بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته درسنا اليوم عن أحكام العاريّة، العاريّة في اللغة هي اسم لما يعار ولعقدها، أما في الشرع فهي إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه بصيغة، فالعاريّة، معناها إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به، مع بقاء عينه، والمستعير يستبيح أو ينتفع ويباح له الانتفاع بالعاريّة، واستعمالها ثم إرجاعها إلى المعير العارية هذه مستحبة ومندوبة وهي قربة إلى الله سبحانه وتعالى لأنك عندما تعير أخاك المسلم أنت تسد حاجته وتعينه والنبي عليه الصلاة والسلام قد قال والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه،

وقال أيضًا سبحانه وتعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) فالعارية كأن تعير أخاك كتابًا ليقرأه أو ثوبًا ليلبسه أو سيارة ليركبها، أو دارًا ليسكنه فكل هذا من المستحبان ومن القرب إلى الله سبحانه وتعالى، والعاريّة مشروعة لقول الله سبحانه وتعالى (ويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون) فالله سبحانه وتعالى في هذه الآيات توعد تاركي الصلاة ومانعي الماعون، بالوعيد الشديد ودل ذلك على أن الإعارة بذلها مشروع ومطلوب، وبعض أهل العلم قالوا أنها كانت في أول الإسلام واجبة، ثم نسخت نسخ وجوبها وصارت مستحبة، والنبي عليه الصلاة والسلام قد استعار أيضًا كما أخرج البخاري عن سيدنا أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام استعار فرسًا من أبي طلحة ركبه،

وأخرج أبو داود أن النبي عليه الصلاة والسلام استعار أدرعًا يوم حنين من صفوان بن أمية، فقال صفوان بن أمية رضي الله تعالى عنه أغصبًا يا محمد قال بل عارية مضمونة، فهي مندوبة ومستحبة وهذا هو الأصل فيها، ولكن قد تكن العارية واجبة، كأن يكون هذا الشيء المستعار يستعان به في أداء واجب أو منع محرم، أو كإعارة الثوب لمن هو في حر أو برد شديدين أو مثلًا إعارة الحبل لمن ينقذ به غريق، مثل هذه الحالات العاريّة تكون فيها واجبة، وقد تكون بالعكس قد تكون محرمة إذا فيها إعانة على فعل محرم، كأن تعير شخصًا مثلًا سلاحًا أو سكينًا وتعلم أنه سيقتل به أو سيؤذي به الناس فهذا لا يجوز، لأن فيه إعانة على فعل المحرم، وقد تكون مكروهة كالعاريّة كإعارة الأشياء التي تساعد على فعل المكروه،

أما بالنسبة لأركان العاريّة، هي أربعة المعير والمستعير والمستعار والصيغة، وتتبين هذه الأركان من صورة العاريّة، صورة العاريّة كأن يقول زيد لعمر أعرتك هذا الثوب لتلبسه، فزيد هو المعير وعمر هو المستعير والثوب هو المستعار، وقول زيد لعمر أعرتك وقول عمر قبلت هذه تسمى صيغة،

الركن الأول من أركان العاريّة هو المُعير، المعير هو الذي يبيح لغير الانتفاع بالشيء الذي في حوزته ويشترط في هذا المعير أن يكون مالكًا لمنفعة ذلك الشيء الذي يريد إعارته، فإذا أردت أن تعير شيئًا لا بد أن تكون مالكًا لذلك الشيء، أو مالكًا لمنفعته أن تكون مستأجرًا له، فلو أردت مثلًا أن تعير سيارة، يشترط أن تكون مالكًا لتلك السيارة، أو مالكًا لمنفعة تلك السيارة، بأن تكون مستأجر لها،

أما إذا لم تكن ملكًا لك فلا يجوز لك إعارتها، فالشرط الأول هي ملك المنفعة، الشرط الثاني أهلية التبرع لأن المعير يتبرع بمنفعة ذلك الشيء الذي عنده يتبرع بمنفعته للغير، فيشترط فيه أن يكون أهلًا للتبرع، أن يكون بالغًا عاقلًا غير محجور عليه بسفه، وليس بمفلس،

أما الصبي أو المجنون، أو المجور عليه بسفه السفيه هو الذي لا يحسن التصرف في أمواله، كل هؤلاء لا يصح منهم العارية الصبي والمجنون والمحجور عليه بسفه المفلس، لأنهم ليسوا أهلًا للتبرع، أيضًا يشترط في المعير أن يكون مختارًا يعني أعار ذلك الشيء باختياره وبرضاه، ليس مكرهًا أو مجبرًا على ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام قال ال يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه، فإذا ذلك المعير قد دفع ذلك الشيء المعار لمن ينتفع به، دفعه برضاه، وأعطاه إياه برضاه وباختياره هنا تصح العارية،

أما إذا كان بغير رضاه فلا تصح، فلا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، الركن الثاني هو المستعير، وهو الذي ينتفع بالشيء المستعار، يشترط في المستعير شرطان، يشترط فيه أولًا أن يكون معينًا فلو قال المعير مثلًا أعرت أحدكما هذا الكتاب، ولم يبين، لا تصح، لا بد أن يحدد أعرت فلانًا هذا الكتاب، أو أعرت زيدًا هذه السيارة، لا بد أن يكون المستعير معينًا، أيضًا يشترط في المستعير إطلاق التصرف بمعنى أن يكون بالغًا عاقلًا يصح تصرفه، تصح منه الاستعارة،

أما الصبي أو المجنون فلا تصح منه الاستعارة وإذا احتاجا شيئًا، استعار عنهما وليهما، في هذه الحالة إذا كانوا محتاجون لشيء يستعير عنهما وليهما، الركن الثالث هو الشيء المستعار وهو المنتفع به الذي ينتفع به المستعير، يشترط بالشيء المستعار أن تكون منفعته مملوكة للمعير كما تقدم معنا، ويشترط أيضًا أن تكون هذه المنفعة يكون هذا الشيء المستعار يكون شيئًا له منفعة أما إذا كان شيئًا لا نفع فيه، لا تصح إعارته قالوا كإعارة الدلو المشقوق الذي لا يمسك الماء، أو إعارة الحمار الزمن كما يقول الفقهاء، هذا الحمار الزمن لا يمكن ركوبه والتحميل عليه فلا تصح إعارته، ولا إعارة الثوب البالي، ولا السيارة المعطلة، إلا أنهم قالوا إذا كان ممكن إصلاح تلك السيارة أو ذلك الثوب فتصح إعارته،

أيضًا يشترط في المعار هذا أن تكون منفعته مشروعة، أما إذا كان له منفعة وهذه المنفعة محرمة كإعارة المزمار، أو آلات اللهو التي ذكر العلماء تحريمها، هنا لا تصح، أو إعارة المصحف للكافر، هنا لا تصح، استعارة أواني الذهب والفضة لاستعمالها لا تصح، لأن الانتفاع بها لا يصح، أيضًا يشترط في هذا المُعار، أن يكون استعماليًا لا استهلاكيًا، أن يكون استعماله مع بقاء عينه، كإعارة الكتاب لقراءته، إعارة السيارة لركوبها، البيت للسكن، فإن الانتفاع به لا ينقص منه،

أما إذا كان ذلك الشيء استهلاكيًا، كالطعام أو الشمعة أو الصابون للاستعمال مثلًا، هذا لا يصح إعارته، لأنه يستهلك، أيضًا يشترط في المستعار أو المُعار هذا يشترط فيه تعيين جنس المنفعة ونوعها، فإذا عين جنس المنفعة لا يجوز له أن ينتفع بشيء آخر، مثلًا لو قال له أعرتك الأرض لتغرس فيها، فلا يجوز له البناء، قال له أعرتك السيارة لتركبها فقط، فلا يجوز عليه أن يحمل عليها البضائع أو الأشياء الثقيلة التي قد تضر بتلك السيارة،

أما الركن الرابع وهو الصيغة هو قول المعير أعرتك أو أبحتك منفعة هذا الشيء، ويقول المستعير قبلت ورضيت ويشترط أيضًا الإقباض من المعير، أن يقبضه أو يأذن له في القبض، فإذا تمت العارية يجوز للمستعير أن يستفيد من الشيء المعار وينتفع به، ولا يجوز له أن يعيره لغيره إلا بإذن المعير، وإذا تلف ذلك الشيء المعار فإنه يجب على المستعير أن يضمن، سواء أتلفه هو أو غيره، سواء تعدى بذلك أو لم يتعدى، سواء قصر أو لم يقصر عليه الضمان لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال بل عارية مضمونة، لكن لما يبلى أو ينقص بسبب الاستعمال المأذون فيه لا يضمنه المستعير، إذا نقص شيء بسبب استخدام السيارة أو قراءة الكتاب أو نحو ذلك ما يبلى وينقص بسبب الاستعمال المأذون فيه، فلا يضمنه حين إذن المستعير، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.