بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الأربعون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

عقوق الوالدين: من أكبر الكبائر

قال الله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) (الإسراء).

إن عقوق الوالدين من الكبائر التي توعّد اللهُ فاعلَها العذاب الشديد في النار. ومعنى العقوق أن يؤذي والدَيه أذًى ليس بهين، ومع ذلك فإيذاء الوالدين سواء كان أذًى شديدًا أو خفيفًا فهو حرام. ومن الأمثلة على العقوق شتمُ الأم أو الأب أو ضربُ الأم أو الأبِ أو إهانتُهما أو أحدهما.

ومن جملة العقوق إذا أطاع الولد أُمه على ظلم أبيه أو أطاع أباه على ظلم أمه، ولا ينفعه عند الله تعالى إن أطاع أمه وظلم أباه لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ونُصرة أحد الأبوين في ظلم الآخر حرام. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التعاون على الظلم بقوله: "ليس منا من دعا إلى عصبية" رواه أبو داود. فالمراد بالعصبية هنا التعاون على الظلم من أجل القومية أو القرابة. وقد ورد في النهي عن الظلم أحاديث عدة منها ما جاء عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال:

"يا عِبادي إني حرّمت الظُلم على نفسي وجعلته بينكم مُحَرَّمًا فلا تَظَالموا" رواه مسلم. ومعنى "إني حرمت الظلم على نفسي" أي نَزَّهْتُ نفسي عن الظلم. فربنا منزه عن الظلم فلا يتصور منه ظلم لأن الظلم مُحال في حق الله، وقال الله تعالى: (وما ربك بظلام للعبيد) والظلم لغةً: وضع الشيء في غير محله، وهو مجاوزةُ الحدِّ أو التصرف في حق الناس بغير حق، وهذا مستحيل على الله أي لا يجوز في حق الله لأن الله هو المالك المطلق يفعل في ملكه ما يشاء ويحكم ما يريد. أما نحن فإننا نملك أشياء ملّكنا اللهُ إياها ولا بد أن نلتزم أحكامَ الشرع كما أمرنا الله.

عذاب العاقِّ لوالديه:

وليُعلم أن عذاب عقوق الوالدَينِ المسلمَين عند الله تعالى عظيم حيث أن عاقّهما لا يدخل الجنةَ مع المسلمين الأولينَ بل يدخلها بعد عذاب شديد مع الآخرين وذلك لأن هذا الذنب هو من كبائر الذنوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة عاقٌّ" رواه البخاري ومسلم، أي لا يدخلها مع الأولين وليس المعنى أنه كافر محروم من الجنة.

آيات قرآنية في الحث على برِّ الوالدين:

قال الله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنًا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) (لقمان). وقال الله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا) (العنكبوت) وقال الله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبوالدين إحسانا).

ومعنى قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) أي برًا وشفقةً وعطفًا عليهما. ومعنى قوله (وقل لهما قولًا كريما) أي قولًا لينًا لطيفًا. فالله سبحانه وتعالى نهى عن أن يقال لهما أفٍ وأمر سبحانه وتعالى بأن يقال لهما القولَ الكريم أي الليِّن لا سيما عند الكِبَرِ، وأن يخض لهما الجناح بأن يكلمهما بأدب واحترام.

بر الأم أعظم:

ولكون الأم عناؤها أكثر وأعظم بما قاسته من نحو حَمْلٍ وطلقٍ وسهرٍ وعناء حثّ الرسولُ عليه الصلاة والسلام على برِّها ثلاثًا وعلى برِّ الأب مرةً واحدةً فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحقُّ الناس بحسن صحابتي. قال: "أمك" قال: ثم من. قال: "أمك" قال: ثم من. قال: "أمك" قال: ثم من. قال: " أبوك" رواه البخاري. فمن هنا علمنا أن بر الأمهات أعظم ثوابًا من بر الآباء، لكن كلا الأمرين أمر عظيم عند الله تعالى كما أن عقوق الأمهات أشد ذنبًا من عقوق الآباء وذلك لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله حرّم عليكم عقوقَ الأمهات" رواه البخاري ومسلم، فتخصيصه صلى الله عليه وسلم الأمهات بالذكر دلّ على أهمية الالتزام ببرِ الأمهات.

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق:

وإن ما ذكرناه في أمر العقوق فإنه في حق الوالدَين المسلمَين أما إذا كان الأبوان كافرين أصليين فالله تعالى أمرنا بالإحسان إليهما لكن لا يطيعهما في كفرهما ولا في معاصيهما وهذا معنى قوله تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) (لقمان). ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" رواه الإمام أحمد.

ثم إن كان الأبوان مسلمَين فقيرَين محتاجَين ففرضٌ على الابن أن يُنفق عليهما فيطعمهما وسكروهما ويسكنهما. كما أنه يجب على الابن المسلم أن يُزوّج أباه المسلمَ الفقيرَ إن كان محتاجًا للزواج وشقّت عليه العزوبة، فإن ترك الولدُ إعفافَ أبيه بالزواج مع كون الولد موسِرًا وتأذّى الوالدُ إيذاءً شديدًا من العزوبة فإنه يكون عاقًّا لأبيه. وإن الأحاديث التي وردت في الحث على برِّ الوالدين والأحاديث التي وردت في النهي عن عقوق الوالدين كثيرة منها ما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:

سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله تعالى: قال: "الصلاة على وقتها" قلت: ثم أي. قال: "برُّ الوالدين" رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانت تحتي امرأة وكنت أحبها وكان عمر (والدُه) يكرهها فقال لي "طلِّقْها" فأبيتُ فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي "طلِّقها" رواه أبو داود والترمذي. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من الكبائر شَتْمُ الرجل والديه" قال: يا رسول الله وهل يشتمل الرجلُ والدَيه. قال: "نعم يسُّب أبا الرجل فيسُّب أباه، ويسُّب أمه فيسُّب أمه" رواه البخاري.

إن كثيرًا من الأبناء يعاملون آباءهم وأمهاتهم معاملةً غير حسنة ويُغْلِظُون لهم القولَ ولا يعاملونهم بالأدب والاحترام، بل يصل الأمر أحيانًا إلى حد الشتم والضرب لمجرد أن أباه لم يشترِ له سيارة جديدة أو لم يُعطِه من المال ما يريدُه ليصرفه على ملذاتِه وطيشِه أو لمجرد أن أُمه لم تنفذَ له طلبه على النحو الذي يُحبه ويهواه، مع العلم بأن الله فَرَضَ برَّهما وحرّم عقوقهما، وقد كان الحري به أن يقدمَ لهما المساعدةَ ويعينَهما على مواجهة المتاعب بَدَلَ أن يكون فظًا غليظَ القلب بذيءَ اللسان.

أخي المسلم، إن المرء مهما كان مواظبًا على أداء الصلوات الخمس والصيام ونحو ذلك من الفرائض وكان عاقًا لوالديه يؤذيهما أذى شديدًا بالقول أو الفعل فإنه لا يكون عند الله من المتقين الصالحين. فاحرص على بر الوالدين، وإياك والعقوق وانصح غيرك بذلك فإن الدال على الخير كفاعله.

اللهم أصلح أحوالنا ويسّر أمورنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا واجعلنا من عبادك المتقين المخلصين.