بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس التاسع والأربعون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق

قال الله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) (الأنعام).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اقتتل المسلمان على الدنيا فالقاتلُ والمقتولُ في النار".

إخوة الإسلام، إنه من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى حرّم قتل النفس إلا بالحق وإن هذه الخطيئة هي من أكبر الكبائر بعد الكفر والعياذ بالله. وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنه إذا اقتتل المسلمان أي إذا قَصَدَ هذا أن يقتل هذا وقصدَ هذا أن يقتل هذا وحمل السلاح على مسلم لأجل الدنيا أي كل منهما كان طالبًا حظًا دجنيويًا فكلا الفريقين يستحقان النار.

وأما إذا كان هناك أحد الفريقين طالب دنيا والفريق الآخر ليس مقاتلًا لأجل الدنيا إنما هو مظلوم هُدد بالقتل ظُلمًا ولم يجد مخلصًا فقاتل أو سَلِمَ وقَتَل المُعتدي المهاجم فلا معصية عليه ولا يكون داخلًا في الحديث السابق ذكره. فالرسول صلى الله عليه وسلمإنما قصد بقوله "إذا اقتتل المسلمان على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار" أن يكون كلا الفريقين قتاله لا للدين بل للدنيا كحال كثير من المتخاصمين المتقاتلين.

وأما لو كانت طائفتان أي فئتان من الناس إحداهما قتالها للدين والأخرى للدنيا للاستبداد كالتعدي على حقوق الغير ونحو ذلك من الأغراض الفاسدة فالفئة التي قصدها الدين ليس عليها معصية ولا تدخل ضمن هذا الحديث. وأما الحديث الآخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" رواه البخاري. فالمراد منه أيضًا القتال الذي يكون للدنيا من الفريقين ويدل على ذلك رواية البزار في مسنده "إذا اقتتل المسلمان على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار" فقال بعض الحاضرين:

يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول. قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" أي أن هذين المسلمين اللذين تواجها بسيفيهما وكان كل منهما يقاتل للدنيا وليس لأمر ديني فالقاتل في ذلك أمره ظاهر لأنه قتل نفسًا مسلمة ظالمًا، وأما المقتول فسبب استحقاقه النار أي عذاب الله بالنار في الآخرة هو أنه كان حريصًا على أن يقتل صاحب للدنيا وبما أنه حمل السلاح ليقاتل المسلم الآخر على هذه النية استحق عذاب الله على معصيته هذه.

كل مسلم يُقتل ظُلمًا فهو شهيد:

عن سعيد بن زيد قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد ومن قُتِلَ دون دمه فهو شهيد ومن قُتِلَ دون دينه فهو شهيد" رواه الترمذي.

1 – إن المسلم الذي يُقتل لدينه فشهادته ظاهرة لا خفاء في هذا الحكم.

2 – وأما من قُتل دون أهله كالذي دافع عن زوجته ليمنع الاعتداء عليها بالزنا فقتله ذلك المعتدي الذي يريد الفاحشة فإن هذا الزوج المقتول شهيد.

3 – وأما من قتل دون دمه فهو كمن دافع عن نفسه لرد ظالمٍ هجم عليه ليقتله فقاتل دون دمه فهو شهيد. ولو كان المهاجم الظالمُ القاتلُ مسلمًا.

4 – وأما الذي يُقتل دون ماله كما إذا أراد أخذ ماله ظُلمًا فقاتل دفاعًا عن ماله فقُتل فهو شهيد وكلٌّ من الثاني والثالث والرابع يُغسّلُ ويُكفنُ ويُصلّى عليه مع كونه شهيدًا.

الانتقام المحرم والعصبية البغيضة:

إخوة الإسلام، إن من العادات القبيحة والأفعال الشنيعة التي نجدها عند بعض الناس عادة الأخذ بالثأر كالانتقام بقتل أحد أقرباء القاتل أو أكثر من واحد. فليُعلم أولًا أنه إذا اعترف القاتل بأنه قتل مسلمًا فأهل القتيل يُخيرون بين ثلاثة أمور: - إما العفو عن القاتل فلا يُقتل. – وإما أن يطلبوا من الحاكم المسلم أن يُقيم عليه حد القتل فيقتله الحاكم. – وإما أن يأخذوا منه الدية. والقتل الذي يكون بغير طريق الحاكم قد يؤدي إلى عودة الأخذ بالثأر ولذلك جعل الشرعُ الطريق في استيفاء هذا الحق بواسطة الحاكم بعد ثبوت القتل بالبينة أو بالاعتراف.

وأما ما يجري بين كثير من الناس من الانتقام أو الأخذ بالثأر بقتل قريبِ القاتل فإن هذا من العصبية التي نهى الله عنها فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من دعا إلى عصبية" رواه أبو داود. أي أن الذي يدعو إلى العصبية لا يكون من أهل التقوى والكمال في الدين بل يكون عاصيًا لربه. وكذلك من العصبية أن يُناصر شخص قريبه على دعوى ادّعاها على شخص بغير حق ظُلمًا.

والعصبية من الكبائر ومعناها أن يعين الشخص قريبه أو صديقه أو عشيرته على الظلم. وكذلك من العصبية أن يعين الشخص من ينتسب إلى حزبه على ظلم الشخص الآخر الذي ليس من حزبه ظُلمًا.

نصرة المظلوم حق على المستطيع:

أخي المسلم، إن الذي ينبغي للمؤمن أن يعين المظلوم وأن يمنع الظالم ولو كان قريبه أو صديقه بأن يقول له: اتق الله واجب عليه أن ينهاه عن الظلم. ولو عمل الناس بهذا الحكم الشرعي لارتحنا من التفكك الناتج عن العصبية البغيضة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعان إنسانًا في خصومة بباطلٍ لم يَزَل في سَخَطِ الله حتى يرجع" رواه أبو داود. أي أن الإنسان الذي يعين غيره على الظلم والباطل لقرابة أو مال أو صداقة فإنه لا يزال في سخط الله حتى يترك هذا الأمر. وهذا الحكم شامل لمن كان أبوه ظالمًا لأمه وأعانه عليها وكذلك العكس فليس له أن يناصرها ويعينها في ظلمها بل على الابن أن ينهى الظالم منهما سواء كان الأب أو الأم ومن لم يفعل ذلك وتحزب للظالم منهما فهو عاق استحق عذاب الله، لأنه أرضى الناس في سخط الله فسخط الله عليه. وليس هذا من بر الوالدين إنما برهما يكون بالإحسان إليهما وطاعتهما فيما ليس فيه معصية لله تبارك وتعالى.

أخي المسلم، أن مجتمعاتنا تعج بالمشاكل والمآسي وتكثر فيها جرائم القتل والسرقة وأعمالُ الاحتيال والتزوير وأنواع شتى من المفاسد والبلايا وكل ذلك بسبب ابتعاد الكثير من الناس عن تعاليم الشريعة الإسلامية الصحيحة فبهجرهم لها ينتشر الفساد وتسوء الأخلاق.

وهذا يدعونا لمحاسبة النفس قبل دخول القبر ونصلح أنفسنا لتصح طريقة تعاملنا مع الآخرين وذلك بأن يكون الحكم لله فنُقوّم اعوجاجنا لتُقبل أعمالنا بموافقة ميزان الشريعة.

قال الله تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) (آل عمران).

وقال: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) (الأعراف).

اللهم إني أسألك حُبّك وحُبّ من يُحبك والعمل الذي يُبلّغني حبّك، اللهم اجعل حبّك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد.