بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يقبل علينا ضيف كريم مبارك هو شهر رمضان المعظم، شهرٌ تتنزل فيه الرحمات وتتشعب فيه البركات وتتضاعف فيه الحسنات وتكفّر فيه السيئات، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، عن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أعطيت أمتي في رمضان خمسًا لم يعطهن نبيٌ قبلي أما واحدة أنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان ينظر الله عز وجل إليهم ومن نظر الله إليه لن يعذبه أبدا،
وأما الثانية فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك، وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة، وأما الرابعة فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها استعدي وتزيني لعبادي أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي وأما الخامسة فإذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعا قال رجل من القوم أهي ليلة القدر يا رسول الله قال لا ألا ترى أن العمّال يعملون فإذا فرغوا من أعمالهم وفّوا أجورهم أخرجه البيهقي، هذا الشهر العظيم المبارك الذنب فيه مغفور والوزر فيه مهجور والمؤمن فيه محبور مسرور والسعي فيه مشكور والشيطان فيه مبعد مثبور، شهرٌ أبواب الجنان فيه مفتحة وأبواب النار مغلقة، والشياطين فيه مصفدة مسلسلة فعلينا أحبتي أن نستقبل هذا الشهر خير استقبال وأن نستعد له خير استعداد نستقبل هذا الشهر بالهمة العالية وبالنيات الصالحة وبالإقبال على الله سبحانه وتعالى وبالتوجه إليه عز وجل أن يوفقنا للصيام والقيام وأن يعيننا على فعل أعمال البر والخير إنه سبحانه وتعالى سميع وجيب اللهم يا من وفق أهل الخير للخير وأعانهم عليه وفقنا اللهم للخير وأعنا عليه،
أحبتي في الله فرض الله تعالى صيام شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة في شهر شعبان، وقد صام عليه الصلاة والسلام تسعة رمضانات كل نواقص أي تسع وعشرين يومًا إلا واحدًا كان ثلاثين يومًا ويثبت شهر رمضان على العموم بأمرين أولًا برؤية هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان إذا رآه العدل فإنه يثبت بذلك دخول شهر رمضان فإن لم يُرى الهلال يدخل رمضان بإكمال شعبان ثلاثين يومًا وقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين، والصوم في اللغة مطلق الإمساك سواء الإمساك عن الطعام أو عن الكلام أو عن غير ذلك وقد ذكر القرآن عن سيدتنا مريم عليها السلام إني نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيا،
أي نذرت الصوم الإمسام عن الكلام، أما في الشرع الصوم هو الإمساك عن جميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية مخصوصة، والأصل في وجوبه قول المولى سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وإنما يجب الصيام على من توفرت فيه شروط وجوب الصوم وشروط وجوب الصوم خمسة، الإسلام والتكليف والإطاقة والصحة والإقامة، أولًا الإسلام فلا يجب على الكافر ولا يخاطب فيه في الدنيا والأصل أن نأمر الكافر أو ندعوه إلا الإسلام أو الدخول في الإسلام، لكن المرتد إذا ارتد المسلم عن دين الإسلام وأفطر أيام رمضان وعاد إلى الإسلام فإنه يلزم بقضاء ما أفطره من رمضان في وقت ردته
الشرط الثاني التكليف أي البلوغ والعقل، فلا يجب على الصبي وإنما يصح من الصبي المميز ويجب على الوالدين أن يأمروا بأولادهم بالصيام وهم أبناء سبع ويضربوهم على تركه وهم أبناء عشر إن أطاقوا ذلك قياسًا على الصلاة، ولا يجب على المجنون لأنه لا يعقل ولا يعي، وقد رُفع عنه التكليف،
الشرط الثالث الإطاقة، الإطاقة تكون حسًا وشرعًا يعني يستطيع أن يصوم يقدر على الصيام، أما إذا كان لا يستطيع أن يصوم الشيخ الهرم أو الكبير في السن فلا يجب عليه الصيام ولا نقول عليه قضاء، لأنه لن يستطيع أن يقضي وإنما يُخرج عن كل يومٍ مُد من الطعام من غالب قوت البلد، مُد معنى ملئ الكفين المعتدلتين من غالب قوت البلد وهو ما يعد تقريبًا سبعمائة غرام، وكذلك أيضًا لا يجب من كان مريض مرض لا يرجى برئه، إذا كان عنده فشل كلوي أو مرض آخر لا يستطيع معه الصيام فلا يجب عليه الصوم ولا يجب عليه القضاء، فإنه لا يستطيع أن يقضي وإنما يخرج عن كل يوم يفطره مد، وقد تكون الإطاقة شرعًا يعني مثلًا الحائض والنفساء لا تطيقه شرعًا لأن الشرع لم يُجز لها أن تصوم،
فلا يجب على الحائض والنفساء، ولا يصح منهما بل يجب الإفطار وتقضي الحائض وكذلك النفساء الأيام التي أفطرتها في رمضان، الشرط الرابع الصحة فلا يجب على المريض، المريض الذي يخاف على نفسه الهلاك، أو إذا صام يخاف أن يزيد مرضه أو يتأخر الشفاء، فإنه لا يجب عليه الصوم، وإنما يجوز له أن يُفطر ويجب عليه القضاء،
والشرط الخامس الإقامة فلا يجب على المسافر، سفرًا طويلًا مباحًا لا يجب عليه الصوم وإنما إذا أراد أن يفطر يومًا لا بد أن يكون سفره قبل طلوع الفجر، أما لو أن إنسانًا مثلًا أصبح صائمًا ثم سافر لا يجوز له أن يترخص بالفطر، لأنه قد أصبح صائم، هذا في مذهبنا، لا بد أن يكون السفر قبل طلوع الفجر وهناك بعض المذاهب يجوز عندهم الفطر في هذه الحالة وأيهما أفضل للمسافر الفطر أم الصوم، أيسرهما أفضلهما يعني لو كان الصوم متيسر وليست هناك مشقة ولا تعب فالصوم أفضل،
أما إذا كان يحس بتعب ومشقة إذا صام فالفطر له أفضل، هذه شروط وجوب الصوم، نأتي الآن إلى أركان الصوم، أركان الصوم اثنان، النية والإمساك عن المفطرات، أولًا النية لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات، ويجب أن ينوي في كل ليلة النية واجبة في كل ليلة لليوم الذي يصومه، وكل يوم عبادة مستقلة، فلا بد كل ليلة أن ينوي أن يصوم ويستحضر الصيام، ويدخل وقت النية من دخول المغرب إلى طلوع الفجر ففي أي لحظة نوى يجزئه ذلك، هذا بالنسبة للصيام الواجب،
أما بالنسبة للصيام المندوب والمستحب فلو أصبح ولن يأكل شيئًا يجوز له أن ينوي يمتد وقت النية إلى الزوال يعني إلى دخول وقت الظهر بشرط أن لا يتعاطى شيئًا من المفطرات، ولكن الأفضل في صيام رمضان أن ينوي أول ليلة أنه يصوم رمضان كله، حتى لو نسي النية بيوم من الأيام يكون صيامه صحيح على مذهب الإمام مالك، هذا
الركن الأول النية، وقد قال عليه الصلاة والسلام من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له، الركن الثاني ترك المُفطر ذاكرًا مختارًا غير جاهل معذور بجهله، يعني لا بد بترك جميع المفطرات، ذاكرًا مختارًا، أما لو كان ناسي فلا شيء عليه، فلا يبطل صومه، أو كان مثلًا مكره فلا يبطل صومه، غير الجاهل،
أما الجاهل المعذور في جهله أيضًا لا يبطل صومه، كأن كان حديث عهدٍ بإسلام أو نشأ في بادية بعيدة عن أهل العلم، فهذا معذور إذا ارتكب شيئًا من المفطرات لا يبطل صومه، لأنه معذور بجهله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.