بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته البيع في اللغة هو مقابلة الشيء بالشيء مالًا كان أو غيره يقول الشاعر ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم ولا أسلمها إلا يدًا بيدِ، أما في اصطلاح الشرع البيع هو عقد معاوضة مالية يفيد ملك عين أو منفعة على التأبيد، عقد معاوضة خرج بذلك الهبة، مالية خرج بذلك النكاح، فهو معاوضة لكن ليست مالية، البيع يفيد ملك عين أو منفعة على التأبيد، بخلاف الإجارة، الإجارة تفيد ملك المنفعة، العين يكون بملك الأعيان بملك البيت السيارة، الأرض،
أما الإجارة فهي على المنفعة، أيضًا البيع يكون ملك منفعة على التأبيد، كأن يبيع شخص لآخر حق المرور في الممر، أو يبيع الشخص لجاره حق وضع الأخشاب على جدار بيته والانتفاع بذلك وتكون منفعة على التأبيد، والبيع مشروع فقد قال الله عز وجل (وأحل الله البيع وحرّم الربا) وقال أيضًا (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل كأكلها بالعقود الفاسدة بالربا والقمار، والظلم ونحو ذلك، إلا أي أن تكون تجارة، هي البيع والشراء، عن رافع ابن خديج رضي الله تعالى عنه قال قيل للنبي عليه الصلاة والسلام أي الكسب أطيب قال عمل المرء بيده وكل بيعٍ مبرور أخرجه أحمد والبزار،
والبيع المبرور هو الذي خلا من الخديعة والغش والخيانة، والبيع له ثلاثة أركان، هي المتعاقبدان هما البائع والمشتري، المعقود عليه هما الثمن والمثمن، والصيغة وهي الإيجاب والقبول، كل من هذه الأركان شروط ينبغي معرفتها والحكمة في هذه الشروط أن الإسلام يمنع النزاع والشقاق ويحرص على الوئام والاتفاق بين المسلمين ويحرص أيضًا أن تكون العقود والمعاملات صحيحة فجعل لكل معاملة شروط حتى لا تكون هذه المعاملات فاسدة، أو حتى لا تؤدي إلى النزاع والشقاق بين المسلمين،
فالركن الأول هو المتعاقدان وهما البائع والمشتري، فيشترط فيهما عدة شروط، يشترط أولًا إطلاق التصرف، يشترط في البائع والمشتري أن يكون كل واحد منها بالغًا عاقلًا رشيدًا، فلا يصح في مذهب الإمام الشافعي، بيع وشراء الصبي غير البالغ سواء لنفسه أو لغيره، بإذن وليه أو بغير إذن وليه، لكن عند الإمام أحمد وأبي حنيفة يصح شراء الصبي في بعض الحالات، كذلك لا يصح التعامل من المجنون أو المحجور عليه بالسفه، أي الممنوع بالتصرف في أمواله، بسبب أنه سفيه، أي لا يحسن التصرف في الأموال، إما أن ينفقها في الحرام، أو يبددها في المباحات، أو بسبب غفلته وعدم خبرته فيغبن بالبيع والشراء، فلا يصح التعامل بالبيع والشراء مع المحجور عليه بسفه،
أيضًا يشترط في المتعاقدين الاختيار، يعني الرضا، فلا يصح إذا كان تم البيع بإكراه البائع عليه، وإكراه المشتري، النبي عليه الصلاة والسلام قال إنما البيع عن تراضٍ أخرجه ابن ماجة، وتقدم معنا في الآية قوله عز وجل (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) لا يصح البيع بالإكراه أو الإجبار، لا يصح إلا في حالة واحدة يذكرها الفقهاء، الإكراه بحق، يعني لو كان إنسان عليه ديون ولا يستطيع سدادها، وعنده أمتعة بيت وسيارة وأمتعة يؤمر ببيعها فأبى أن يبيعها يكرهه القاضي على بيعها حتى يسدد للناس ديونهم، أو يبيعها القاضي بغير إذنه، أيضًا يشترط إسلام المشتري إذا كان المبيع مصحفًا، لا يصح بيعه للكافر، سواء كان مصحفًا أو كتب حديث،
أو كتب علم شرعي، لا يصح بيعها لغير المسلم، أيضًا لا يصح بيع العبد الرقيق المملوك المسلم أو المرتد للكافر إلا إن كان يعتق عليه، إن كان أصلًا أو فرعًا لما في ذلك من الإذلال والإهانة، وعلى كل حال الآن الرق غير موجود فلا نفصل في هذه المسألة، أيضًا يشترط عدم حرابة من يشترى له آلة حرب، يعني لا يصح البيع إذا بعنا السلاح للكافر الحربي، لماذا، لأنه قد يحاربنا بذلك السلاح، لكن يصح بيع السلاح للكافر الذمي،
أما بالنسبة لشروط المعقود عليه الركن الثاني، وهما الثمن والمبيع الثمن والمثمن، فيشترط في الثمن أن يكون هذا الثمن نقدًا معلومًا فلا يصح إذا كان الثمن غير معلوم، إذا قال له بعتك بما يرضيك أو بثمن مناسب ولم يبين لم يصح، لا بد من العلم بالثمن، أيضًا يشترط في المبيع عدة شروط، أن يكون طاهرًا نافعًا مقدورًا على تسلمه، مملوكًا معلومًا، يشترط في المبيع أولًا أن يكون طاهرًا أو ممكن تطهيره بالغسل، لا يصح مثلًا بيع النجس العين كالكلب والخنزير، أو النجس كالجلد الميتة قبل دبغه،
أما ما يمكن تطهيره بالغسل كالثوب المتجنس فلا بأس، أيضًا يشترط الشرط الثاني أن يكون المبيع نافعًأ فلا يصح بيع الأشياء الغير النافعة، كالحشرات والسباع التي لا نفع فيها، لأنه بذل المال فيها من السفه وأخذ المال مقابلها من باب أخذ أموال الناس بالباطل، فلا يصح ذلك، أيضًا ما لا يمكن الانتفاع به شرعًا كآلات اللهو، أيضًا لا يصح بيعها،
الشرط الثالث، القدرة على تسلمه، فإذا كان المبيع غير مقدور على تسلمه أو تسليمه، لا يصح يقول الفقهاء لا يصح بيع الطير في الهواء، ولا السمك في الماء، إذا كان لا يستطيع أن يسلمه، أيضًا لا يصح بيع الجمل الشارد مثلًا، أو السيارة الضائعة، لكونه غير مقدور على تسلمه، أيضًا يشترط أن يكون المبيع مملوكًا للبائع، أو موكلًا في بيعه أو بولاية عليه، أيضًا يشترط أن يكون ذلك المبيع معلومًأ قدرًا وصفة وعينًا أما إذا كان مجهول فلا يصح البيع،
أما بالنسبة للركن الثالث وهو الصيغة، الصيغة هي اللفظ أو ما يقوم مقام اللفظ كالكتابة والإشارة من الأخرس مما يدل على رضا المتبايعين، وقالوا أيضًا الصيغة هي الإيجاب والقبول الإيجاب هو اللفظ الذي يصدر من البائع ويدل دلالة ظاهرة على التملك كبعتك وملكتك، والقبول اللفظ الذي يكون من المشتري يدل دلالة ظاهرة على التملك كقبلتك واشتريت وتملكت، وعلى كل حال العقود الآن تتم بالمعاطاة وهي بدون إيجاب وقبول، وهذه قد أجازها الإمام النووي وقال تصح بكل ما يعده الناس بيعًأ وذهب كثير من المتأخرين إلى جواز المعاطاة أن يتم البيع بدون إيجاب وقبول بدون تلفظ، والصيغة لها شروط من شروط الصيغة، يشترط فيها أولًا اتحاد مجلس العقد،
فلا يصح إذا كان حصل هناك كلام أجنبي بين الإيجاب والقبول، ليس من مصلحة العقد، أو بين الإيجاب والقبول كان سكوت طويل يشعر بالإعراض، يشترط أيضًا موافقة القبول في الإيجاب ناحية الجنس والعدد والنوع والحلول والتأجيل، يشترط أيضًا التنجيز يعني عدم تعليق البيع، لا يقول بعتك إن جاء زيد، لأنه ليس فيه جزم، لا يصح أيضًا التأقيت في البيع، لا بد من التأبيد لو قال بعتك هذا البيت سنة، لا يصح لأن البيع يفيد الملك، والملك للتأبيد، أيضًا يشترط في البيع التلفظ به بحيث يسمع من حوله يشترط أيضًا أن لا يتغير الأول قبل الثاني، مثلًا قال بعتك كذا بكذا، ثم قال بل بكذا، وقبل الآخر، لا يصح، أيضًا لا بد أن يكون خطابًا موجهًا بعتك وأن يتم الخطاب من وُجه إليه الخطاب وأيضًا يشترط بقاء أهلية الذي صدر منه الإيجاب،
أما إذا جُن أو لم يكن مؤهلًا قبل صدور القبول لم تصح، أيضًا يشترط أن يذكر الأول الثمن، من المتبايعين، أيضًا يشترط أن يضيف البيع لجملته، كأن يقول بعتك، لا يصح أن يقول بعت يدك أو رأسك ونحو ذلك، أيضًا يشترط أن يقصد البيع لمعناه نعم هذه الشروط الذي ذكرها العلماء، نسأل الله عز وجل أن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.