رفع المسيح عليه السلام من الأرض ومجيئه مرة أخرى
الحق بالنسبة للمسيح عليه السلام أن الله عز وجل أنجاه من أعدائه اليهود ، قال الله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} آل عمران الآيات (٥٢-٥٥)، فقوله {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} فيها تقديم وتأخير، تقديره رافعك إلي ومتوفيك.
وقال عز وجل رادًا على اليهود في ادعاءاتهم على المسيح وأمه ومبينًا الحق فيما يتعلق بنهاية المسيح عليه السلام {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}، النساء الآيات (١٥٦-١٥٨) .
وقد دلت السنة على أن المسيح عليه السلام سينزل آخر الزمان كما ورد في عدة أحاديث، وأجمع المسلمون على هذه العقيدة وهي أن المسيح عليه السلام سينزل آخر الزمان بناء على تواتر الأحاديث في ذلك، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع في هذه الأزمان المتأخرة ممن زعموا أن هذه عقيدة يهودية دخلت على المسلمين، وتابعهم على ذلك كثير من الكتاب الذين ليس لهم علم بهذه الأمور سوى التقليد، والحق أن هذه العقيدة ثبتت بالأدلة الصحيحة من السنة وأجمع علماء الاسلام عليها مما لاحاجة لنا معه إلى قول أحد من الناس وتخرصاته.
ومما يجدر ذكره هنا أن النصارى يعتقدون رجعة المسيح قبل يوم القيامة وأنه سيحاسب الناس ويضم أتباعه إليه(1)، ومن النصوص الدالة على ذلك عندهم ما ورد في سفر أعمال الرسل (١/١٥) بعد رفع المسيح إلى السماء قولهم "أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء، إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء"، وكذلك اليهود يؤمنون بأن مسيحًا سيأتي آخر الزمان وينتصر به اليهود على أعدائهم، واليهود منذ أن زال ملكهم وهم ينتظرون ذلك المسيح الذي يعيد إليهم ملكهم.
ومما لاشك فيه ولا مرية أيضًا أن هناك رجلًا آخر سيسبق مجيء المسيح عيسى عليه السلام ألا وهو المسيح الدجال، وهو مسيح الضلالة والغواية والدعوة إلى الكفر ونصير الكفار، فهما مسيحان سيأتيان في وقت متقارب جدًّا، إذا ظهر أولهما لحقه الآخر، هذا مما ثبت لدى المسلمين بالأدلة القاطعة الثابتة.
واليهود وبعضٌ غيرهم يصدِّقون به، أما انحياز اليهود إليه فلأنَّه منهم، كما أن قتله يكون بين اليهود في فلسطين بباب لُدٍّ، فبعد ظهور المسيح الدجال واتباع اليهود وأهل الضلالة له، ينزل عيسى بن مريم عليه السلام كما قال عليه الصلاة والسلام "فينزل - يعني عيسى عليه السلام - عند المنارة البيضاء شرقي دمشق" فيدركه بباب لد في فلسطين فيقتله.
قال صاحب"تخجيل من حرف التوراة والإنجيل":
الباب الخامس: في أنّ المسيح عليه السلام وإن قُصدَ وطُلبَ فما قُتلَ وما صُلبَ
نورد هذا الفصل على نصّه لتقفوا عليه وتعجبوا من هذه النقائص التي نسبها النصارى إلى المسيح مع قولهم بربوبيته واعتقادهم أنه خالق السماء والأرض وجامع الناس ليوم العرض.
قال النصارى: بينما يسوع [جالس] مع تلاميذه ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر نيسان إذ جاء يهوذا الإسخريوطي أحد الاثني عشر، ومعه جماعة معهم السيوف والعصي من عند رؤساء الكهنة ومشائخ الشعب وقد قال لهم يهوذا: الرجل الذي أُقبّله هو هو فأمسكوه، ثم جاء يهوذا وقال: السلام عليك يا معلم ثم قبَّله، فقال يسوع: ألهذا جئت يا صاحب؟ فوضعوا أيديهم عليه وربطوه، فتركه التلاميذ، كلهم هربوا، فقال يسوع: مثل ما يفعل باللصوص خرجتم إليَّ بالسيف والعصيّ وأنا عندكم في الهيكل كل يوم أُعلم فلم تعرضوا لي، لكن هذه ساعة سلطان الظلمة، [فأخذ] إلى رئيس الكهنة حيث يجتمع الشيوخ - وتبعه بطرس من بعيد ودخل معه الدار ليلًا وجلس ناحيةً منها متنكرًا ليرى ما يؤول أمره إليه - فالتمس المشائخ على يسوع شهادة ليقتلوه بها،
فجاء جماعة من شهود الزور، ثم تقدم منهم اثنان فشهدا أن يسوع قال: أنا أقدر أن أنقض هيكل الله وأبنيه في ثلاثة أيام، فقال له الرئيس: أما تجيب عن نفسك بشيء؟ فسكت يسوع فأقسم عليه رئيس الكهنة بالله الحي أنت المسيح؟ فقال له المسيح: أنت قلت ذلك وأنا أقول لكم إنكم من الآن لا ترون ابن الإنسان حتى ترونه جالسًا عن يمين القوة وآتيا في سحاب السماء، فلما سمع رئيس الكهنة ذلك شقَّ ثيابه وقال: ما حاجتنا إلى شهادة هوذا، قد سمعتم تجديفه، ماذا ترون في أمره؟ فقالوا: هذا مستوجب الموت، فحينئذٍ بصقوا في وجهه ولطموه وضربوه وهزؤوا به جدًّا وجعلوا يلطمونه ويقولون له: بيِّن لنا أيّها المسيح من لطمك، ولما كان من الغد أسلموه لفلاطس القائد فتصايح الشعب بأسره وقال: يصلب يصلب.
فتحرَّج فيلاطس من قتله وقال: أيُّ شيء فعل هذا؟ فقال الشيوخ: دمه عليهم وعلى أولادهمم، فحينئذٍ ساقه جند القائد إلى الأبروطورون، واجتمع عليه الشعب ونزعوا ثيابه وألبسوه لباسًا أحمر وإكليلًا من الشوك، وتركوه على رأسه وجعلوا في يده قصبة، ثم جثوا على ركبهم يهزؤون به ويقولون: السلام عليك يا ملك اليهود، وشرعوا يبصقون عليه ويضربونه في رأسه، ثم ذهبوا به وهو يحمل صليبه إلى موضع يعرف بالجمجمة فصلبوه، وسمَّروا يديه على الخشبة، وسألهم شربة ماء فأعطوه خلًا مذابًا بمر فذاقه ولم يسغه، فنادى على الخشبة:
إلهي إلهي لم خذلتني؟، وجلس الشرط فاقتسموا ثيابه بينهم بالقرعة، وجعلوا عند رأسه لوحًا مكتوبًا هذا يسوع ملك اليهود استهزاءً به، ثم جاءوا بِلِصّين فجعلوهما عن يمينه وشماله تحقيرًا له، وكان اليهود يقولون له: يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خَلص نفسك إن كنت ابن الله كما تقول.
وقال اليهود: هذا يزعم أنه خلص غيره فكيف لم يقدر على خلاص نفسه؟ إن كان متوكلًا على الله فهو ينجيه مما هو فيه، ولما كان ست ساعات من نهار الجمعة صرخ يسوع وهو على الصليب بصوت عظيم فقال: " [ألوى ألوى لما شبقتني] تفسيره "إلهي إلهي لم تركتني؟ "، فأخذ اليهود إسفنجة فيها خل ورفعها أحدهم إلى قصبة وسقاه وقال آخر منهم: دعوه حتى نرى من يخلصه، فصرخ يسوع وأمال رأسه، وأسلم الروح، فانشق جدار الهيكل، وتزلزلت الأرض، وانشقت الصخور، وتفتحت القبور وقام كثير من القديسين من قبورهم فدخلوا المدينة المقدسة، ولما كان المساء جاء رجل من الرامة يسمى يوسف فسأل القائد جسد يسوع، فأمر له به، فلفّه يوسف بلفائف نقية، وتركه في قبر كان قد نحته في صخرة،
ثم جعل على باب القبر حجرًا عظيمًا، وجاء مشائخ اليهود من الغد الذي بعد الجمعة إلى فيلاطس القائد فقالوا: يا سيد ذكرنا أن ذاك الضال كان قد قال لتلاميذه: أنا أقوم بعد ثلاثة أيام، فلو أمرت من يغلق القبر ويحرسه، حتى تمضي المدّة كيلا يأتي تلاميذه ويسرقوه، ثم يشيعوا في الشعب أنه قد قام فتكون الضالة الثاني [شرّاً] من الأولى، فقال لهم القائد: اذهبوا وسدوا عليه وحَرِّسُوا كما تريدون، فمضوا وفعلوا ما أرادوا، وفي عشية يوم السبت جاءت مريم المجدلانية ومريم رفيقها لينظرن إلى القبر، وفي إنجيل مرقس إنما جاءت مريم يوم الأحد بغلس، وجلس عنده وعليه ثياب بيض كالبرق، فكاد الحراس يموتون من هيبته، ثم قال للنسوة:
لا تخافا قد علمت أنكما جئتما [تطلبان] يسوع المصلوب، ليس هو هاهنا، إنه قد قام تعالين فانظرن إلى المكان الذي كان فيه الرّبّ واذهبا وقولا لتلاميذه: إنه يسبقكم إلى الجليل، فمضتا وأخبرتا التلاميذ، ودخل الحرس وأخبروا رؤساء الكهنة الخبر، فقالوا: لا تنطقوا بهذا وارشوهم بفضة على كتمان القضية، فقبلوها منهم وأشاعوا أن تلاميذه جاءوا وسرقوه، ومهدت المشائخ عذرهم عند القائد، ومضى الأحد عشر تلميذًا إلى الجليل، وقد شكّ بعضهم وجاءهم وكلمهم، وقال لهم: اذهبوا فعمدوا كلّ الأمم وعلموهم ما أوصيكم به وهو ذا أنا معكم إلى انقضاء الدهر.
[قال المؤلِّف]: أوّل ما نفاتح النصارى أن نقول: ما ادعيتموه من قتل المسيح وصلبه أتنقلونه تواتراً أو آحاداً؟
فإن زعموا أنهم ينقلونه نقل الآحاد لم تقم بذلك حجة ولم يثبت العلم الضروري، إذ الآحاد لا يؤمن عليهم السهو والغفلة والتواطؤ على الكذب، وإذا كان الآحاد يعرض [لهم] ذلك فلا يحتج بهم في القطعيات.
وإن عزوا ذلك إلى التواتر، قلنا لهم: شرط التواتر استواء الطرفين فيه والواسطة، وهو أن ينقل الجم الغفير عن الجم الغفير الذين به علموه ضرورة، فإن اختل شيء من ذلك فلا تواتر.
وإن زعم النصارى أن خبرهم في قتل المسيح وصلبه بهذه الصفة فحتى نصوص الإنجيل المحرف التي بأيديهم لا توافق ذلك، إذ قال نقلَتُه الذين دونوه لكم وعليهم معوَّلكم: "إن المأخوذ للقتل كان في شرذمة من تلاميذه، فلما قبض عليه هربوا بأسرهم ولم يتبعه سوى بطرس من بعيد فلما دخل الدار حيث اجتمعوا نظرت جارية منهم إلى بطرس فعرفته فقالت: وهذا كان معه، فحلف بطرس أنه لا يعرف يسوع ولا يقول بقوله، وخادعهم فذهب ولم يعد، وأن شابًا تبعه وعليه إزار فتعلقوا به فترك إزاره في أيديهم وأفلت عريانًا".
فهؤلاء أصحابه وأتباعه لم يحضر منهم ولا رجل واحد على قول النصارى بشهادة الأناجيل، وأما أعداؤه من اليهود الذين تزعم النصارى أنهم حضروا الأمر فلم يبلغوا عدد التواتر أصلًا، بل كانوا آحادًا وأفرادًا، فمن نازع فيما قلناه ونقلناه فهذا الإنجيل المحرف الذي بأيديهم يشهد بما قلنا.
فلا جَرَم أن قُدِّم تواتر الكتاب العزيز وهو قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم} [سورة النساء، الآية: ١٥٧] .
أسمعتم يا معشر النَّوْكى بربٍّ في قبرٍ، وإلهٍ في لحدٍ؟! أيُّ جَدَثٍ وسعه عندكم؟! أيُّ كفنٍ واراه؟! أيُّ نعشٍ حمله؟! هل نجا من ضغطة القبر؟! هل لُقِّن حجته عند السؤال؟! هل ثبت جأشه عند طلعة الملك؟!
وفي الفصل موضعان آخران يشعران ببطلان كلامهم، منها أن المصلوب شكا العطش، مع أن الإنجيل المحرَّف مصرِّح: "بأنّ المسيح كان يطوي أربعين يومًا أو أربعين ليلة"، ويقول لتلاميذه: "إن لي طعامًا لستم تعرفونه"، ومن صبر عن الماء والطعام هذه المدة لا يجزع من فراقه ساعة واحدة، وبذلك يتحقق أن العطشان غيره والمستسقي سواه.
والموضع الآخر: قوله: "إلهي وإلهي لِمَ تركتني وخذلتني؟ "، وهذا ينافي الرضى بالقضاء ويناقض التسليم، ويجل عن ذلك رتبة الصالحين، فضلًا عن أكابر المرسلين. فإن أبى النصارى إلاّ أن يكون قائل هذا هو المسيح، قلنا لهم: ألم تزعموا أن المسيح تعنَّى ونزل ليؤثر العالم بنفسه، ويُخلِّصه من الشيطان ورجسه؟! أفتقولون إنه تبرّم بالإيثار، واستقال العِثار؟
ألم ترووا بزعمكم عن التوراة أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون كانوا حين احتُضروا مستبشرين بلقاء ربّهم فرحين، لم يجزعوا من الموت ولا هابوه ولا استَوبلَوا مذاقه ولا أعابوه، هذا وهم عبيد، والمسيح بزعمكم ولدٌ وربٌّ، أفكان وثوقهم بالله فوق وثوقه، أم حظ المسيح عند الأب دون حظ رقيقه؟!.
أين قول النصارى في شريعة إيمانهم: "نؤمن بالرّبّ الواحد يسوع المسيح الذي بيده أتقنت العوالم وخلق كلّ شيء، وليس بمصنوع، الذي نزل من السماء لخلاص معشر الناس؟!!.
وكيف يصحّ لهم هذه الدعوى والمصلوب ينادي بحضرة اليهود: "إلهي إلهي كيف تركتني وخذلتني؟!! "، وكيف يكون خالق السماوات والأرض مقرونًا باللصوص، مصلوبًا على الخشب له إله يدعوه ويسأله أن لا يتركه ولا يخذله؟!
(1) انظر الأمور المتيقنه عندنا - تأليف القس كارل وليمز ص١٧١ وانظر: رؤيا معاصره حول مجيء المسيح الثاني ص ١٠.