا يعملون في الخفاء كل ما يضر المسلمين ثم خانوا العهد الذي عقدوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فساعدوا المشركين في حربهم مع المسلمين ولكن الله سبحانه وتعالى نصر المسلمين عليهم وأعز دينه وأذل أعداءه.

يهود بني قينقاع:

كان يهود بني قينقاع أول من أثار الشغب على المسلمين واستفزهم، وكانوا من أغنياء المدينة ولهم فيها حصون حربية. وعندما تفاقم أمرهم واشتد طغيانهم. جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاول نصحهم وإرجاعهم عن غيهم وإلزامهم بنصوص المعاهدة. إلا أن يهود بني قينقاع استمروا في غيهم وطغيانهم بالمسلمين إلى أن حدث ذات يوم أن امرأة من العرب قدمت ببضاعة لها فباعتها بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ فاجتمع حولها نفر من اليهود يتحرشون بها وطلبوا منها كشف وجهها فأبت ذلك فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحك اليهود منها وسخروا فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله فشدت اليهود على المسلم فقتلوه وسرعان ما لجأ اليهود إلى حصونهم استعدادًا للحرب واعتصموا فيها. فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة انتهت بإجلائهم عن المدينة وكف شرهم وضررهم على المسلمين.

يهود بني النضير:

أحس الرسولُ صلى الله عليه وسلم بما اعتزم اليهود لعنهم الله القيامَ به من الفتك به غدرًا ونقضًا للعهد الذي بينه وبينهم فقرر إجلائهم عن منطقة يثرب اتقاء لشرهم وتخلصًا من مؤامراتهم، وأرسل إليهم إنذارًا بالجلاء عن المدينة فأخذوا يستعدون للرحيل، غير أن عبد الله بن أبيّ بن سلول رأسَ النفاق في المدينة أخذ يشجعهم على البقاء في المدينة ووعدهم بالمساعدة إذا اقتضى الأمر فقرروا البقاء وأخذوا يتحصنون في معاقلهم وينقلون الحجارة إلى أسطحة المنازل لقذف المسلمين بها واختزنوا كمية من المؤن تكفيهم سنة كاملة.

فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بضرب الحصار حولهم ففعل المسلمون ما أمرهم به رسولُ الله وشددوا الحصار. وقاوم اليهودُ بكل وسائلهم وراحوا يقذفون المسلمين بالنبل والحجارة إلا أن الأمر لم يَطُل بهم كثيرًا فبعد عشرين يومًا من الحصار بعثوا مندوبَهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للتفاوض بشأن جلائهم عن المدينة. وهكذا شرع يهود بني النضير في الجلاء عن المدينة واتجه بعضهم إلى الشام وبعضهم إلى خيبر.

يهود بني قريظة:

عندما انتهت غزوة الأحزاب بنصر المسلمين وهروب أعدائهم هرع يهود بني قريظة إلى حصونهم فزعين من المصير الذي ينتظرهم على أيدي المسلمين جزاء غدرهم وخيانتهم ذلك أنهم كانوا قد نكثوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتآمرهم على المسلمين وتضامنهم مع الأحزاب الذين اجتمعوا لقتال المسلمين. وقد قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُنزل بهؤلاء المكرة الخائنين جزاء ما فعلوا وطلب من سيدنا بلال الحبشي أن يؤذن في الناس قائلًا "من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة".

وأعطى رسول الله الراية لسيدنا علي بن أبي طالب وحاصرهم رسولُ الله خمسًا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقُذف في قلوبهم الرعب. ولما أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فثوابت الأوس فقالوا "يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج" فقال رسول الله "ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجلٌ منكم" قالوا "بلى" قال "فذاك إليّ سعد بن معاذ" وكان سيدنا سعد في خيمة لامرأة يقال لها رفيدة كانت تداوي الجرحى. فلما حكّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة أتاه قومُه وحملوه إلى رسول الله فقال له عليه الصلاة والسلام "يا سعد احكم في بني قريظة" فاخذ سعد يستعرض في ذهنه غدرهم ومكرهم وتآمرهم على المسلمين وجاء حكمه فيهم حقًا وعدلًا فقد حكم بأن تُقتل مقاتلتُهم وتُسبى نساؤهم وذراريهم وتصادر أموالهم وممتلكاتُهم وتُقسم على المسلمين. وهكذا كان فقد حبسهم الرسول بالمدينة في دار بنت الحارث ثم خرج إلى سوق المدينة وخندق بها خنادقًا ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق. فالحمد لله الذي أراح المسلمين من شرورهم ومكائدهم.

اليقظة الإسلامية المطلوبة:

اعلم أخي المسلم، أن الاتحاد طريقُ النصر وما عزت أمة الإسلام وبلغت ما بلغت في أول الأمر إلا أنها آمنت بالله ربًا وسلكت طريق الوحدة واعتصمت بحبل الله وتغلبت على الأهواء مستجيية لقوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم) (آل عمران).

والجهاد ضرورة دينية لرفعة الحق وإقامة حدود الشرع وهو لهذا فريضة من فرائض الإسلام به تعلو كلمة الله وترتفع راية الحق وتنطلق كلمة الإيمان في الآفاق. واعلم أن الإيمان بالله عز وجل شرط لقبول الجهاد في سبيل الله. والمؤمن الذي يخوض المعارك لا يثنيه عن مجابهة عدو الله شيء فإن انتصر فقد أعز دين الله وعاش عزيزًا وأجره عند الله. وإن سقط شهيدًا فإلى جنات النعيم. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لودِدْتُ أن أغزوا فأقتل ثم أغزوا فأقتل. متفق عليه وقال: "من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه. رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.

أخي المسلم، كن واعيًا متيقظًا حذرًا من أعداء الله اليهود وغيرهم ومن مؤامراتهم ومكائدهم وأعدّ لهم ما استطعت من قوة وجاهد بنفسك ومالك وتوكل على الله إن الله كل شيء قدير.

اللهم وحّد كلمتنا وألّف بين قلوبنا وأصلح نفوسنا وانصرنا على أعدائنا يا رب العالمين.