بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين كنا قد بدأنا شرحنا للعقيدة الطحاوية من شرح الحافظ المحدث الشيخ عبد الله الهرري المعروف بالحبشي حفظه الله تعالى والذي سماه إظهار العقيدة السنية في شرح العقيدة الطحاوية.

وقد قال المحدث الشافعي سلامة القضاعي العزامي في كتابه فرقان القرآن والفقه فقهان فقه أكبر وهو العلم المتعلق بما ينبغي لله وما لا ينبغي له وما يتصل بذلك وهو المسمى في عرف المتأخرين بعلم الكلام وفقهٌ كبير وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية نحن في شرحنا للعقيدة الطحاوي يكون حديثنا عن الفقه الأكبر الذي فيه بيان ما يجوز في حق الله وما لا يجوز في حق الله وما يجب لله تبارك وتعالى وما يتصل بذلك هذا العلم الذي عُرف عند المتأخرين بعلم الكلام والإمام أبو حنيفة

رضي الله عنه وهو من رؤوس السلف نقل عنه تحذيره من جهم المعطل ومقاتل المشبه وفي ذلك صونٌ للعقيدة الحقة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم سكت العلماء عن هذه الافتراءات وعن تلك العقائد الباطلة الزائغة كالذين يشبهون الله بخلقه هؤلاء إن لم يرد عليهم بالحجج الدامغة والبراهين الساطعة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وكلام الأئمة الأعلام لتفشى البلاء ولعمّ خطرهم بين الناس وكيف تكون حياة الدين إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالطحاوي يقول نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله إن الله واحد لا شريك له الله تبارك واحدٌ بمعنى أنه لا شريك له وهو الأحد أي الذي ليس جسمًا قابل للانكسار والانقسام والتعدد،

الله تبارك وتعالى ليس والدًا ولا مولودًا ولا جدًا لا يشبه الإنسان لأنه خلق الإنسان ولا يشبه البهائم لأنه خلق البهائم ولا يشبه الملائكة لأنه خلق الملائكة ولا يشبه الجن لأنه خلق الجن، فخالق الأشياء لا يشبهها ولذلك قال الطحاوي أيضًا ولا شيء مثله، لا يقال كيف شكل اللا، ولا يقال أمتى أجا اللا، لا يقال أي الله قاعد، لا يقال كيف شكله لأن الله تعالى لا شكل له ولا صورة له ولا هيئة لأنه من له شكلٌ وصورة وهيئة ولأن من له أعضاء وجوارح لا يكون إلهًا، فكما أن أبي لا يجوز أن يكون إلهي، كذلك أنا ليس ربًا لأولادي، فمن يشبهني ليس ربي ومن أشبهه لا أكون ربه، الله تبارك وتعالى لا يشبه العالمين، لا شيء مثله كما قال الله تعالى (فلا تضربوا لله الأمثال) كما قال الله تعالى (ولم يكن له كفوًا أحد) كما قال الله تعالى (هل تعلم له سميا) الله ليس له شبيه ولا مثيل،

سمعه ليس كسمعنا، بصره ليس كبصرنا، كلامه ليس ككلامنا، حياته ليست كحياتنا، قدرته ليست كقدرتنا علمه ليس كعلمنا بقاءه ليس كبقاء الجنة والنار، بل الله عز وجل لا يشبه العالمين لا يشبه المخلوقين لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، لا شيء مثله، ولا شيء يعجزه فهو الذي خلق من الحبة شجرة وهو الذي خلق من التراب بشرا، لا يعجزه شيء، خلق آدم من ماء وتراب من طين، وخلق حواء من ضلع آدم الأيسر وخلق عيسى من أم بلا أب وخلقنا من آباء وأمهات، نوع في المخلوقات وهذا دليل أن قدرة الله تامّة، الله تعالى تام القدرة أي لا يوصف الله تعالى بالعجز، ولذلك لما جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده عظامٌ بالية رميم،

قال يا محمد أيبعث الله هذا وقد رُمّ فتفت العظام بين أصابعه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثها ويبعثك ثم يدخلك النار، فأنزل الله تعالى قوله في سورة يس (وضربنا مثلًا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحيها الذي أنشأها أول مرة) من الذي أنشأ آدم أي خلق آدم من ماء وتراب، الله، فهو القادر على أن يعيدنا كما بدأنا أول مرة بعد بِلى أجسادنا في التراب قادر على ذلك، لذلك قال الطحاوي ولا شيء يعجزه، فلا يقال للولد الذي هو يعكر في البيت أنت اللا لا يقدر عليه أو عجزت اللا تبعي، ففي هذه العباراة وما شابهها نسبة العجز إلى الله عز وجل وهذا تكذيبٌ للقرآن الكريم، ولو كان بطريق المزاح لا يجوز لقائلٍ أن يقول لن يبعثنا الله من القبور نحن لا نصدق من ذهب ورأى،

الإنسان يصير تراب ويرجع مرة أخرى أنا لا أصدق هذا الكلام، هذا تكذيبٌ للقرآن الكريم، ثم قال الطحاوي ولا إله غيره الإله المعبود بحق لا يقال فلان آلهة وفلان آلهة وفلان آلهة، لا يقال، الإله هذا اللفظ الإله لا يطلق إلا على المعبود بحق، والمعبود بحقٍ هو الله، إنما ما فعله المشركون نقول زعموا أن اللات والعزى إلههم، فرعون ادعى أنه هو الإله، ادعى فقال أنا ربكم الأعلى هو ادعى، فلفظ الإله لا يطلق إلا على المعبود بحق، لذلك قال الله تعالى في القرآن الكريم (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) أليس عبدوا الشمس والقمر والنجم والكوكب هؤلاء المشركون وعبدوا الشجر والبقر، هؤلاء الله تعالى يدخلهم النار من مات منهم على الشرك،

وأما الشمس يلقيها الله تعالى في النار إهانة للذين عبدوها، ثم قال الطحاوي رحمه الله قديمٌ بلا ابتداء بعض الذين ما درسوا العلم الشرعي ولا فقهوا الإيمان يسمع تشويش منها وتشويش منها ولم يكن قد حصنه أبواه بعلم الدين، ليرد الافتراء والتشويش بعض المشوشين يقول هل يستطيع أن يضع نفسه بالقنينة أو الكوب، بعض المشوشين يقول كم عمره الله أديش له الله، من لم يتعلم فإن الجهل دواءه العلم، الذي تعلم يجيب هذا المشوش فيقول الله يستحيل على الله أن يكون في شيء أو على شيء أو من شيء، لأن من كان في شيء كان محصورا، ومن كان على شيء كان محمولا، ومن كان من شيء كان محدثًا أي مخلوقا، فلا يجوز أن يقال أن الله يستطيع أن يضع نفسه في القنينة أو الكوب،

لأن فيها نسبة صفات المخلوقات إلى الله كذلك لا يقال لا لا يستطيع أن يضع نفسه في القنينة أو الكوب، لأنها فيها نسبة العجز إلى الله بل يقال لهذا الكافر السكنى في مكان أو الاستقرار على مكان مستحيل على الله رب العالمين، فالله كما قال في القرآن الكريم (هو الأول والآخر) الأول أي الذي لا ابتداء لوجوده لم يسبق وجوده عدم، كلنا لم نكن موجودون والآن نحن موجودون، سبق وجودنا عدم هذا معنى الأول هذا معنى كلام الطحاوي قديم، أي لا ابتداء لوجوده لم يسبق وجوده عدم، قديم بلا ابتداء إذًا لا يقال متى وُجد الله،

أما هذا المبنى منكم من شهد بناءه ومنكم من لم يشهد بناءه، فمن شهد بناءه عرف متى بُني ومن لم يشهد بناءه يسأل متى هذا المبنى عُمّر، من سنة من اثنان من خمسة، عن الله عز وجل لا يقال متى وُجد الله فهذا تكذيبٌ للقرآن الكريم، هو الأول، والآخر أي الذي لا انتهاء لوجوده كما قال الطحاوي دائمٌ بلا انتهاء الآخر أي الذي لا انتهاء لوجوده، الله يستحيل عليه الفناء من الذي يدبّر العالم كله، الحي الذي لا يموت، الأبدي الذي لا يفنى ولا يزول، لذلك من الناس من يبكي وينوح على موت أبٍ ترك أيتامًا، يقولون من يدبرهم بعد موته، فهل يليق برب العالمين موتٌ وفناء، حاشا، الله مدبّر العالم هو خلقه وهو مدبره فالله تعالى يستحيل عليه الموت والفناء،

في اللغة العربية قال صاحب القاموس والهرمان بناءان أزليان بمصر، الأهرامات، يعني مضى عليهما زمان بعيد، والكعبة بناء أزلي في اللغة يعني مضى عليها زمان بعيد، لكن حين ما يقول أهل التوحيد عن الله عز وجل الله الأزلي أي الذي لا ابتداء لوجوده، ليس معنى الله الأزلي أي عمره طويل، بل الذي لا ابتداء لوجوده،

أما قول الله تعالى في القرآن الكريم عن القمر (حتى عاد كالعرجون القديم) ليلة الخمس عشر يكون بدرًا منيرا، أما بأوائل الشهر وبأواخر الشهر يكون هلال، شبهه الله تعالى بالعرجون القديم الذي يحمل البلح لما ييبس لا يكون مستقيمًا، بل يكون فيه شكل نصف دائرة، فحتى عاد كالعرجون القديم، أي الذي مضى عليه زمانٌ بعيد، قال الإمام الطحاوي عن الله عز وجل لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد يستحيل على الله الفناء لأنه ليس مخلوقًا،

أما الجنة والنار مخلوقتان خلقهم الله تعالى أخبرنا الله في القرآن الكريم وأخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم ببقاءهما إلى أبد الآبدين بقدرة الله تعالى، باقيتان بقدرة الله تعالى باقيتان بإبقاء الله لهما، لكنهما بما أنهما مخلوقتان من حيث ذاته عقلًا يجوز عليهما الفناء، لكن لما يقول المسلمون ببقاء الجنة والنار لأن الله شاء لهما البقاء،

أما الله تعالى لا يقال الله يجوز عليه أن يموت ويفنى، لكن غيره شاء له البقاء، بل يقول أهل التوحيد بقاء الله ذاتيٌ، أما بقاء الجنة والنار فبإبقاء الله لهما، أي باقيتان بقدرة الله ومشيئة الله تبارك وتعالى، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد لأنه لو حصل شيءٌ في العالم خلاف مراد الله تعالى لكان الله مغلوبًا، لو أن إنسانًا تكلف على مستودع ضخمٍ وأعد فيه من البضائع بالملايين التي هي قابلة للاحتراق، خشب وقطن وما شابه ذلك وتكلف على آلالاتٍ متطورةٍ للإطفاء الفوري لو أنها تعطلت بأسباب وشب حريق وأتى على كل ماله، يكون مغلوبًا أم غالبًا، متندمًا متحسرًا كيف الطفايات لم تشتغل تكلفنا عليها المال الكثير، كيف لم تنفع في إطفاء الحريق،

إذًا المغلوب لا يكون إلهًا، من يحصل في ملكه خلاف مراده لا يكون إلهًا، أما الله تبارك وتعالى لا يحصل في ملكه إلى ما أراد، فلما كفر إبليس كفر بمشيئة الله تعالى، ولما قتل قابيل هابيل قابيل ولد آدم قتل أخاه هابيل أيضًا ولد آدم كانا مسلمين، لكن أول حادثة قتل تحصل على الأرض أن قتل قابيل أخاه هابيل، هذه أول عملية قتل تحصل على الأرض، هذا بمشيئة الله ليس رغمًا عن الله تعالى، لكن هل الله أمر قابيل بقتل أخاه هابيل، هل يرضى الله له بذلك، لا أمره ولا رضي له، لكن كيف حصل القتل بمشيئة الله وقدرته، فلو أن ولدًا عاقًا لوالديه ضرب أمه وسرق مال أبيه هل يحصل هذا رغمًا عن الله، لا حصل رغمًا عن الأم والأب لكن لا يحصل رغمًا عن الله بل يحصل بعلم الله ومشيئة الله وقدرة الله،

إذًا لا يحصل في العالم إلا ما أراد الله تعالى، وكل ما شاء الله وجوده ليس شرطًا أن يكون طاعةً وخيرًا بل شاء الله وجود إبليس رأس الشر ووجود الأشرار من شياطين الإنس والجن ووجود أفعالهم فإذًا الله شاء وجود الطيبين وشاء وجود الأشرار، الله خلق الطيبين وفعل الطيبات وخلق الأشرار وفعل الشر، لا يقال ما له حق، فعالٌ لما يريد، فالله عز وجل لا يكون إلا ما يريد، وهذا هو معنى قوله تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون) يتنفذ بلا ممانعة لكن ليس كل إنسان اشترى سيارة دورها ودارت معه من أول مرة، مرة واثنان وثلاثة، ويصلحها لم تعمل، أليس هناك ممانعة من أن تشتغل، أليس هناك ما حصل خلاف إرادته ورغبته، هل يليق بالله عز وجل أن يكون كذلك،

حاشاه ربنا أن يكون مغلوبًا في ملكه، ثم قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام، الأوهام جمع وهم أي لا تتصوره الأوهام، الذي لم يذهب على مكة المكرمة يرى الصورة، يرى صورة قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة ويتوهم ويتصور يتخايل قبر النبي الحجرة الشريفة الكعبة المشرفة وإن لم بعد لم يذهب إلى المسجد الحرام أو المسجد النبوي الشريف، لأنه المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف شيء له طول وعرض وقياس وحجم وشكل وصورة وهيئة،

أما الله عز وجل ليس شيئًا نتصوره بأوهامنا بل كما قال الإمام ذو النون المصري بل كما قال سيدنا الإمام أحمد بن حنبل مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك، ذو النون المصري هو الإمام الصوفي الزاهد الناسك العالم المحدث أخذ العلم عن الإمام مالك إمام المدينة المنورة رضي الله عنه، ويقال له أبو الفيض أما ذو النون فهو لقبٌ له، يسمى أبا الفيض ولقبه ذو النون المصري، توفي قريب سنة 245 للهجرة كذلك نقل الإمام أبو سليمان الخطّابي نقل عنه تلميذه الإمام البيهقي في كتابه الأسماء والصفات أنه قال أبو سليمان الخطابي يكون شيخ الإمام البيهقي إن الذي يجب علينا وعلى كل مسلمٍ أن يعلمه أن الله ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة فإن الصورة تقتضي الكيفية رأسه كبير رأسه أحمر شعره كبير شعره كثيف،

حليق الرأس، الصورة لها شكل وكيفية، قاعد مستلقٍ واقف، منبطح، على جنبه الأيمن على جنبه الأيسر، هذه الكيفية والكيفية منفية عن الله وصفاته، هذا هو دين الإسلام وهذا مقتضى العقل السليم والعقل السليم شاهد الشرع، العقل السليم يؤيد الشرع، ليس مقبولًا شرعًا أن يُقال الله في الحيط أو الله دخل فينا، ليس في العقل ولا في الشرع مقبولًا أن يقال الله يجلس على الكرسي ويحاكم العباد يوم القيامة وهم أسفل منه كما يتوهم البعض، لا، بل المؤمنون أهل الجنة يرون الله شيئًا لا يشبه الأشياء، بل المؤمنون أهل الجنة وهم في الجنة يرون الله لا على معنى أن الله يسكن الجنة معهم كما أنني معكن الآن ليس كذلك، بل المعنى أن الله تعالى يكرم أهل الجنة فيمكنهم من أن يروا الله الذي ليس كمثله شيء،

يرون شيئًا ليس على مثال سبق، إذا قيل لك يوجد بيت جديد لم يعمر مثله قبل، فحينما ترينه تقولين رأيت مثله في البلاد الفلاني أو في المحل الفلاني أو في المدينة الفلاني، رأيت مثالًا سبق له، أما الله تعالى لا يشبه العالمين، المؤمنون يرون الله لا يشبه شيئًا من المخلوقات فلذلك لما قال الطحاوي لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام فالله ليس شيئًا يرسم على الورق، الله ليس شيئًا يؤخذ له صورة، فالله ليس شيئًا يتخيل في مخيلتك لأن ما تحده الأفهام وما تبلغه الأوهام إما يكون شجر أو يكون حجر إما أن يكون إنسان، إما أن يكون سهل، إما أن يكون جبل إما أن يكون بناءً، إما أن يكون سيارة، والله تعالى لا يشبه العالمين،

قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى حيٌ لا يموت قيومٌ لا ينام وقد قال الإمام أبو منصور الإسرائيلي في كتابه الفرق بين الفرق، وأجمع أهل السنة على أن حياة الإله سبحانه بلا روحٌ ولا اغتذاء إذا سجن الواحد منا يطلب ماءً وغذاءً، فإن مُنع عنه الغذاء يتغذى بالماء، فإن قطع عنه الماء والطعام يموت، بعد فترة، فإذًا حياتنا بالتنفس وحياتنا بالاغتذاء أما الله تعالى حياته لا بروحٍ ولا باغتذاء، لأنه لا يشبه مخلوقاته، أءإله يأكل ويشرب ويبول ويتغوط حاشا، فلا يليق أن يكون الإله برأسٍ وجسمٍ واجتماع رئتين وقلبٍ هذا لا يليق بحق الرب عز وجل، لأنه صار ممن يجوز عليه الموت والمرض، ومن يجوز عليه الموت والمرض كيف يكون إلهًا يدبّر العالمين،

لا يكون إلهًا من يجوز عليه الموت والمرض، فلذلك قال حيٌ لاي موت قيومٌ القيوم هو الدائم الذي لا يزول، وقيل هو القائم بتدبير الخلائق، أما الملائكة الذين وصفهم الله تعالى بقوله بسورة النازعات (فإنما تدبرون في أمور خاصة) كالمطر والريح والنبات وأشياء أخرى ليس في كل شيء لأن تدبير جميع الأشياء لا يكون إلا لله عز وجل الغني من الناس يعطي مرة مرتين ثلاث مرات أربع مرات، ثم إذا أعطى كل ماله يصير فقيرًا كغيره،

أما الله هو الغني مهما رزقنا الله تعالى لا يقال الله نفذت خزائنه وليس عنده شيء، فهو الخالق والله هو المدبّر يدبّر أمر العالم كله، أمر الملائكة والإنس والجن أمر البهائم الذين على سطح الأرض والذين في أعماق البحار، يدبر الأمطار ويدبر الأنهار يدبر الرياح ويدبر النباتات،

أما تدبير الواحد منا في بيته تدبير جزئي في مدرسته تدبير جزئي في عمله تدبير جزئي وكذلك تدبير الملائكة تدبيرٌ جزئيٌ، والله تعالى خالقٌ بلا حاجةٍ، إذا إنسان يتظلل بمظلة تحت المطر وسأله سائل لماذا تضع شمسية وتمشي تحت المطر، جواب طبيعي أقي نفسي من المطر أي أستفيد بها، أمنع عن نفسي البلل بالمطر،

أما الله تعالى ما خلق أحدًا ليستفيد به، لا خلق السماء ولا الهواء ولا الفضاء ولا الماء ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجن ولا الروح ولا النار ولا النور ليستفيد به، وأي آية تفيد هذا المعنى (الله الصمد) أي الله لم يخلق أحدًا ليجتلب به لنفسه نفعا ولم يخلق أحدًا ليدفع به عن نفسه ضرا، فلو أن إنسانًا خشي على نفسه إيذاء أعداءٍ أن يهجموا عليه إما أن يتقوا بجيرانه أو بأقربائه ليدافعوا عنه، فإذا استدعاهم ليدفعوا به عن نفسه ضرا، وإذا استدعا أصحاب رساميل مالية ليتقوى رأس مالهم ببعضهم فتصبح شركتهم ضخمةً بارزةً ظاهرة، يجتلب بهم لنفسه نفعا،

أما الله تعالى ما خلق أحدًا ليستفيد به، ما خلق أحدًا ليدفع به عن نفسه ضرا، فلو سئلت لما الله جعل ملائكةً كرامًا كاتبين يكتبون أعمالنا، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم (لا يضل ربي ولا ينسى) الله يعلم أعمال الملائكة قبل خلق آدم، كما يعلم أعمالنا التي نعملها اليوم كما يعلم أعمال أهل الجنة في الجنة يوم القيامة كما يعلم أعمال أهل النار في النار، في الآخرة، لأنه قادرٌ على كل شيء عالمٌ بكل شيء لا يخفى عليه شيء، لا يضل ربي ولا ينسى، جعل الله الملائكة يكتبون ليكونوا شهداء على الناس، كذلك الأنبياء لا يخلقون الإيمان في قلوب الناس، لما بعثهم الله ليكونوا شهداء على الناس، من آمن يكونون شهداء له ومن كفر يكونون شهداء عليه،

الله لا ينسى والله لا يحتاج إلى صحيفة مكتوب عليها فلان آمن وفلان كفر، لا يحتاج الله تعالى، والميزان يوم القيامة كما يأتي في دروس لاحقة إظهارًا لعدل الله تبارك وتعالى، فلما خلق الله العالم كله علويه وسفليه العرش والكرسي السماوات والأراضين السبع، لما خلق الله العالم كله، الجواب إذا كان الإمام علي رضي الله عنه قد قال إن الله خلق العرش إظهارًا لقدرته ولم يتخذه مكانًا لذاته، فمن باب أولى أن الله تعالى خلق العالم كله إظهارًا لقدرته،

أما الفنان الذي يعمل رسومات ليقبض عليها مال ليعتاش، أما الله تعالى ما خلق شيئًا ليستفيد به، لذلك قال الطحاوي خالقٌ بلا حاجةٍ، أي خلق العالم بلا حاجة إليه، أي لا ينتفع بخلقه ولا يدفع بهم ضررًا عن نفسه، الدولة تتخذ الجيش سياجًا وحمايةً من الهجومات الخارجية وتتخذ الأمن الداخلي لحراسة المرافق الداخلية والقوانين الوضعية، فإذًا من يتخذ قوةً إما أن يدفع بها عن نفسه ضرا، وإما أن يجتلب بها لنفسه نفعا،

أما الله تعالى ما خلق شيئًا ليستفيد به، ولا ليدفع به عن نفسه ضرا، فلذلك إن قيل لما إذًا خلق الخلق فالجواب أنه خلق الخلق إظهارًا لقدرته، أي حتى يعرفوه، لأنك حينما ترى هذه الرسومات تقول لا بد لها ممن رسمها، لا بد لها ممن خطها لا بد لها ممن صنعها، وهذا العالم شاهدًا على وجود إلهٍ خالقٍ قادرٍ تامّ القدرة عظيم الصنع وهو الله تعالى كما أخبرنا الأنبياء عليهم السلام، الأنبياء أخبرونا بأن خالق العالم اسمه الله، لا يقال كما يذكر بعض المؤلفين العصريين من قولهم لا بد لهذا العالم من قوةٍ خلقته أو قدرةٍ أوجدته الله لا يسمى قدرةً ولا يسمى قوةً بل هو القادر وهو القوي، بل كما قال الله في القرآن الكريم (ذو القوة المتين) أي الموصوف بالقوة ليس هو القوة،

الله العليم الموصوف بالعلم ليس هو العلم، لا يقال الله محبة لا يقال الله قوة لا يقال الله علم لا يقال الله قدرة، لا يقال الله حياة، بل يقال الله الحي، الله السميع، ليس السمع، الله الموصوف بصفات الكمال، المنزّهُ عن صفات النقصان أي صفات المخلوقات، لأن كل صفات المخلوقات من أكلٍ وشربٍ ومرضٍ وتناول دواءٍ وصحةٍ وضعفٍ وقوةٍ بعض ضعفٍ من صفات المخلوقات، يستحيل على الله تعالى أن يوصف بواحدة منها، فهذا العالم خلق الله تعالى إظهارًا لقدرته أي حتى يعرفوه، لأنك يا ابن آدم لو نظرت في نفسك وفي البعوضة، أنت تتنفس والبعوضة تتنفس، أنت تتغذى والبعوضة تتغذى أنت تفرز الفضلات والبعوضة تفرز الفضلات سبحان الخالق العظيم،

فهل يستطيع الكيمائيون في الأرض أن يجعلوا مثل البعوضة فيها جهاز تنفس وفيها جهاز هضمي وفيها وفيها وفيها، وهي بحجم رأس الدبوس، سبحان الخالق العظيم، فهذا إن دل على شيءٍ فإنه يدل على وجود إلهٍ خالقٍ قادرٍ عظيم الصنع لا يشبه المخلوقين، يا ابن آدم أنت لو أكلت ما تأكل البهائم لا تفرز ما تفرزه بعض البهائم، البقرة تأكل من الأوساخ والحشيش وبعض الفضلات يخرج من بين لحمها وفرثها ودمها حليب، يتغذى به الناس من بين اللحم والدم والفرث، الله تعالى يخرجه لبنًا سائغًا شرابه، فهل تستطيع مصانع الأرض كلها لو جمعت ما تأكله البقر والشاة والماعز أن تستخلص منه ما يخرج إلى ضرع البقرة وضرع الشاة لا تستطيع، الخالق القدير العظيم الصنع هو الله تعالى،

فلذلك خلق الخلق إظهارًا لقدرته فلما سئل الإمام الشافعي عن الدليل على وجود الله قال ورقة التوت ورقة الفرصاد يعني ورقة شجرة التوت، دليل على وجود الله تعالى إذا أكلتها النحل يخرج منها العسل، إذا أكلتها دودة القز يخرج منها الحرير، إذا أكلتها الغزال الظبي يطلع منها المسك، كيس تضع في سرتها تضعه في صخرة يسقط على الأرض كله مسك، الذي يتعطر منه الناس، إذا أكله الماعز والبقر وبقية البهائم يخرج شيئًا نتنًا كريه الرائحة كريه الطعم فمن ذا الذي حوّل ورقة شجرة التوت في بطن دودة القز إلى حرير وحوّل ورقة شجرة التوت في بطن النحل إلى عسل وفي بطن الغزال إلى مسكٍ هو عطره عظيم طيب وفي بطن بقية البهائم إلى روث، نتن الرائحة كريه الطعم الله تبارك وتعالى القادر على كل شيء وهل ورق التوت أليس له طبعٌ واحد ولونٌ واحد وطعم واحد ولكنه بقدرة الله العظيم العزيز الجبار تحولت إلى عسلٍ فيه شفاء للناس في بطن النحل وإلى مسكٍ يتطيب به الناس إذا ما أكلتها الظبي الغزالة وإلى حريرٍ ينسجه الناس لباسًا ولا يأكلونه وإلى روثٍ فاختلفت هذه الأمور الأربعة عن بعضها في اللون والرائحة والطبع،

العسل غير الحرير غير المسك غير الروث النتن الرائحة، وكلها الله تعالى حوّلها من ورق التوت، فعالٌ لما يريد قادر على كل شيء كامل القدرة لا يعجزه شيء نحن ننتفع والله ينتفع بنا، خلق كثيرًا من الأمور يستفيد بها خلقه أما هو لا يستفيد بخلقه أبدا، لأنه متصفٌ بالصفات الكاملة صفات الكمال، قال الإمام الطحاوي رحمه الله الله رازقٌ بلا مؤنة أي أنه يوصل إلى العباد أرزاقهم بلا مؤنة تلحقه، لأن فعله بلا علاج ولا مباشرة يخلق الأشياء بلا آلة ولا مشقةٍ ولا حركة، ولا مماسة فهو يوصل إلى من كان من الأحياء الذين هم يحتاجون للرزق الحسيّ أرزاقهم بلا مشقة تلحقه،

أما الأب أطفاله وأولاده الشبان إذا أراد يطعمهم أو أن يسكنهم أو أن يكسيهم لا بد له من مشقةٍ تلحقه، لا بد من أن يحضر المال والمال لا بد له من العمل، والعمل لا بد له من جهة وتعب وفيه إقلاق راحة، حتى يحضر لأولاده مطالبهم، أما الله تعالى لا يتعب يرزق ما في بطن الأرض كما في عمق البحار كما على سطح الأرض كما في جو الفضاء كل هؤلاء يرزقهم الله تعالى بلا مؤنة، بلا مشقةٍ تلحقه لأنه هو القادر الخالق الرازق، قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى مميتٌ بلا مخافةٍ باعثٌ بلا مشقةٍ العبد إذا قدّم وليس عنده موردٍ آخر ينفذ ما عنده، خزان المياه إن توضأت به أو اغتسلت أو استعملته فإنه ينفذ إن لم يكن له إمداد، فإن نفذ ما فيه تلحقك مشقة،

تتعب لتعبيه لتأخذ منه، أما الله تعالى يرزق عباده بلا تعب، والله عز وجل كتب علينا الموت بلا مخافة، أما الناس يقتل بعضهم بعضًا مخافة أن يضربه أو أن يسرقه أو أن يقتله، أو أن يغتصب أحد بناته، أو أن يحتل أرضه فيبادره إلى القتال، مخافة أن يلحق به ضرر، أما الله لما كتب علينا الموت، كتب علينا الموت ولا يخاف منا، فبالموت قسم الله ظهور الجبابرة، فرعون أليس قال أنا ربكم الأعلى ومع ذلك أهلك الله غرقا، فرعون أليس قال ما علمت لكم من إله غيري ومع ذلك أهلك الله غرقا، هذا دليل على كمال قدرة الله تعالى،

أما الجيوش تتقاتل على أرضٍ للاستيلاء عليها مخافة أن يقتل الذي هو ضعيف فيتقوى بالسلاح ويتقوى بالتدريب ويتقوى بنوع متطور من السلاح مخافة أن يقتله العدو، أما الله كتب علينا الموت وهو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، يوم القيامة فريقٌ إلى الجنة وفريقٌ إلى السعير، فمن آمن وبر واتقى فهو من أهل جنات النعيم، ومن كفر وفجر واعترض على الله وكذب الأنبياء فهو في نار جهنم إلى أبد الآبدين، فالموت الذي كتبه الله على العباد ليس مخافة منهم فهو كتب الموت على الطفل كما كتب الموت على الرجل القوي البنية كما كتب الموت على الشيخ العجوز الفاني، فعالٌ لما يريد باعثٌ بلا مشقةٍ، يحيي العظام وهي رميم بلا تعب،

يبعث أهل القبور يعيدهم كما كانوا بلا تعب، يعيد الأرواح إلى الأجساد بعد أن يعيدها كما كانت وتنشق القبور عن أصحابها ويقوم الناس من القبور بلا تعب، ويسوق الملائكة الناس إلى المحشر ويحشرهم الله على الأرض المبدلة وتكون أحوالهم على ثلاث هيئاتٍ قسمٌ يكونون طاعمٍ كاسين راكبين على نوق رحائلها من ذهب، وهؤلاء الأتقياء الصلحاء، وقسمٌ يكونون عراة وهؤلاء المسلمون، وقسمٌ يجرون على وجوههم وهؤلاء الكفار، هذا ليميز الخبيث من الطيب، فمن أطاع الله تعالى فضلًا منه ورحمة أعد له الجائزة في الآخرة، وفي القبر ومن عصى الله تعالى ومات على الإسلام وهو عاصٍ فهو تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه وسامحه بفضله وإن شاء عذبه وعاقبه في قبره وفي الآخرة بعدله،

ولا يعترض على الله عز وجل، والصنف الذي بعده هم الكافرون الذين ماتوا يكذبون الله ورسله، هؤلاء يعذبهم الله في قبورهم وفي الآخرة، بعدله لا يكون الله تعالى ظالمًا، فكل من يبعثه الله من القبور الله تعالى لا تلحقه مشقة، يعني الفلاح بأرضٍ يحرثها حرثًا هينًا لينًا وتكون الأرض لينة وبأرضٍ أخرى تحتاج إلى تنظيف وتكون صعبةً قاسية يتعب في حرثها، هنا تعب وهنا ما تعب،

أما الله تعالى لا يقال من ماتوا جدد يبعثهم بلا مشقة ومن ماتوا من زمانٍ بعيد يتعب في إحياءهم وإعادتهم باعثٌ بلا مشقة، أي أن الله تبارك وتعالى يميت عباده لا خوفًا من ضرر وأذى يلحقه إن لم يمتهم ثم يبعثهم أي يحيهم بلا مشقة، فلو هجم لصٌ إلى بيتك ويحمل السلاح ويشهره في وجهك قد تبادره بالقتل خوفًا من أن يقتلك،

أما الله كتب الموت على العباد لا خوفًا من أن يلحقه أذى إن لم يمتهم ثم يبعثهم أي يحيهم بلا مشقة كما أن بدأ خلقهم لم يكن فيه عليه مشقة، فبدء خلقهم ثم إماتتهم ثم بعثهم كل ذلك عليه هين، لما بدأ خلقنا ذلك عليه هين، لما يميتنا ذلك عليه هين، لما يبعثنا كل ذلك عليه هين، فالله تبارك وتعالى القادر على كل شيء الذي لا يعجزه شيء، الذي لا يشبهه شيء، الذي لا يغيب عن علمه شيء، أمرنا بطاعته وجعل هذه الدنيا دارًا للعمل فهنيئًا للذين أطاعوا الله تعالى وآمنوا برسله،

وأما الذين كذبوا الله وكذبوا أنبيائه وماتوا على غير الهدى فهؤلاء عليهم من الله ما يستحقون، ليس لهم حجة على الله ليس لهم أن يقولوا ربنا لولا أخرتنا لكنا آمنا بك واتبعنا رسلك بل الله تعالى يعلم بعلمه الأزلي من سيكون من العباد مؤمنا، ومن سيكون من العباد مكذبًا فاجرًا كافرا، قبل أن يخلق الخلق، الله يعلم جميع أحوال الخلق، لا تخفى عليه خافية، لا يغيب عن علمه شيء، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين اللهم علمنا ما جهلنا وذكرنا ما نسينا واجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونورًا لأبصارنا وجوارحنا وتوفنا على هديك وأكرمنا بحفظه واحفظنا ببركته وبركة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام اللهم أعد علينا ذكر ولادة حبيبك محمدٍ عليه الصلاة والسلام والمسلمون بأمنٍ وآمان يا رب العالمين اللهم آت كلًا منا سؤله بجاه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام اللهم فشفعه فينا بسر سورة الفاتحة.