بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله إلى هذه الحلقة الجديدة من دروس الفقه الشافعي ودرسنا اليوم عن الغسل موجباته وأركانه، وكيفيته.
الغسل في اللغة هو السيلان، وفي الاصطلاح الشرعي هو تعميم البدن بالماء بنية مخصوصة، والغسل قد يكون واجب إذا حصل شيء من موجبات الغسل كخروج المني، وهذه الموجبات ستأتي معنا ويكون واجب أيضًا إذا نذر غسلًا مسنونًا كالجمعة والعيدين، إذا نذره يكون واجب، وقد يكون الغسل مستحب كغسل العيد وغسل الجمعة، وقد يكون مباح من أجل التنظف أو التبرد، إلا إذا قارنه بنية صالحة فإنه يكون مندوب ومستحب، وقد يكون الغسل مكروه كالاغتسال الصائم بالانغماس، إذا اغتسل الصائم بالانغماس في البركة هذا مكروه بالنسبة للصائم لأنه قد يدخل إلى جوفه شيء، وقد يكون الغسل محرم مع عدم صحة الغسل كأن يغتسل بماء مسروق أو ماء مغصوب، إذا اغتسل بماء مسروق أو مغصوب هنا حرام مع صحة الغسل،
يحرم عليه لكن غسله صحيح، وقد يكون الغسل محرم مع عدم الصحة، كاغتسال الحائض مع وجود الحيض اغتساله للتعبد إلا ما استثناه العلماء من غسل العيد أو أغسال النسك، وأما موجبات الغسل، يعني الأشياء التي توجب الغسل فهي ستة، إيلاج الحشفة في الفرج، وخروج المني، والحيض، والنفاس، والولادة، والموت، أولًا إيلاج الحشفة في الفرج أي إدخال الحشفة وهو مقدمة الذكر، أو قدرها من فاقدها، إيلاجها في الفرج، والفرج سواء كان قبلًا أو دبرًا من آدمي أو غيره ولو بحائل، فإنه حينئذٍ يجب الغسل، الموجب الثاني خروج المني، فإذا خرج المني في اليقظة أو في المنام وجب الغسل، ولا يجب الغسل من السوائل الأخرى التي تخرج من الذكر كالمذي أو الودي،
هذه نجسة حكمها حكم البول، نجسه وتنقض الوضوء أما المني فهو يوجب الغسل، وهو ماء أبيض يخرج بتدفق ويخرج بشهوة ويعقب خروجه فتور، وهناك ثلاثة علامات للمني، إذا حصلت علامة واحدة حكمنا أنه مني ووجب على من خرج منه الغسل، العلامة الأولى أن يخرج بتدفق أي على دفعات، والعلامة الثانية أن يخرج بتلذذ أي بشهوة، العلامة الثالثة أن يكون له رائحة العجين رطبًا أو رائحة بياض البيض إذا كان المني جافًا، إذا حصلت علامة من هذه الثلاثة حكمنا أنه مني، وليس من العلامات أن كونه أبيض أو حصول فتور أو يعني بعد خروجه هذا على سبيل الغالب، والمرأة في ذلك مثل الرجل، جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق فهل المرأة غسل إذا احتلمت قال نعم إذا رأت الماء،
وهناك مسألة إذا شك الإنسان هل خرج مني يوجب الغسل أم أنه مذي يوجب الوضوء وعليه أن يغسل ما أصابه، إذا حصل الشك قال الفقهاء له أن يجعله مني ويغتسل وله أن يجعله مذي فيتوضأ ويزيل ما أصابه المذي يغسله بالماء، والأحوط والأكمل والأفضل أن يجعله أن يغتسل على اعتبار أنه مني ويزل ما أصابه على اعتبار أنه مذي نجس، الموجب الثالث من موجبات الغسل هو الحيض فإذا حاضت المرأة ثم طهرت رأت الطهر، وجب عليها أن تغتسل، الموجب الرابع هو النفاس أي أنها إذا انتهى دم نفاسها ورأت الطهر طهرت من النفاس وجب عليها أن تغتسل، الموجب الخامس هو الولادة، إذا ولدت المرأة ولو علقة أو مضغة وجب عليها أن تغتسل، لكن غالب النساء لا يغتسلن من الولادة لأنه يخرج بعد المولود دم النفاس،
لا فائدة من غسلها وإنما تجعله بعد أن تطهر من النفاس، لو فرض أن امرأة ولدت مولودًا جافًا لم يخرج بعده دم النفاس، وجب عليها أن تغتسل من الولادة، لأن الولادة موجب من موجبات الغسل، ثم الموجب السادس، هو الموت وسيأتي معنا بإذن الله تعالى في كتاب الجنائز وما يجب للميت،
أما بالنسبة لأركان الغسل، فأركان الغسل اثنان النية وتعميم البدن بالماء، أولًا النية فينوي مريد الغسل نية رفع الحدث الأكبر أو نية رفع الجنابة أو نية أداء فرض الغسل، أو يقول نويت الطهارة للصلاة، ووقتها عند غسل أول جزء من الجسد، الركن الثاني تعميم البدن الماء، لا بد من تعميم جميع البدن بالماء شعرًا وبشرًا، ولا بد أن يتعهد الأماكن التي يخشى عدم وصول الماء إليها، كالأذنين والإبطين ومعاطف الجسد وما بين الإليتين وما بين الفخذين كل هذا يتعاهده حتى أن يتأكد من وصول الماء إلى جميع جسده،
أما الكيفية المسنونة والمستحبة للغسل، يبتدأ أولًا بإزالة القذر والنجاسة وإزالة المني عن فرجه، ثم بعد ذلك يؤدي سنن الغسل، يغسل كفيه مع التسمية والسواك والمضمضة والاستنشاق كل هذا يفعله بنية أداء سنن الغسل، ثم بعد ذلك يرفع الحدث الأكبر عن القبل والدبر، حتى لا يعود مرة أخرة لمسهما أثناء الغسل ثم يقوم ويكون مستقبل للقبلة ويتوضأ وضوءًا كاملًا مع مراعاة جميع سنن الوضوء التي ذكرت، يسن الوضوء سنة أثناء الغسل، ثم بعد ذلك يفيض الماء على رأسه وينوي رفع الحدث الأكبر عن جسده، ويفيض الماء على رأسه ويخلل شعر رأسه ويبدأ بشقه الأيمن ما أقبل من شقه الأيمن ثم ما أدبر من شقه الأيمن ثم ما أقبل من شقه الأيسر ثم ما أدبر منه،
ويتعهد المعاطف ويدلك مع الدلك والتثليث هذه كلها سنن، ينبغي للمغتسل أن يعمل بها، ونختم بمسألة مهمة وهي أن الحدث الأصغر يندرج في الحدث الأكبر، أي أن الحدث الأصغر يرتفع إذا اغتسل الإنسان ونوى رفع الحدث الأكبر إذا رفعت الحدث الأكبر فإن الحدث الأصغر يرتفع وإن لم تنوه، بشرط أن لا تعمل ناقض من نواقض الوضوء أثناء الغسل أو بعد الغسل، ولا يندرج الحدث الأصغر في الغسل المسنون كغسل الجمعة أو غسل العيدين، أو غسل مباح، لا يندرج الحدث الأصغر في ذلك ولا يرتفع، إذا اغتسل الإنسان غسل الجمعة أو العيدين فإنه لا بد أن يتوضأ إما قبل الغسل أو أثناءه أو بعد الغسل مع مراعاة الترتيب في غسل أعضاء الوضوء، لا بد أن يرتب أعضاء الوضوء كذلك، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعًا لكل خير وأن يأخذ بأيدينا لما فيه خير لنا في الدنيا والآخرة وأن يفقهنا في الدين ويعلمنا التأويل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.