بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الطاهر الأمين.

الدرس الرابع

الإسراء والمعراج: المعجزة الباهرة

قال الله تعالى: (سبحان الله أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) [سورة الإسراء]. فالحمد لله مكوّن الأكوان الذي أيّد سيدنا محمدًا بالمعجزات الباهرة والدلالات الظاهرة وجعله أفضل الأنبياء وأكثرهم معجزاتٍ وأجملهم خَلْقًا وخُلُقًا.

الإسراء

لقد أسرى الله بالمصطفى المختار ليلًا من مكة إلى المسجد الأقصى بالجسد والروح وفي اليقظة وليس هذا بعزيز على الله سبحانه وتعالى لأنه على كل شيء قدير. من المسجد الحرام أركبه سيدُنا جبريل عليه السلام خلفَه على البراقِ وهو دابة من دواب الجنة يضع حافره عند منتهى طرفه. ومرّا بالمدينة ثم وصل إلى طور سيناء ثم إلى بيت لحم حيث وُلِد سيدنا عيسى عليه السلام حتى أتى بيت المقدس ودخل المسجد الأقصى وجمع الله للرسول عليه الصلاة والسلام الأنبياء من آدم فمن بعده في المسجد الأقصى تشريفًا له وصلّى بهم إمامًا.

من عجائب ما رأى في الإسراء:

1 – المجاهدون في سبيل الله: رأى قومًا يزرعون ويحصدون في يومين فقال له جبريل: "هؤلاء المجاهدون في سبيل الله".

2 – خطباء الفتنة: ورأى أناسًا تُقرض ألسنتُهم وشفاهُهم بمقاريض من نار، قال له جبريل: "هؤلاء خطباء الفتنة". يعني الذين يخطبون للشر والفتنة أي يدعون الناس إلى الضلال والفساد والغش والخيانة.

3 – تاركوا الصلاة: ورأى قومًا تَرْضَخُ رؤوسُهم ثم تعود كما كانت فقال جبريل: "هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن تأدية الصلاة".

المعراج

ثبت المعراج بنص الأحاديث الصحيحة وأما القرآن لم ينص عليه نصًا صريحًا لكن ورد فيه ما يكاد أن يكون صريحًا.

فائدة جليلة: إن الله هو خالق السموات السبع وخالق الأماكن وخالق كل شيء. كان الله موجودًا قبل خلق الأماكن بلا هذه الأماكن كلها وهو الذي لا يحتاج إلى شيء. قال الإمام علي رضي الله عنه: "كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان" أي كان الله قبل خلق المكان بلا مكان وبعد أن خلق المكان هو موجود بلا مكان. وحسبنا قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) أي لا يشبه اللهُ شيئًا من مخلوقاته ولا يوصف بصفة من صفات المخلوقات. أما اعتقاد أن الرسول صلى الله عليه وسلم وصل إلى مكان في السموات هو مركز لله تعالى فهو ضلال وتكذيب لقوله تعالى: (ليس كمثله شيء) وقوله تعالى: (ولم يكن له كفوًا أحد) أي لا شبيه ولا مثيل له.

القصد من المعراج هو تشريفُ الرسول باطلاعه على عجائب في العالم العلوي وتعظيمُ مكانته. عُرِج بالنبي ومعه جبريل عليه السلام حتى انتهيا إلى السماء الأولى فوجدا فيها آدم عليه السلام.

وفي السماء الثانية رأى عيسى ويحيى عليهما السلام. وفي الثالثة رأى يوسف عليه السلام. وفي الرابعة رأى إدريس عليه السلام. وفي الخامسة رأى هارون عليه السلام. وفي السادسة رأى موسى عليه السلام. وفي السماء السابعة رأى إبراهيم عليه السلام.

من عجائب ما رأى الرسول في المعراج:

1 – البيتُ المعمور: وهو بيت مشرف في السماء السابعة. هو لأهل السماء الملائكة كالكعبة لأهل الأرض. كل يوم يدخله سبعون ألف ملك يصلّون فيه ثم يخرجون ولا يعودون أبدًا.

2 – سِدرَة المنتهى: وهي شجرة عظيمة في السماء السابعة.

3 – الجنةُ: وهي دار السلام والنعيم. وهي موجودة فوق السموات السبع.

فائدة جليلة: ليس معنى قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) أن الله دنا من الرسول كدنو الحاجب من الحاجب، أما المعنى الصحيح أن جبريل دنا من سيدنا محمد حين ظهر له على صورته الحقيقية وكان ذا ستمائة جناح وذلك في مكة في مكان يقال له أجياد فكان بينه وبين النبي ذراعين أو أقل.

الرجوع من المعراج

ولما رجع الرسول الأعظم إلى مكة أخبر الكفار أنه أُسري به فلم يصدقوه، فطلبوا منه وصف المسجد الأقصى لأنهم يعلمون أنه لم يرحل مع أهل بلده قط إليها، فجمع له أبو جهل قومه فحدثهم الرسولُ صلى الله عليه وسلم بما رأى. وأخبر بعض الكفار أبا بكر رضي الله عنه فقال "إني أصدقه في خبر السماء فكيف لا أصدقه في خبر الأرض".

أخي المسلم، ردد معنا قول الشاعر:

سريتَ من حرمٍ ليلًا إلى حرمِ *** كما سرى البدرُ في داجٍ من الظُلَمِ

فحزت على فخار غير مشتركِ *** وجُزتَ كل مقام غير مزدحمِ

بشرى لنا معشر الإسلام أن لنا *** من العناية ركنا غير منهدمِ