البدعة والمولد النبوي الشريف
الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه العظيم: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون}، وصلى الله على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وهدى وبشرى للمتقين.
فليعلم أن البدعة لغة ما أحدث على غير مثال سابق. قال الإمام الأزهري في تهذيب اللغة نقلا عن ابن السكيت: "البدعة كل محدثة". ونقل عن الكسائي وهو إمام كبير من أئمة اللغة والقراءات أنه قال: "البِدَعُ في الخير والشر". وروى الحافظان أبو نعيم والبيهقي أن الشافعي رضي الله عنه قال: "المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة، والثانية ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة".
وقال النووي رحمه الله: "وهي – يعني البدعة – منقسمة إلى حسنة وقبيحة". والاحتفال بالمولد يندرج تحت البدعة الحسنة كما صرح بذلك علماء المذاهب الأربعة. ومن العلماء الذين نصوا على استحسان عمل المولد أبو شامة المقدسي والنووي وتقي الدين السبكي والعراقي وابن حجر العسقلاني والسيوطي وابن دحية وابن عاشر والدسوقي والصاوي والشيخ محمد عليش وغيرهم.
وقد استند العلماء لتقرير البدعة الحسنة إلى القرءان والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم. فأما الدليل من القرءان فقوله تعالى: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها} ولو كانت هذه الرهبانية التي ابتدعوها مذمومة لما كان لها حق يراعى، فلا يقال مثلا فلان سرق ولكنه لم يراعِ حق السرقة، أو قتل ولم يراعِ حق القتل، فإن ما يراعى حقه ما كان خيرا لا ما كان مذموما، فثبت بهذه الآية تسمية ما فعلوه بدعة وأن لها حقا يراعى فهي ممدوحة لا مذمومة.
وأما من السنة فقد روى مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"، وهذا الحديث مخصص لحديث "كل بدعة ضلالة" كما نص على ذلك النووي في شرح مسلم. فمن سن سنة حسنة أي موافقة للكتاب والسنة فهي حسنة في أي وقت كان هذا الإحداث، ولا يتقيد ذلك بزمن النبي صلى الله عليه وسلم بل الحكم مستمر ما دام الإسلام مستمرا، ولا يقال إن هذا الحديث ورد في حادثة معينة فهي المقصودة بالحديث لأن علماء أصول الفقه قالوا:
"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" مثاله حديث: "مَنْ غشنا فليس منا" سببه من غش في القمح الذي أصابه ماء السماء فزاد وزنه. فمنع الرسول من بيعه لأن المشتري يريده خالصا من الماء فهل يقول المخالفون إن الغش كان محرما على ذلك الرجل فقط أو أنه محرم في القمح فقط أم أن الغش يشمل الثياب والطعام والأموال وغيرها؟!
فقوله عليه السلام: "وكل بدعة ضلالة" عام مخصوص بما هو مخالف للشرع. ولفظة "كل" المراد بها هنا الغالب. وقال تعالى عن الريح التي أرسلها على قوم عاد: {تدمر كل شيء بأمر ربها} والواقع أن الريح دمرت مساكنهم وبلادهم ولم تدمر كل شيء على الإطلاق، فلم تدمر السموات والأرض وغير ذلك. وكذلك يدل على وجود البدعة الحسنة الحديث الذي رواه البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ففي هذا الحديث نص على بطلان العمل الذي لا يكون عليه أمر المسلمين أي الذي هو مخالف للشريعة، ويفهم منه أن المحدث إذا وافق الشريعة فليس مردودا.
وأما إجماع الصحابة فقد وردت أحاديث صحيحة أن الصحابة منهم من أحدث أعمالا أو أذكارا أو أدعية أو غير ذلك لم يسبق للرسول أن فعلها، كما زاد أحد الصحابة في ذكر الاعتدال في الصلاة حيث قال: "ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول" رواه البخاري. فقد استحسن النبي عليه السلام منه ذلك مع أنه ذكر محدَث لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر به.
ومنها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحدث الاجتماع في التراويح على إمام واحد ثم قال حين رأى القوم مجتمعين: "نعمَتِ البدعة هذه" فسماها رضي الله عنه "بدعةً" ومدحها بقوله: "نعمت". ومنها جمعُ زيد بن ثابت بأمر أبي بكر وعمر رضي الله عنهم القرآنَ، وزيادة عثمان الأذان الثاني يوم الجمعة، وسَنُّ خُبَيب بن عدي صلاة ركعتين عند القتل وغير ذلك الكثير من الأخبار ولم يعترض على هؤلاء المحدِثين أحد من الصحابة ولا من جاء بعدهم. ونحن نتبع سنتهم فنقول بجواز إحداث شيء لا يخالف القرءان والسنة والإجماع كما جوزوا هم ذلك رضوان الله عليهم.
فإن قال المانعون للاحتفال بالمولد النبوي الشريف للمسلم: أنت لست أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فهل احتفلوا بمولده صلى الله عليه وسلم؟
فقل: أنا لست أفضل منهم جزما وسيدنا عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد بعدهم ليس أفضل منهم ومع ذلك أحدث المحاريب المجوفة في المساجد وكذلك التابعي الجليل يحيى بن يعمر ليس أفضل من الخلفاء الراشدين ومع ذلك أحدث تنقيط المصحف. فإما أن تقرُّوا بأنها بدع حسنة وتتراجعوا عن تضليلكم للمسلمين وإما أن تهدموا المحاريب وكم ستتعبون لأن مساجد الدنيا بأسرها يوجد فيها هذه المحاريب ثم اكشطوا النقط من المصاحف لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته لم يقرؤوا بمصاحف منقطة. فالخلاصة أن ما كان موافقا للشرع وقواعده سواء فعله الخلفاء الأربعة أو لا فهو مقبول ومجرد تركهم لفعل المولد ليس دالا على تحريمه كما أن تركهم لنقط المصاحف ليس دالًّا على تحريمه.
فإن قالوا الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بمولده فكيف تحتفلون؟
قلنا: رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم ولادته في حديثه قالوا: لم تصوم يوم الاثنين؟ قال: "هذا يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه" فتقرَّب إلى الله بطاعة هي الصيام شكرا لله على بروزه للدنيا وترسيخا لعظم شأن يوم ولادته فإن تقربنا إلى الله بصيام أو بصدقة أو بقراءة قرءان ونحو ذلك فلا نكون فعلنا محظورا. ثم نقول: مجرد الترك ليس دليلا على التحريم فقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم أشياء كثيرة ولم يدل تركه لها على تحريمها كتركه أكل الثوم والبصل وتركه أكل الضب لعدم إلفه فأكله سيدنا خالد بن الوليد بحضوره.
فإن قال المانعون للاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم: إن الثاني عشر من ربيع الأول هو يوم وفاته صلى الله عليه وسلم كما هو يوم ولادته فكيف تحتفلون بيوم توفي فيه الرسول؟
فقل: نحن أمرنا بإظهار الفرح عند نزول رحمة من الله ونعمة، قال تعالى: {قل بفَضلِ اللهِ وبرحمتهِ فبذلكَ فليَفرحُوا هو خيرٌ مما يَجمَعُون} ولم نؤمر بإظهار الحزن. وأخبِرُونا عن إنسان أصابته رحمة ومصيبة في يوم واحد فأدام ذكر نعمة الله عليه وأكثر من شكرها مع التزامه الصبر والتسليم لله أيشكر أم يذم؟! وقد كان صلى الله عليه وسلم يحبُّ الفأل الحسن ويكره التشاؤم فليس في فرحنا بيوم ولادته صلى الله عليه وسلَّم ما يخالف منهجه عليه السلام.
فإن قيل هذا تخصيص ليوم معين بعبادة معينة وهذا بدعة مذمومة.
فالجواب على ذلك أن تخصيص يوم معين بطاعة معينة بعدد معين لم يرد في الشرع ما يمنع منه بل جاء في الشرع ما يدل على قبوله حيث وافق قواعد الشرع. لا سيما والله تعالى يقول: {وافعلوا الخير}. وأما النهي عن عبادة في موضع خاص أو حالة مخصوصة فهذا مقصور فيما ورد فيه، وذلك كالنهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم. ومما يدل على قبول تخصيص العبادة بزمن معين ما رواه البخاري عن أبي وائل أنه قال: "كان عبد الله – أي ابن مسعود – يذكّر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، قال:
أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أُمِلَّكم وإني أَتَخَوَّلُكم بالموعظة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوَّلُنا بها مخافة السآمة علينا". فهذا فيه أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يلتزم يوم الخميس للموعظة ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بـ"باب من جعل لأهل العلم أياما معلومة". وهذا واضح الدلالة في تخصيص زمن معين بطاعة معينة. ومن أعجب العجب أن يقال لمن خصص وقتا من يومه أو يوما من عامه للازدياد من الطاعات إن ذلك محرم والطاعة التي يعملها في هذا اليوم عليه فيها إثم لتخصيصه هذه الطاعة بهذا الوقت والله المستعان.
فإن قيل هذا الاحتفال فيه تشبه بغير المسلمين وقد نهينا عن التشبه بهم.
قلنا: هذه دعوى لا حجة عليها بل هي محض افتراء وتهويل فإن المسلمين يظهرون طاعة الله تعالى ويزدادون منها شكرا لله على بعثة الرحمة المهداة وغير المسلمين يحتفلون بما يعتقدونه ولادة ابن الرب أو نحو ذلك فكيف يسوغ لعاقل أن يقيس الفرح بولادة النبي صلى الله عليه وسلم بإظهار طاعة الله على من يجتمع على الكفر والعياذ بالله وقائل هذا هل يجرؤ على أن يقول ذلك في رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث رأى اليهود يصومون يوم عاشوراء فأمر بصومه وقال: "أنا أولى بموسى منكم"؟!
وإن قيل: قال الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} الآية. وأنتم تزيدون في دين الله.
قلنا: هذه الآية ليس معناها ما ذهبتم إليه إنما معناها كما قال أهل التفسير اليوم كملت قواعد الدين، وكان ذلك في حجة الوداع، قال النسفي في تفسير الآية: بأن كفيتكم خوف عدوكم وأظهرتكم عليهم كما يقول الملوك "اليوم كمل لنا الملك" أي كفينا من كنا نخافه، أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم من تعليم الحلال والحرام والتوقيف على شرائع الإسلام وقوانين القياس. وإلا فلو كان معنى الآية ما ادعى المخالفون من أنه في ذلك الوقت كمل الدين، فماذا يقولون في الآيات التي نزلت بعدها، فهل هي من الدين أم لا بزعمهم.
وإن لم يكن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحدَثٌ إلا وهو منبوذ مرفوض فما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" فإن كانت كل حادثة بعده صلى الله عليه وسلم منكرة على الإطلاق ففي حكم ماذا يجتهد المجتهد؟؟
وقد روى أحمد في مسنده والنسائي في سننه أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ – يَعْنِي مِنْ أَصْحَابِهِ – فَقَالَ: "مَا أَجْلَسَكُمْ". قَالُوا جَلَسْنَا نَدْعُو اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِدِينِهِ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِكَ. قَالَ: "آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلا ذَلِكَ". قَالُوا: واللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَلِكَ. قَالَ "أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهَمَةً لَكُمْ وَإِنَّمَا أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلاَئِكَةَ".
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من المقبولين وأن يرزقنا رؤية نبيه صلى الله عليه وسلم في المنام على صورته الحقيقية وعند الموت وهو يبشرنا بحسن الختام وأن يحشرنا تحت لوائه ويرزقنا مرافقته في الجنة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.