بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي عشر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الأمين.
الإسلام دين الأنبياء جميعهم
خلق الله تبارك وتعالى العباد بمقتضى رحمته وكلّفهم بمقتضى عدله. وارتضى لهم دينًا واحدًا وأمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع غيره ألا وهو دين الإسلام دين الأنبياء والمرسلين.
قال الله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) فالدين الذي رضيه الله لنا وأمرنا بالثبوت فيه على الدوام هو الدين الذي لا نقص فيه ولا عيب ولا خلل، هو الدين التام الكامل الذي فيه صلاح العباد في الدنيا والآخرة.
إن هذا الدين العظيم الإسلام هو دين جميع الأنبياء، وإن العقيدة التي دعا إليها الأنبياء هي عقيدة التوحيد. فكل الأنبياء قالوا لا إله إلا الله وكلهم دعا إلى عبادة الله الواحد الذي لا شريك له الموصوف بصفات الكمال التي تليق به المنزه عن كل نقص في حقه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله" رواه مالك والترمذي وغيرهما.
وقد قال الله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون).
الدين السماوي الوحيد
فقديمًا كان البشر جميعهم على دين الإسلام وإنما حدث الشرك والكفر بعد النبي إدريس فأرسل الله سيدنا نوحًا عليه السلام ليدعو الناس إلى عبادة الله الذي لا شريك له. قال تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق). ثم أرسل الله الأنبياء مبشرين ومنذرين يدعون إلى توحيد الخالق العظيم تبارك وتعالى.
وكان آخر الأنبياء والمرسلين سيدنا محمدًا عليه الصلاة والسلام، أرسله الله ليجدد الدعوة إلى الإسلام بعد أن انقطع بين الناس في الأرض، مؤيدًا بالمعجزات الدالة على نبوته فدخل البعض في الإسلام وجحد بنبوته أهل الضلال الذين منهم من كان مشركًا قبلًا فازدادوا كفرًا إلى كفرهم.
إذن الأنبياء مسلمون، وليس فيهم من دعا الناس إلى عبادة غير الله، فموسى عليه الصلاة والسلام كان مسلمًا موحّدًا داعيًا إلى توحيد الله. وعيسى عليه الصلاة والسلام كان مسلمًا موحدًا داعيًا إلى توحيد الله.
فمن كان متبعًا لموسى فهو مسلم موسوي أي من أمة موسى. أما هؤلاء اليهود الذين لا يؤمنون بالله ورسوله فهم كفار وليسوا بمؤمنين.
ومن كان متبعًا لعيسى فهو مسلم عيسوي أي من أمة عيسى الذين اعتقدوا أنه عبد الله ورسوله. ويصح أن يقال لمن اتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم محمدي أي من أمة سيدنا محمد.
والمبدأ الإسلامي الجامع لجميع أهل الإسلام
عبادة الله وحده
دينهم واحد وشرائعهم مختلفة:
إن أصول العقيدة من الإيمان بالله وملائكته والجنة والنار ونحو ذلك لا تقتضي مصلحة العباد تغييرها مهما تطاولت العصور. وأما الشرائع وهي الأحكام العملية فاختلفت، فكانت الحكمة تقتضي اختلافها لأهل العصور المختلفة.
أمثلة على اختلاف الشرائع:
1 – كان في شرع آدم عليه السلام يُزَوّجُ الذكر من هذا البطن للأنثى من البطن الثاني. فقد كانت حواء تلد في كل بطن ذكرًا وأنثى. والزنا كان أن يتزوج الرجل من الأنثى التي خرجت من البطن الذي خرج منه. ولم يحصل من أحد من أولاد آدم أنه وقع في هذا الحرام.
2 – كان يجوز في شرع سيدنا يعقوب الجمع بين أختين في آن واحد. أما في شرع التوراة صار حرامًا إلى يوم القيامة.
3 – وكانت من شريعة آدم ومن بعده إلى زمان بني إسرائيل فرضية صلاة واحدة ثم فُرضت على بني إسرائيل صلاتان. أما سيدنا محمد فقد فرض عليه في ليلة الإسراء والمعراج خمس صلوات في اليوم والليلة.
4 – ومما اختصت به شريعة سيدنا محمد من بين شرائع الأنبياء كلهم جواز الصلاة في أي موضع كان بعد أن كانت شرائع الأنبياء قبله أنه لا يجوز لهم تأدية الصلاة إلا في مكان مخصوص.
إن كل رسول أرسله الله في زمنٍ ما يوحى إليه بنسخ بعض الأحكام التي كانت في شرع الرسول الذي قبله بوحي من الله وليس من تلقاء نفسه.
ومما كان حرامًا في شرع من قبلنا الربا. كان الربا حرامًا في شرع سيدنا موسى بدليل قوله تعالى في حق اليهود (وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُـهوا عَنهُ).
يتوهم بعض الذين ما دخل الإيمان إلى قلوبهم وليس لهم نصيب من الإسلام أن بهذا الدين نقصًا عن تمام مصالح العباد. لكن الله يقول (اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُم دِينَكُمْ) أي أن قواعد الدين وأصول أحكامه قد تمت فلا حاجة بكم إلى غيره. وقد نزلت هذه الآية في حجة الوداع قبل وفاة الرسول بشهرين وقليل.
أخي المسلم، اسأل الله أن يكون الرسول شفيعك في الآخرة واسأله أن يجعلك من السائرين على درب الأنبياء والمتمسكين بعقيدتهم الحقة العظيمة عقيدة التوحيد.