قول النصارى بالاتحاد: (التجسد)
الاتحاد لدى النصارى المراد به هو: أن الله تبارك وتعالى اتخذ جسد المسيح له صورة، وحل بين الناس بصورة إنسان هو المسيح تعالى الله عما يقولون.
شبهتم على دعواهم في الاتحاد:
النصارى يزعمون أن لهم أدلة على هذه الدعوى ومن أظهر ما يستدلون به على ذلك ما ورد في إنجيل يوحنا في بدايته (١/١-١٤) من قول صاحب الإنجيل "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله ... والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا"، ومن أدلتهم أيضًا ما ورد في إنجيل متى (١/٢٣) من البشارة بالمسيح وهو قولهم "وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: "هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا، ويدعون اسمه "عمانوئيل" الذي تفسيره الله معنا"، ويستدلون أيضًا بقول بولس في رسالته الأولى لتيموثاوس (٣/١٦) "عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح"، كما يستدلون أيضاً بما ورد في الرسالة إلى العبرانيين (١/٢) "الذي به أيضًا عمل العالمين الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته".
الرد عليهم:
يرد على النصارى في هذه العقيدة الباطلة من عدة أوجه:
_هذه العقيدة من المستحيل عقلًا قبولها لأنها تعني أن الله جل جلاله وتقدست أسماؤه قد تقمص هيئة النطفة أو هيئة الجنين ودخل في بطن مريم وعاش في تلك الأوحال والأقذار فترة من الزمن، تمُّر عليه أحوال وأطوار الجنين والوضع ثم الطفولة! وهل يقال إن مدبر العالم كان في بطن امرأة يتقلب بين الفرث والدم؟ فهل يعقل النصارى ما يقولون ويزعمون أم لا يعقلون؟
_إن دعوى التُّجسد لديهم بما فيها من اللوازم الفاسدة والتصورات القبيحة المهينة في حق الله جل جلاله وتقدست أسماؤه: إنما هي مبررات للصلب ثم الفداء في زعمهم وسيأتي بيان بطلان ذلك كله، وأنها من مخترعات النصارى التي لا دليل عليها، فعلى ذلك فما بني على باطل فهو باطل أيضًا.
_ ما يستندون إليه مما ورد في إنجيل يوحنا فقد سبق بيان عدم الثقة به لعدم وجود إسناد يثبت صحة ذلك الكتاب، بل صرح الكثير من النصارى كما سبق بيانه بأنه إنجيل مزور، كما أن النص المذكور منه هو نص مضطرب لفظاً ومعنى ولا يتضح مدلوله، بل أورد عقيدة مهزوزة مضطربة ليست واضحة المعالم لدى قائله، فقوله:"في البدء كان الكلمة " ما هو الذي كان الكلمة ؟ فهل الله كلمة؟، هذا ما يبدو من سياق العبارة حيث يضيف "وكان الكلمة الله" فهل في عقيدة النصارى أن الله كلمة؟ ذلك باطل ولا يقول به النصارى، كما أن معنى ذلك أن كلمة أنتجت كلمة، والكلمة الأولى هي الله، والكلمة الثانية هي المسيح، ولا يقول النصارى بذلك، فهي عبارة مضطربة لا معنى لها في عقيدة النصارى.
ثم ما المراد بالبدء؟ هل يعنى ذلك بداية الله أم بداية الكلمة التي يزعمون أنها المسيح؟ كلاهما باطل في عقيدة النصارى فهم يقولون إنهم يعتقدون أن الله أزلي والكلمة معه أزلية، وأن الله لم يسبق المسيح في الوجود فهذه أيضًا لا مدلول ولا معنى لها في عقيدة النصارى بل هي تناقض عقيدتهم، وما بعدها أعجب منها حيث يقول: "وكان الكلمة عند الله" فكيف هي الله؟ وكيف هي عنده؟ هذا ما لا يقبله العقل السليم، أما عقول النصارى الضالة فتقبله، لأنهم يزعمون أن المسيح هو ابن الله وهو الله وهو عند الله في وقت واحد.
ثم قوله: "والكلمة صار جسدًا ثم حلَّ بيننا" هذا بيت القصيد لدى النصارى، وهو أن الكلمة تحولت إلى جسد وهو المسيح وحلت بين الناس، ومرادهم بالكلمة في تأويلاتهم الفلسفية: عقل الله أو فكر الله، وهي مقولة الفلاسفة الوثنيين حيث زعموا: أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وهذا الذي صدر عنه هو العقل الفعَّال وهو الذي خُلق العالم بواسطته، فهذه مقولة الفلاسفة اقتبسها كاتب الإنجيل المحرف وضمنها كتابه بدون أي مستند من وحي سماوي.
_وما أوردوه من كلام بولس هو كلام مردود عليه وغير مقبول، ولم يبين مستنده لما ينسبه إلى المسيح بل هو كاذب، وهذه حقيقة ذلك الرجل الذي أضل النصارى عن دين المسيح حيث تنسب إليه جميع التحريفات التي عليها النصارى.
_ هذه العقيدة مع خلوها من النصوص الشرعية التي تثبتها مناقضةٌ للعقل، ويعترف النصارى بذلك، ويجعلونها من الأسرار، وفي هذا يقولون عن التجسد: "فهو سر الأسرار الذي فيه يستعلن الله العظيم الأبدي إلى الإنسان الضعيف في صورة الناس المنظورة وتحت حكم الزمن، وبالعقل لا يدرك الإنسان من هذا السر شيئًا، وإنما يمكن للروحانيين بالروح القدس أن يعرفوا حتى أعماق الله"(1).
لقد قطع النصارى على أنفسهم نعمة النظر واستخدام العقل الذي وهبهم الله إياه، وتحكموا في أتباعهم بإجبارهم على إلغاء عقولهم فيما يملون عليهم من ترهات وسخافات، وذلك بقولهم بزعمهم "إنها سر لا يدرك" ولا يفهم ولا يعرف، فهو أمر خلا من الدليل الشرعي والدليل العقلي، وليس إلا من إملاء الشياطين وأتباعهم.
ثم إن النصارى يخدعون الناس بما يزعمون من أن الأمر يدرك بالروح القدس، فإن هذا من الكلام الفارغ الذي لا معنى تحته، لأن معنى قولهم هذا أن قبول شخص من الأشخاص لهذه العقيدة إنما يتم بالروح القدس فإذا لم يقبلها عقله ولا قلبه بناءً على خلوِّها من الدليل الشرعي والعقلي قالوا له: إن الروح القدس لم يهبك الإيمان بها. وهذا كلام فارغ، ويشبه النصارى الوثنيين من ناحية دعواهم بوجوب التسليم لمقولتهم بدون استناد على الشرع أو استخدام للعقل في المسألة.
أما الروح القدس فأقحم هنا إقحامًا، وإلا فما الذي يثبت أن الروح القدس هو الذي جعل أحدهم يؤمن بما يقال له وليس شيطانًا من الشياطين؟ كيف يفرق الإنسان بين الاثنين؟ بل النظر إلى الدليل الشرعي والعقلي، وقد استطاع النصارى بخبث شديد أن يعطلوهما ويلغوهما لما زعموا أن الأمر سر من الأسرار الكنسية التي يجب الإيمان به إيمانًا مجردًا عن الفهم، وهم إذا عجزوا عن فهم قضية وإقامة الدليل عليها زعموا أنها سر، ولازم ذلك: أن كبارهم وعلماءهم إما أن يعلموا ذلك السر أو لا يعلمونه.
والحقيقة أنهم لا يعلمونه ولا يدرون له وجهًا، وأن علم الطالب المبتدئ منهم مثل علم أكبرهم في مثل هذه القضايا، وإذا كان أمر لا يعرفه الكبير ولا الصغير فكيف يقبلونه؟! فلا بالشرع استناروا ولا بالعقل استرشدوا، ودعوى أن الروح القدس يعلمهم دعوى فارغة لا حقيقة لها.
قال صاحب "تخجيل من حرف التوراة والإنجيل":
الوجه الخامس: قول الأمانة: "إن المسيح الإله الحقّ الذي خلق كلّ شيء، نزل من السماء لخلاص الناس، وتجسد من روح القدس إنساناً وحبل به وولد".في هذا الكلام عدة مفاسد:
_منها قولهم: "إنه إنما نزل وتجسد وحبل به لخلاص معشر الناس"، فهم يريدون أن آدم لما عصى أوثق سائر ذريته في حبالة الشيطان، وأوجب عليهم الخلود تحت طباق النيران، فكان خلاصهم بقتل المسيح وصلبه والتنكيل به، فإنها دعوى لا دلالة عليها.
وهب أنا سلمنا لكم فأخبرونا عن هذا الخلاص... كيف استقل بخلاصكم دون الأب والروح والربوبية بينه وبينهم أثلاثًا؟ وكيف صار مبتذلًا ممتهنًا في خلاصكم دون الأب والروح؟
فهذه عدة أسئلة فإن زعموا أن الخلاص قد حصل لهم من تكاليف الدنيا وهمومها وأمراضها وأعلالها وهرمها وموتها، أكذبَهم الحسُّ، فإنا نراهم ولا مزية لهم على سائر البشر، وإن زعموا أنهم قد خلصوا من هموم السعي في طلب الرزق والتكسب للعيال والتبذل في تحصيل ضرورات العيش أكذبهم الحسُّ أيضاً، وإن زعموا أنهم قد خلصوا من تكاليف الشرع، وأنهم قد حطّ عنهم المسيح بمجيئه الصوم والصلاة وسائر وظائف التكليف، وأنهم غير مؤاخذين بشيء منها، أكذبهم العافرون بما وُظِّف عليهم من الصوم والصلاة والقرابين وغير ذلك،.
وإن زعموا أنهم خلصوا من أحكام الدار الآخرة، وأن من تعاطى في الدنيا جريرة فزنى منهم وسرق وقتل وقذف لا يؤاخذ يوم القيامة بشيء من ذلك أكذبهم الإنجيل المحرف والنبوات، إذ يقول المسيح[على زعمهم] في الإنجيل: "إني أقيم الناس يوم القيامة عن يميني وشمالي فأقول لأهل اليمين: فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى النعيم المعدِّ لكم قبل تأسيس الدنيا، وأقول لأهل الشمال: فعلتم كذا وكذا فاذهبوا إلى العذاب المعدّ لكم قبل تأسيس العالم".
وإذا كان هذا حالكم في الدنيا والآخرة، فأين الخلاص الذي تدعون أن الإله تعنى ونزل إلى الأرض وأكل وشرب، وخامرته الهموم والغموم، وذاق الموت ليحصِّله لكم، وسميتموه بسببه: "مخلص العالم"، وإذا لم يحصل لكم الخلاص الذي تدعون فقد بطلت الأمانة.
فهذا بحثنا عن ماهية الخلاص الذي جاء لأجله فلم يتهيأ له؛ بل بقيتم مركوسين منكوسين على ما كنتم عليه قبل مجيئه، فأخبرونا ممن خلّصكم؟! هل كان قد غلبه عليكم غالب؟ أو سلبكم من يديه سالب؟ وهل كان معه مزاحم له عليكم أوقع بكم من المكروه ما اضطرّه إلى تَجَشُّمه هذه النقائص لخلاصكم؟!.
فإن قلتم: إنه كان له عدوّ مناصب، قد عاث في مملكته حتى استولى عليها وحاز أطرافها وجرت فيها أحكامه شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، لكان هذا العدوّ الذي تدعون أعظم منه مملكة، وأعزّ جانبًا، وأنفذ قدرة، ومن كان هذا حاله فهو لا شكّ أحقّ بالعباد والبلاد منه.
فأخبرونا أليس الأقانيم المعبودة الثلاثة قديمة أزلية، وهي: أب وابن وروح قدس، فما الذي أوجب اختصاص الابن بالنُّزُول ومحاربة الشيطان، دون الأب والروح، مع استوائهم في الربوبية؟.
- الوجه السّادس: قول الأمانة: "وتجسد من روح القدس" وذلك باطل بنصّ الإنجيل؛ إذ يقول متى في الفصل الثاني من إنجيله: "إن يوحنا المعمداني حين عمَّد المسيح جاءت روح القدس إليه من السماء في شبه حمامة"، وذلك بعد ثلاثين سنة من عمر المسيح، وإذا كان ذلك كذلك بطل أن يكون متجسداً من روح القدس وكذبت الأمانة.
وإذا كان لا بدَّ من تصديق المُخْبِر، فإخبار نبي الله يحيى بن زكريا أولى بالتصديق من أخبار مَن جاء بعد المسيح بمدة متطاولة، ونظم هذه الأمانة المتناقضة، ثم التجسد من شيء إنما يصح لو كان من جنسه كالماء مع الماء، وكالنار والنار، ولا تجانس بين الإله والإنسان، وبين القديم والحادث، وكلّ ذلك يرد الأمانة ويبيّن زلل مَن عقدها.
وقول: "إن المسيح نزل من السماء، وحبلت به امرأة وسكن رحمها". مُكَذَّب بقول لوقا إذ يقول في قصص الحواريين في الفصل الرابع عشر منه: "إن الله هو خالق العالم بما فيه، وهو ربّ السماء والأرض، لا يسكن الهياكل، ولا يناله أيدي الرجال، ولا يحتاج إلى شيء من الأشياء؛ لأنه هو الذي أعطى الناس الحياة فوجودنا به، وحياتنا وحركاتنا منه.
الصلب والفداء
الصلب: اليهود والنصارى يعتقدون أن المسيح عليه السلام مات مصلوبًا، ويزعم اليهود أن المسيح كفر بالله لهذا حملوا عليه وطالبوا بدمه، وزعموا أنه مات مصلوبًا، والموت على الصليب يستلزم اللعنة عندهم فقد ورد في سفر التثنية (٢١/٢٢) "وإذا كان على إنسان خطيئة حقها الموت فقتل وعلقته على خشبة فلا تبت جثته على الخشبة بل تدفنها في ذلك اليوم، لأن المعلق ملعون من الله".
أما النصارى فهم يعتقدون كذلك أن المسيح مات مصلوبا إلا أنهم يعللون ذلك بأنه: صلب فداءً للبشر لتخليصهم من خطيئة أبيهم آدم عليه السلام، وهي أكله من الشجرة التي نهي عنها، فانتقلت تلك الخطيئة إلى أبنائه، وأغضبت الله عليهم أيضًا، فكان لابد من وسيط يتحمل هذا الإثم ويرضى بأن يموت على الصليب، وهذا الوسيط المخلص في زعمهم لابد أن يكون متميزا خاليًا من الإثم والخطأ، ولا يكون هذا إلا ابن الله -في زعمهم - ثم لابد أن يكتسب الخطيئة عن طريق الجسد فهذا ما جعله يتجسد في صورة عيسى، ويخرج من بطن مريم ثم يموت على الصليب فداءً للبشر، فيرضى الله بذلك عن بني آدم وترتفع عنهم تلك الخطيئة، لأنهم يزعمون أن الله جل وعلا منذ أن وقع آدم في الخطيئة هو غضبان على بني آدم بسبب الخطيئة،
ولا بد بناء على عدله أن يعذبهم، وهو بناء على رحمته يحب أن يرحمهم، فأنزل ابنه ليكون الوسيط والفداء الذي يقع عليه العدل فيعذب على الصليب حتى الموت فيكون موته فداء لبني آدم فيمكن بعد ذلك رحمة بني آدم لأن العقاب قد حل بالوسيط المخلص، فكان بهذا المسيح هو الذي جمع بين عدل الله ورحمته وفتح باب رحمة الله لخلقه مرة أخرى.
فهنا أمران وهما: الصلب، والفداء، فنبين ما يتعلق بكل واحد منهما:
الصلب:
- قصة الصلب إجمالا كما وردت في الأناجيل:
يعتقد النصارى كما سبق بيانه أن المسيح مات مصلوبًا، وقصة الصلب وردت في أناجيلهم باختصار وهي: أن المسيح عليه السلام طلبه اليهود ليقتلوه لأنه في زعمهم كفر بالله، فدلهم على مكانه أحد أتباعه وهو يهوذا الإسخريوطي بعد أن أغروه بالمال، فقبضوا عليه ليلة الجمعة بعد أن كان قد فرغ من صلاة طويلة تضرَّع وتوسل فيها إلى الله عز وجل أن لا يذيقه هذا الكأس، ثم ساقوه إلى دار رئيس كهنة اليهود الذي تحقق من أنه مستحق للقتل، ثم حمل إلى دار الوالي الروماني الذي حكم عليه بالصلب بناء على رغبة اليهود، فصلب الساعة الثالثة صباحًا من يوم الجمعة ومات على الصليب الساعة التاسعة مساء أي وقت العصر بعد أن صاح "إلهي إلهي لماذا تركتني".
ثم أُنِزْل من الصليب في تلك الليلة، وأُدِخْل قبرًا بقي فيه تلك الليلة ثم نهار السبت ثم ليلة الأحد، ولما جاؤوا إليه صباح الأحد وجدوا القبر خاليًا وقيل لهم إنه قام من قبره، ثم إنه ظهر لهم في الجليل وكلمهم وبقي معهم أربعين يومًا ثم ارتفع إلى السماء وهم ينظرون إليه، هذا ما ورد في الأناجيل المحرفة عن قصة الصلب إجمالًا.
- اختلاف المعلومات الواردة في الأناجيل المحرفة عن الصلب:
إذا نظرنا إلى قصة الصلب في الأناجيل المحرفة نجدها مختلفة في أكثر نقاطها، وإليك بيان الاختلافات الموجودة في رواية هذه القصة:
_ذكر لوقا: أن ملكًا من الملائكة تراءى للمسيح يقوي عزيمته في آخر صلاة صلاها، ولم يذكر ذلك الآخرون.
_ذكر لوقا: أن المسيح صلى مرة واحدة، ولم يوقظ تلاميذه إلا مرة واحدة، أما متى ومرقص، فذكرا أن ذلك تكرر ثلاث مرات، ويوحنا لم يذكر من ذلك شيئًا.
_الأناجيل الثلاثة متى ومرقص ولوقا ورد فيها: أن العلامة بين يهوذا الذي دل اليهود على مكان المسيح واليهود الذين جاؤوا للقبض على المسيح هي أن من يُقَبِّلُه فهو المسيح، ويوحنا ذكر أن المسيح خرج إليهم وسألهم عمن يطلبون فقالوا: يسوع فقال لهم: أنا هو.
_ذكر يوحنا: أن بطرس وتلميذًا آخر تبعا المسيح إلى رئيس الكهنة بعد أن قبض عليه، أما الآخرون فلم يذكروا سوى بطرس الذي خرج بعد ذلك ولم يشاهد المحاكمة.
_الأناجيل الثلاثة المحرفة ذكرت: أن المسيح لما ذهب به اليهود إلى بيلاطس الوالي الروماني فسأله عما يتهمونه به من أنه ملك اليهود، لم يجبه المسيح بشيء حتى تعجب منه بيلاطس، ويوحنا يزعم أنه جرى بينهما كلام.
_الأناجيل الثلاثة المحرفة ذكرت أن الصليب الذي صلب عليه المسيح سخر له رجل اسمه "سمعان القيرواني" لحمله، وأما إنجيل يوحنا فيذكر أن المسيح هو الذي حمل صليبه.
_ذكر لوقا: أن المسيح التفت إلى الجموع وهو في طريقه إلى الصليب وحذرهم مما سيقع لهم في الأيام القريبة من الأمور الخطيرة العظيمة، ولم يذكر ذلك أي من الأناجيل المحرفة الأخرى.
_إن علة صلب المسيح حسب لوقا مكتوبة على الصليب هكذا "هذا هو ملك اليهود" باليونانية واللاتينية والعبرانية، وفي مرقص "ملك اليهود" ولم يذكر اللغات التي كتب بها، وفي متى "هذا هو يسوع ملك اليهود" ولم يذكر اللغات، وفي يوحنا "يسوع النصارى ملك اليهود" باليونانية واللاتينية والعبرانية.
_أن مرقص ومتى ذكرا: أن اللصَّين اللذين صلبا مع المسيح كانا يعيرانه مع الناس، أما لوقا فقد ذكر: أن أحدهما عيَّره، أما الآخر فرد عليه ودافع عن المسيح ولم يذكر يوحنا ذلك.
_ذكر يوحنا: أنه كان تقف عند الصليب أم المسيح وأخت أمه ومريم المجدلية مع التلميذ الذي يحبه المسيح يعني نفسه، وأما لوقا ومرقص ومتى فقد ذكروا: أن نساء من بعيد كن ينظرن إليه، من بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويسى وسالومه وأخر كثيرات، ولم يذكروا حضور أي تلميذ من تلاميذه الصلب.
_في متى ومرقص: أن المسيح صرخ في الساعة التاسعة وقال "ألوى ألوى لما شبقتني" وتفسيره"إلهي إلهي لماذا تركتني"، وفي لوقا قال "ونادى يسوع بصوت عظيم قائلا يا أبت في يديك أستودع روحي"، وفي يوحنا أنه لم يصرخ وإنما قال "قد أكمل، ونكس رأسه، وأسلم الروح".
_الاختلاف في الأحداث بعد الصلب حيث قال متى "انشق حجاب الهيكل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبر بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين"، وفي مرقص "انشق حجاب الهيكل إلى اثنين"، وفي لوقا "أظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل "، ويوحنا لم يذكر من ذلك شيئًا.
_الاختلاف في عدد ووقت الذين جاؤوا صباح الأحد لمشاهدة القبر الذي فيه المسيح ووجدوه خاليًا.
فهذه الاختلافات العديدة بينهم في رواية ما يعدّونه أعظم حادث في حياة المسيح وهو الصلب يدل على أنه ليس لديهم علم مؤكد ومحقق في هذا الأمر، وأن ذلك كله من باب الظن والخرص الذي لا يغني من الحق شيئا، ولو كان عندهم فيه شيء مدون، أو رواة ثقات عاينوا وشاهدوا الأحداث لما اختلفوا فيه. وانظر واستمع إلى كلام الله عز وجل في الواقعة وعن رواتها حيث قال عز وجل {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} النساء آية (١٥٧) .
فأكد الله جل وعلا عدم صلبه وأنه رفعه إلى السماء، وبيَّن أن الأمر قد شُبِّه على اليهود الذين زعموا أنهم صلبوه، كما أن الذين اختلفوا فيه وهم النصارى الضالون علمهم فيه غير مؤكد، إذ هم متبعون للظن في قولهم وزعمهم، ويؤكد ذلك ويبينه أن الأناجيل الثلاثة المحرفة متى، ومرقس، ولوقا قد ذُكر فيها: أن التلاميذ حال القبض على المسيح تركوه وفروا جميعًا، فهم لم يعاينوا القبض عليه ولا محاكمته، ولا رفعه على الصليب، ولا موته، ولا دفنه، ولا قيامته من القبر، وأن الذي شاهد الصلب مجموعة من النساء كن ينظرن إليه من بعيد.
(1) تأملات في سر التجسد ص٧.