بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس الثالث والأربعون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

كتم العيوب وستر العورات

قال الله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة) (النور).

وقد جاء بالإسناد المتصل الصحيح في كتاب الـمُستَدرَك للحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى عورةً فسَتَرَها كان كمن أحيا مَوْؤدَةً في قبرها" رواه الإمام أحمد. هذا الحديث الصحيح يُخبرنا بأن من رأى عورةً لمسلم فسَتَرَهَا أي لم ينشرها بين الناس بل أخفاها فله أجرٌ كأجرِ من أنقذ مولودةً دفنت وهي حية كما كان العرب في الجاهلية يفعلون.

التائب من الذنب كمن لا ذنب له:

قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم بمدة كان هذا الشيء معروفًا عند العرب، وبعض أصحاب رسول الله عندما كانوا على الجاهلية فكان بينهم رجل معروف بالكرم والحلم حدثت له حادثة ففعل هذا (أي وأد البنات). والحادثة هي أن قبيلة من قبائل العرب أغارت عليهم فسَبَتْ له بنتًا أسيرة ثم حصل صلح بين القبيلتين وكانت هذه البنت قد تعلق قلبها بواحدٍ من تلك القبيلة التي أسَرَتها وهو مَالَ إليها وتعلّق قلبُه بها فخُّيرت بين الرجوع إلى أبيها والبقاء مع هذا الرجل فاختارتُه على أبيها مع أن أباها وجيهٌ في قومه وكريم وسخي وحليم ومعروف بالذكر الحسن عند الناس فغضب منها وحلف أنه إن جاءته بنات بعد ذلك أن يدفنهن وهن حيّات.

فكان كلما ولدت له واحدة يدفنها إلى أن اكتمل عدد ثمان. ثم بعد أن أسلم نَدِمَ على ما فعل ندامةً شديدة فسأل رسول الله ماذ يفعل حتى يُغْفَرَ له ما سبق له وأْدِ بناته الثمان فقال له: "اعتق رقابًا". فقال: أنا صاحب إبل. فتصدق بنحو مائة إبل. ثم إن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن الكريم تقبيحَ هذا الأمر أي وأد البنات، قال تعالى: (وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت) (التكوير) لأنه من أشنع الجرائم.

فالرسول صلى الله عليه وسلم شَبَّهَ أجرَ الذي رأى عورةَ مسلمٍ أي ما يُعاب عليه ويُستحى منه لو اطّلع عليه الناسُ فسَتَرَها عليه شبّه أجره بأجرِ الذي رأى موؤدةً فأنقذها قبل أن تموت وتختنقَ في التراب في القبر. وهذا دليل على ما لهذه الطاعة من عظيم أجر عند الله فضلًا عن أنها تُقرب بين قلوب المؤمنين وتُقوي صلات المحبة بينهم.

قصة أخرى:

جاء رجل إلى عمر بن الخطاب أميرِ المؤمنين رضي الله عنه وقال له: يا أميرَ المؤمنين إني كنتُ وأدتُ بنتًا لي في الجاهلية دفنتُها ثم أخرجتُها قبل أن تموتَ ثم أدركنا الإسلام فأسلمت بعدما كبرت (يعني ابنته) ونحن أسلمنا ثم ارتكبت حدًا من حدود الله وهي شابة فأخذت شفرة لتذبح نفسها (أي من عُظمِ ما وقعت فيه من الفضيحة) فأدرَكْنَاها وقد قطعت بعض أوداجها (وهي عروق العنق من الجانبين) فداوَيْنَاها ثم تابت توبةً حسنةً ثم خُطِبَت إلينا من قوم فأخبرتُهم ببعض ما جرى لها وأن ابنتي كان سَبَقَ لها كذا وكذا مما هو عار وعيب حتى يُقدموا على إتمام خِطبتها أو يتركوها (يزعم أنه ينصح الذي يخطبها) فقال له عمر "أنت تبثُّ عيبًا سَتَرَه الله تعالى،

لئن أخبرتَ بذلك أحدًا لأجعلنك نكالًا يتحدث به أهلُ الأمصار". معناه لئن عُدْتَ بعد هذا إلى إشاعة هذه الفاحشة التي سبقت لابنتك لأجعلنك نكالًا أي عبرة للناس بعقوبةٍ أنزلها بك يتحدثُ بها أهلُ المدن. فلان ابن فلان فَعَلَ كذا وأجرى عليه أميرُ المؤمنين كذا.

يُؤخذُ من هذه القصة أن المسلم العاصي بعد أن يتوب لا يجوز ذكره بالعار والعيب الذي سَبَقَ له مهما كان ذلك العارُ ومهما كانت تلك الفاحشة، لا يجوز أن تُكشفَ بعد أن يتوبَ ذلك المسلم أو تلك المسلمة، لأن العبرة بالحال الراهنة فالإنسانُ يتنقل في أحوالٍ شتى بعمره، مرةً تحصُلً منه شنيعة ثم أخرى ثم يتطهّر من هذه الشنائع ويصير إنسانًا طاهرًا تقيًا.

الحذر من إشاعة الفاحشة بين المؤمنين

إخوة الإيمان، كما سمعتم في الحديث الشريف الذي مر ذكره وما فيه للمسلم من فضل في سترة عورة أخيه وحث على عدم بثها وفضحه بها. فاحذروا أن تكونوا ممن يتمادون في تهشيم عِرْضِ المسلم أي يُكثرون الوقيعة فيه وتهشيمه أينما ذهبوا ويتخذونها عادةً لهم، فهؤلاء ذنبهم كذنب أشد الربا كما قال عليه الصلاة والسلام "إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق" رواه أبو داود. أي يمضي ليله ونهاره في أن يدور على الناس ليهشم هذا المسلمَ فهذا من أكبر المذنبين عند الله تعالى.

والتهشيمُ هو ذكر معايبه وفضحُه عند الناس والتمادي في ذلك. وإن هذا كثيرًا ما يؤدي إلى قطيعةٍ وهجرٍ بين الإخوة في الدين. فمن كان مظلومًا فلا يتكلم لإلا بحقه ولا تحمله العصبيةُ على فعل ما يُغضِبُ ربّه وليكن وقافًا عند كتاب الله ساترًا لعيوب المسلمين مُحسنًا للمسيئ إليه.

التحذير من الغش:

وأما الإنسان الذي يغش في تجارته أو تدريسه باسم الدين أو علم الدنيا أو الطبابة أو الصناعة أو غير ذلك من سائر فنون المعاملات فهذا يجب التحذير منه وبيان غشه للناس من باب النصيحة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الدينُ النصيحة" (رواه مسلم).

أخي المسلم، لقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستر العورات بأحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة" رواه مسلم. وقد قال الشاعر:

إذا شئتَ أن تَحيا سليمًا من الأذى *** وحظك موفورٌ وعِرْضُكَ صيّنُ

لسانك لا تذكر به عورة امرئ *** فكلك عوراتٌ وللناسِ ألسنُ

وعينك إن أبدت إليك المعايبا *** فصنها وقل يا عينُ للناسِ أعينُ

وعاشر بالمعروف وسامِح من اعتدى *** وفارقْ ولكن بالتي هي أحسنُ

اللهم استرنا يوم العَرْضِ عليك فإن فضوح الدنيا أهونُ من فضوح الآخرة يا علام الغيوب وستار العيوب استر عيوبًنا وآمِنْ روعاتِنا واختم بالصالحات أعمالنا.