بسم الله الرحمن الرحيم
الإفتاء بغير عِلْم
يقول الله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) [الإسراء: 36] فمعنى (لا تقف ما ليس لك به علم) لا تُتبِعَنَّ لسانك من القول ما ليس لك به عِلم، وأصل القَفو في اللغة التتبّع ومنه يقال: قفوْتُ أثر فلان بمعنى تتبّعتُه. وقوله تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد) يُفْهَمُ منه النهي عن الاستماع إلى ما لا يحلّ والنظرُ إلى ما لا يحِلّ وعقدُ القلبِ على ما لا يجوز (كل أولئك كان عنه مسؤولا) أي أن الله يسأل العباد فيمَ استعمَلُوا هذه الأعضاء، أو أنّ هذه الأعضاء مسؤولة عما يستعملها ابنُ آدم فيه من خير أو شرّ، فيُسألُ السمعُ عمّا سَمِع والبصرُ عمّا أبصر والقلبُ عمّا عزمَ عليه ليكونوا شهودًا على أصحابها!
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنّ الله لا يَنْزِعُ العِلْمَ انتزاعًا ينتزعُه من الناس، ولكن يقبِضُ العلماء حتى إذا لم يترك عالـمًا اتّخذ الناسُ رؤوسًا جُهّالًا فأفتَوْا بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا" رواه البيهقي في السنن الكبرى، ومعنى هذا الحديث أنّ الله لا يُزيلُ العِلْمَ بمَحْوِهِ من الصّدور ولكن بموت حَمَلتِهِ ثم لغلَبة الجهلِ يقدّمُ أهلُ الجَهلِ أمثالهم فيسألونهم فيَسْتحسُون مِنْ قولِ لا أدري فيُفتُون بغير علمٍ فيهلكون ويُهلِكون.
شخص يقال له "دكتور" قال لبعض المتخرجين من إحدى الكُليّات التي يقال لها كُلّية شرعيّة: "أنتم تخرجتم علماء فغير مقبول منكم أن تقولوا لا ندري، الناس تتوقع منكم أن تجيبوا" وفي الاختبارات يطلبون منهم الاجتهاد والترجيح بين أقوال المجتهدين... يَجُرُّونهم إلى نار جهنّم جرًّا.
وعن جابر قال: خرَجْنا في سَفَر فأصاب رَجُلًا منّا حَجَرٌ فشَجَّهُ في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابَهُ فقال: هل تجدون لي رُخصةً في التيمّم؟ فقالوا: ما نجدُ لك رُخصةً وأنت تقدِرُ على الماء فاغتسل فمات. فلمّا قَدِمْنا على النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبِرَ بذلك فقال: "قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يَعْلَموا فإنّما شفاءُ العِيِّ السؤال، إنّما كان يكفيه أن يتيمَّم ويعصِرَ أو يَعْصِبَ – شك موسى بن عبد الرحمن الراوي – على جُرحِهِ خِرقةً ثم يمسح عليها ويغسِلَ سائر جسدِهِ" رواه أبو داود في سننه.
ومعنى "قتلوه" تسببوا في موته، ومعنى "قتلهم الله" لعنهم. وهذا الحديث يشهد على أنّ حَظَّ قسم من الناس هو استفتاء أهل الاجتهاد عمّا يعرض لهم من النوازل، وليس لهم أن يُفتُوا فيها لأنهم لم يستكملوا شروط المجتهد. ولو كان الاجتهاد يصح من جميع المسلمين ما ذمّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين أفتَوْا صاحبَ الشّجَةِ أن يغسِلَ رأسه وهم ليسوا أهلًا للفتوى، فلعنهم الرسول لأنهم استحقوا ذلك ، أمّا الرجل الذي اغتسل فمات فلم يَدْع عليه الرسول لأنه ما كان يظنّ هلاكَهُ بهذا الاغتسال.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: "إنّك لم تَزَلْ سالـمًا ما سكتَّ، فإذا تكلّمتَ كُتب لك أو عليك" رواه الطبراني وقال شُمَيط بن عَجْلان: "يا ابن آدم، إنك ما سكتّ فأنت سالم، فإذا تكلمت فخذ حذرك: إما لك وإما عليك" وعن خالد بن أبي عِمران أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رحم الله عبدًا قال خيرًا فغَنم أو سكت عن سوء فسَلِم" رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الصّمت" ويقول أبو بكر الصدّيق: "أيّ أرض تُقِلني وأي سماء تُظِلني إذا قلتُ على الله ما لا أعلم" رواه مالك في الموطأ، ورواية مصنَّفِ بن أبي شَيبة: "أيُّ سماء تُظِلُّني وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إذا قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم".
وعن عَزْرَةَ التميميّ قال: قال عليّ – رضي الله عنه: "وابرَدْهَا على الكبد – ثلاث مرات – قالوا: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: "أن يُسأل الرجلُ عمّا لا يعلم فيقول: الله أعلم" رواه الدارميّ في سننه. ومعنى "وابَرْدَها" ما أشدّ بَرْدَها.
وروى البخاري في صحيحه أنّ رجلًا من الأعراب أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنشُدُك الله إلاّ قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخَرُ – وهو أفقَهُ منه -: نعم فاقضِ بيننا بكتاب الله وأذَنْ لي – أي بالكلام – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قُلْ"، قال: "إنّ ابني كان عسيفًا على هذا – والعسيف الأجير – فزنى بامرأته، وإنّي أُخبِرتُ أن على ابني الرَّجْم فافتدَيْتُ منه بمائة شاةٍ ووليدةٍ – أي أمةٍ – فسألتُ أهل العلم فأخبروني أنّما على ابني جلد مائةٍ وتغريبُ عامٍ، وأنّ على امرأة هذا الرَّجْمَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"والذي نفسي بيده لأقضِيَنَّ بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رَدّ – أي على الخصم – وعلى ابنك جلدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ، اغْدُ يا أُنَيْسُ – لرجُلٍ في المجلس – إلى امرأة هذا – أي امرأة الأعرابيّ – فإن اعترفت فارجُمْها" قال: فغدا إليها فاعترفَتْ فأمَرَ بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فرُجِمَتْ(1).
وعن عبد الله بن عمر قال: العِلم ثلاثة أشياء: "كتاب ناطق" أي مُبين واضح "وسُنّة ماضية" أي مستمرّة جارية "ولا أدري" أي قول المجيب لمن سأله عمّا لا يَعلَمُ حُكمَه. ذكره يوسف بن عبد الله القرطبي في "التمهيد لِمَا في الموطأ من المعاني والأسانيد".
(1) الخصم الأعرابي العصيف المزنيّ ولده – بزوجته