بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس التاسع والعشرون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

طلب العلم الشرعي فرضة على كل مسلم

قال الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الزمر). وقال تعالى: (إِنَّـمَا يَـخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاء) (فاطر) أي إن العلماء هم أشد الناس خشية لله عز وجل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه" رواه الطبراني.

إن من أراد أن يتعلم العلم الشرعي وأن يكون عارفًا بالفقه في الدين فما عليه إلا أن يسلك طريقًا صحيحًا لطلب العلم الشرعي فلا يعتمد على مطالعته الفردية ولم يكن قد حصّل من العلم الشرعي من أهله القدر الذي يؤهله لأن يكون مُميّزًا إذا ما طالع في الكتب كي يفرق بين الباطل والصحيح، فإن لم يفعل ذلك واكتفى بالمطالعة فقط فإنه لا يأمن على نفسه من الوقوع في الفهم السيء حيث لا يوجد معه من يصوّب له خطأه لذا لا يستطيع أن يميز بين الصحيح والسقيم من التآليف. وإن الاعتماد على أسلوب المطالعة الفردية للكتب دون الرجوع إلى عالم ثقة ورع هو أسلوب لا يجعل من المرء عالـمًا ولا طالبَ علم شرعي.

إنَّ طَلَبَ العلمِ لا يكون إلا بالتلقي من العلماء، وقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يذهب إلى أهل العلم ليتلقى العلم من أهله فقد قال صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة" رواه الترمذي. وطالب العلم المقصود بهذا الحديث ليس كل من سمى نفسه طالب علم لأن من طلب العلم الشرعي ليستخدمه كوسيلة للرزق دون أن يعمل به ابتغاء مرضاة الله فلا أجر له. وفي صحيح البخاري بابُ "العلم قبل القول والعمل" واستدل على ذلك بقوله تعالى:

(فاعلم أنه لا إله إلا الله) (محمد) ويفهم من كلام البخاري أنه يجب على المكلف أي البالغ العاقل أن يتعلم قبل أن يتصدر للتعليم وأن لا يدخل في شيء حتى يتعلم ما أحل الله تعالى منه وما حرّم وذلك حتى يميز بين الحلال والحرام والصحيح والباطل والمقبول والمردود والخير والشر، ولا يكون التمييز بين هذه الأمور إلا بعد التعلم. وكذلك لا بد من التعلم قبل مزاولة أمور البيع والشراء والتجارة حتى لا يقع الإنسان في الربا والغش والكذب فإن من لم يعرف الشر يقع فيه.

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُوهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ) (التحريم).

فسرها التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه بقوله: "أن تتعلم كيف تصلي وكيف تصوم وكيف تبيع وتشتري وكيف تنكح (أي تتزوج) وكيف تطلّق".

وجوب التعلم على الرجل والمرأة

إن تعلم القدر الضروري من علم الدين أمر واجب على الرجال والنساء وليس على الرجال فقط فعن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم وبنت أبي بكر رضي الله عنه قالت "نِعْمَ النساء نساء الأنصار لم يمنعهنّ الحياء أن يتفقّهنّ في الدين" رواه البخاري.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طَلَبُ العلم فريضة على كل مسلم" رواه البيهقي. أي إن طلب القدر الضروري من علم الدين فريضة على كل مسلم سواء كان ذكرًا أو أنثى. فلا يجوز للمرأة أن تهمل هذا الأمر وذلك حتى تتعلم كيف تؤدي الواجبات وتجتنب المحرمات وكيف تعامل والديها وتعاشر زوجها كما أمر الله وكيف تربي أولادها التربية الصالحة، فإنها بهذا تنقذ نفسها من عذاب النار إذا طبقت ما تعلمت من أداء الواجبات واجتناب المحرمات. وقال الإمام مجاهد وهو من التابعين "لا ينال العلم مستحٍ ولا مستكبر" فالذي يريد طلب العلم والوصول إلى الحقيقة لا يستحي من طلب العلم مهما كان عمره ومهما كانت صفته بين الناس ولا ينبغي أن يكون همه جمع المال وحب الدنيا بل همه التزود من التقوى والاستعداد لما بعد الموت لأن كل نفسٍ ذائقة الموت.

أخي المسلم، إنك خلقت لعبادة الله لا لمعصيته، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الـجِنَّ والإِنسَ إلا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات). أي إلا لآمرهم بعبادتي فنحن مأمورون بعبادة الله وطاعته في كل الأحوال والأوقات وقد قيل:

إنا لنفرح بالأيام تقطعها *** وكل يوم مضى يُدني من الأجل

فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدًا *** فإنما الربح والخسران في العمل

فعليك بالتوبة إلى الله والمسارعة إلى الطاعة ولا تنغر بهذه الدنيا فقد قال تعالى: (وَمَا الـحَياةُ الدُّنْيا إِلا مَتَاعُ الغُرُورِ) (الحديد) وقال تعالى: (اقْتَربَ للنَّاسِ حِسَابُـهُم وهُمْ في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ).

أحاديث وأقوال في فضل العلم:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًى بما يصنع" رواه ابن ماجة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مَثَلَ العلماء في الأرض كمثلِ النجوم في السماء يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة". رواه الإمام أحمد. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لموت قبيلة أيسر من موت عالم" رواه الطبراني. وروي عن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال: "العلم خيرٌ من المال: العلم يحرسك وأنت تحرس المال والعلمُ حاكم والمالُ محكومٌ عليه، والمال ينقص بالنفقة والعلم يزكو بالإنفاق" أي كلما علمت غيرك ازددت نفعًا. وقال أحد الصالحين: "العلماء أرحم بأمة محمد من آبائهم وأمهاتهم" قيل: "وكيف ذلك" قال "لأن آبائهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا وهم يحفظونهم من نار الآخرة".

الصبر على طاعة الله والمبادرة إلى العلم

إن الأنبياء الذين هم أفضل خلق الله نزل عليهم البلاء فمنهم من ضُرِبَ وشُتم ومع ذلك صبروا وتحملوا وجاهدوا.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما يصيب المسلم من نصب ولا صب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه" متفق عليه. فاعلم يا أخي المسلم، أن الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله.

أخي المسلم، كن حريصًا على جوارحك وخاصة لسانك، وإياك أن تتكلم بشيء لا يرضي الله فإن أكثر خطايا ابن آدم من لسانه، وبادر إلى طلب العلم بإخلاص وهمة وتذكر قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم "من يُرِد الله به خيرًا يفقهه في الدين" رواه البخاري وتذكر أن طلبك للعلم الشرعي هو واجب عليك وهو سبيلك إلى التقوى والصلاح. وإذا كنت تسأل عن الجامعة والمدرسة والطبيب والنجار قبل أن تذهب إليهم فالأولى أن تتحرى عمن تأخذ عنه علم الدين لذلك يقول الإمام محمد بن سيرين "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" رواه مسلم.

قال أحدهم:

تعلم فليس المرء يولد عالـمًا *** وليس أخو علم كمن هو جاهل

وإن كبير القوم لا علم عنده *** صغير إذا التفّت عليه المحافل

اللهم اجعلنا من طلاب العلم الشرعي واجعلنا من التائبين الراشدين الصابرين اللهم علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا.