بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الواحد والخمسون
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الحذر... الحذر من الإفتاء بغير علم
قال الله تعالى: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) (النحل).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أفتى بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" رواه البيهقي. إن الله سبحانه وتعالى سائلٌ عبده يوم القيامة إذا قال يجوز وإذا قال لا يجوز، فإن قال عن شيء لا يجوز مستندًا إلى دليل شرعي فإن كان مجتهدًا فبطريق الاجتهاد وإن كان مقلدًا لمذهب إمام مجتهد فله ذلك وكذلك من قال عن شيء أنه جائز ولم يكن عنده مستند شرعي فقد عرض نفسه لعذاب الله في نار جهنم والعياذ بالله.
فمن كان مجتهدًا فدليله على حسب ما يظهر له في طريق الاجتهاد استنباطًا من نص قرآني أو نص حديثي. ومن لم يكن مجتهدًا أو لم يكن عنده أدوات الاجتهاد فليس له أن يحرم أو يحلل إلا مستندًا إلى نقل بأن يكون ناقلًا عن مذهب إمام من الأئمة المعتبرين أئمة الهدى. وأما من ليس كذلك أي ليس مجتهدًا بنفسه ولا مقلدًا آخذًا بمذهب إمام مُعتبر وإنما يتكلم على هواه بيجوز أو لا يجوز فهذا وبال عليه يوم القيامة.
وإننا نرى في هذه الأيام أناسًا كثيرين يفتون من غير استناد إلى دليل شرعي، بل يرجعون في ذلك إلى ما يعجب نفوسهم. فما وافق هواهم قالوا هذا حلال وما لم يوافق هواهم حرموه. وهذا ليس طريق المجتهدين من العلماء.
ما أكثر الطواغيت:
كان في العرب في أيام الجاهلية في كل قبيلة يوجد طاغوت. والطاغوت هو شيطان كافر ينزل على إنسان ويدخل فيه فيتكلم على لسانه ويصير يُحسّنُ لهم ويُقبّحُ لهم فتتبعه هذه القبيلة، فما حسّنَ لهم هذا الطاغوت على لسان هذا الإنسان أخذوا به واستحسنوه يقولون عنه: هذا حسن. وما نهاهم عنه طاغوتهم وقبّحه تجنبوه وقالوا عنه: هذا لا خير فيه. كانت كل قبيلة تسلم لطاغوتها تسليمًا فما حسنه الطاغوت يعتبرونه خيرًا وما قبحه الطاغوت يعتبرونه شرًا. هؤلاء عبدوا هواهم أي الشيء الذي مالت إليه نفوسهم وهذا داخل في قول الله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) (الجاثية). أي اتخذ هواه إلهًا.
وكم نجد هذه الأيام أناسًا لا يرجعون إلى الأدلة الشرعية لا يرجعون إلى نصوص القرآن والحديث وإنما عندهم في أنفسهم موازين زينها لهم قرناؤهم من الشياطين. فإذا وجدوا الشيء تميل إليه نفوسهم رضوا به مع مخالفته للشرع فإذا ما اعترض عليهم إنسان بدليل شرعي تكابروا عن قبول الحق تعصبًا لآرائهم وأهوائهم.
من هو المجتهد:
ثم اليوم يندر ندرة شديدة وجود أهل للاجتهاد لأن الاجتهاد له شروط ومن استكمل هذه الشروط فهو المجتهد الذي يأخذ بما أداه إليه اجتهاده. والاجتهاد لا يكون إلا لمن يحفظ آيات الأحكام ويعرف عامّها وخاصها وناسخها ومنسوخها ويحفظ أحاديث الأحكام ويحفظ ما قاله الأئمة المجتهدين قبله ويشترط أيضًا أن يكون الرجل عدلًا أي يؤدي ما أوجب الله من الفرائض ويجتنب ما حرم الله إلى غير ذلك من شروط الاجتهاد. وليس المجتهد الذي يعرف اللغة والتاريخ وشيئًا من السيرة النبوية وعددًا من الأحاديث النبوية فهذا ليس مجتهدًا ولا يحل له أن يقول من تلقاء نفسه: هذا حرام وهذا واجب وهذا سنة وهذا مكروه دون الاستناد إلى مستند شرعي.
الحذر كل الحذر من الإفتاء بغير علم:
أخي المسلم، لا تكن مثل هؤلاء الذين يوجبون ما لم يوجبه القرآن والحديث ولا هو اجتهاد أحدٍ من أئمة الهدى إنما هو تجرؤ على الفتوى بدون علم فهؤلاء ضالون ومُضلّون صاروا رؤساء على جهلهم كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" متفق عليه. هؤلاء أحيانًا يبيحون ما حرمه الله تعالى بإجماع المسلمين وأحيانًا يفعلون عكس ذلك. ومثال ذلك قول بعض الناس أن سب الله تعالى لا يكون كفرًا إلا إذا قصد الكفر. ومنهم من وصل به شذوذه إلى أن قال: سب الرسول كفر وسب الله ليس بكفر. لقد أعمى الله قلوبهم فهم لا يؤمنون.
القواعد الشرعية الثابتة:
إن أئمة الهدى قد فصّلوا القواعد التي تبين أقسام الردة: ونكتفي بما ذكره الإمام النووي في كتابه روضة الطالبين: لو غضب رجل على ولده أو غلامه فضربه ضربًا شديدًا فقال له رجل: ألست مسلمًا؟ فقال: لا، متعمدًا كفر ومعنى متعمدًا أي بإرادته، وحسبنا أن الشيخ عبد الباسط الفاخوري رحمه الله مفتي بيروت منذ نحو مائة سنة ذكر في كتابه "الكفاية لذوي العناية" أن الكفر ثلاثة أقسام كفر اعتقادي وكفر فعلي وكفر قولي وذكر أمثلة على كل قسم وبيّن أن سابّ الله كافر سواء كان مازحًا أو جادًا أو غاضبًا.
أخي المسلم، ننصحك أن تلتزم بما ورد في الشريعة المطهرة السمحاء وأن تتقيد بما نص عليه الأئمة المجتهدون أعلام الهدى وألا تلتفت إلى من يتبع هواه ويسير وراء الطاغوت وتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أفتى بغير علم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" رواه الإمام أحمد.
اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تُهلكنا بعذابك وعافِنَا قبل ذلك.