بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الوصية مطلوبة وقد وردت الكثير من النصوص على الحث عليها وقد جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده، وأخرج ابن ماجة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال المحروم من حُرم الوصية، من مات على وصية، مات على سبيل وسنة وتقى وشهادة ومات مغفورًا له، وقد كانت الوصية في أول الإسلام واجبة، تجب الوصية للوالدين وللأقربين كما قال تعالى (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقًا على المتقين) ثم نُسخ وجوبها فصارت الوصية مستحبة لغير الوارث،

فهي مستحبة وهذا هو الأصل فيها، ولكن قد تجب قد تكون الوصية واجبة، إذا كان ذلك الشخص مثلًا عنده حقوق للناس، من ديون مثلًا أو ودائع وأمانات ليس عليها إثبات ولا يعلم بها إلا هو، فيجب عليه أن يوصي بذلك، أو كان عنده حق لله تعالى كالزكاة والحج فإنه يجب أن يوصي، فإذًا الوصية هي مطلوبة وهي مستحبة وإنما تكون الوصية لغير الوارث،

أما إذا أوصى بشيء للورثة فلا تنفذ تلك الوصية حتى يرضى بقية الورثة، فإذًا هي لغير الوارث والأقارب منهم أولى وأقاربه ومحارمه أولى، وكذلك أيضًا من كان بالمصاهرة والجيران ونحو ذلك، وأهل الفضل وأهل الخير، والحاجة من هؤلاء كلهم أولى من أن يوصي لهم، كذلك الوصية كما قلت لكم بالثلث فأقل،

أما لو أوصى بأكثر من الثلث فلا تنفذ، بما زاد عن الثلث، تكون بالثلث فأقل والنبي عليه الصلاة والسلام زار سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه فقال يا رسول الله إن لي ابنة واحدة فهل أتصدق بمالي كله، فلم يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم قال بالثلثين قال لا، قال بالنصف أو الشطر قال لا،

أما النبي صلى الله عليه وسلم قال بالثلث، والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، فكيف توصي بأكثر من الثلث أو بمالك كله، وتمنع ورثتك وتتركهم يعيشون بعدك في ضنك وحاجة وفقر، فإذا الوصية بالثلث وأقل من الثلث، فالوصية أحبتي مطلوبة كما قلت لكم ويظهر أمامكم الآن نموذج للوصية، ممكن الاستفادة منه، والوصية تعريفها في اللغة هي الإيصال، وفي الشرع تبرعٌ بحقٍ مضاف ولو تقديرًا لما بعد الموت ليس بتدبير ولا تعليق عتق، هذا هو التعريف الذي يذكره الفقهاء، الوصية هي تبرع أن لا تريد مقابل من هذه الوصية، تبرع بحق مضاف ولو تقديرًا، كأن تقول أوصيت بكذا، مضاف لما بعد الموت، هذا التبرع ينفذ بعد الموت،

ليس بتدبير ولا تعليق عتق، ما معنى التدبير، التدبير هذا متعلق بالرقيق المملوك كأن يقول شخص لمملوكه أنت حر بعد موتي، فهذا لا يدخل تحت الوصية وإن كان تصرف مضاف لما بعد الموت أو تعليق عتق كأن يقول له إن حدث كذا أنت حر بعد موتي، إذًا لا يدخل هذا في الوصية، لأنها تبرع حق مضاف وتقدير لما بعد الموت، ليس بتدبير ولا تعليق عتق، والوصية لها أربعة أركان الموصي والموصى له والموصى به والصيغة، فلو زيد أوصيت بهذه العمارة للفقراء أو أوصيت بهذا المبلغ من المال لفلان ابن فلان، فإذا زيد هو الموصي، وذلك المال أو العمارة هي الموصى به، والشخص الذي له تلك الوصية، كالفقراء أو إذا كان معينًا فهو الموصى له، فالموصي يشترط فيه أن يكون أولًا مكلفًا بالغًا عاقلًا أيضًا يشترط فيه أن يكون حرًا فالرقيق لا يوصي،

أيضًا يشترط أن يكون مختارًا فلو أجبر على كتابة شيء في الوصية فإنها لا تصح، أكره على كتابتها لا يصح، أما بالنسبة للموصى له، يشترط فيه شروط، يوصى انتفاء المعصية عدم المعصية، أما لو أوصى بشيء لمصلحة جهة محرم أن يوصي لها، كأن يوصي لشيء كما قلنا كالكنيسة، أو لشيء محرم، فلا يجوز له أن يوصي له، أيضًا يشترط في الموصى له أن يكون معلومًا وأيضًا إمكان الملك منه، فلا يصح مثلًا الوصية للدابة أو لشخص ميت أو نحو ذلك،

أما بالنسبة للموصى به، فيشترط في الموصى به أن يكون مباحًا يوصي بأشياء مباح، لا يوصي بأشياء محرمة، أيضًا أن يكون قابلًا للنقل يعني مثلًا لو شخص قال أوصيت بحق القصاص، يعني هو له حق في قصاص قال أوصيت بهذا الحق الذي لي لفلان بعد موت، لا ينتقل هذا الحق، أو بحق حد القذف، قال أوصيت بهذا الحق الذي لي لفلان لا ينتقل ذلك ولا تصح فيه الوصية، أيضًا يشترط في الموصى به أن يكون مقصودًا، والفقهاء يمثلون بغير المقصود بالدم، يقولون لا يصح أن يوصي بالدم، لكن الآن مثلًا لو أنه أخرج من جسده شيء من الدم ووضعه في بنك من بنوك الدم التي في المستشفيات، ثم قال أوصيت به لينتفع به الناس بعد موتي، بعض العلماء المعاصرين أجازوا ذلك،

لأنه صار ينتفع به، أما بالنسبة للصيغة فيقول أوصيت بكذا أو هو لفلان بعد موتي أو أعطوه لفلان بعد موتي مثلًا فهذه يعني تكون بهذا اللفظ المشعر بالوصية، إذا هذه بعض الأحكام أو بعض المسائل المتعلق بالوصية، فإذا كتب الوصية يُشهد عليها يكتب ما أراد أن يكتب فيها ثم بعد ذلك يُشهد عليها وبذلك يكون قد قام بالوصية التي طلب منا الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام أن نكتبها وكما سمعتم في الحديث من مات على وصية مات على سبيل وسنة وتقى وشهادة ومات مغفورًا له، أخرجه ابن ماجة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.