بسم الله الرحمن الرحيم
آدم عليه السّلام، بعد أن خلق الله تعالى الماء والعرش والقلم و اللّوح المحفوظ و الكرسي و الجنّة و النّار والملائكة وعزازيل. وعزازيل هو أبو الجن و كان مؤمناً يعبد الله مع الملائكة ثمّ تحوّل اسمه إلى إبليس. و بعد أن خلق الله السماوات والأراضين خلق أول بشريّ على الإطلاق و جعله نبيّاً رسولا وهو نبي الله آدم عليه السّلام. الله سبحانه و تعالى خلق نبيّه آدم عليه السّلام من ترابٍ مجموعٍ من أنواع الأرض و ألوانها ثمّ أضيف إلى التّراب الماء ليصبح طيناً. ثمّ جعله على صورة إنسان جميل الشّكل متماسك طويلٍ عريض طوله ستّون ذراعاً و أمّا عرضه فهو سبعة أذرع.
ثمّ بعد أن صوّره الله تعالى على هذا الشّكل بدأ الطّين بالجفاف و أصبح صلصالاً كالفخّار. فاحتار عزازيل في أمره وصار يطوف به ينظر إليه و يقول في نفسه لقد خُلقتَ لأمرٍ عظيم و لمّا رآه فارغاً من الدّاخل عرف أنّه خلقٌ لا يتمالك و ليس كالجنّ و لا الملائكة و لا الجمادات. فقال إن صلّتُّ عليك لأهلكنّك ثمّ أمر الله تعالى ملكاً من ملائكته فنفخ في آدم الرّوح فأحياه الله تعالى فعطس وقال الحمد لله ثمّ أمره الله أن يذهب إلى جمعٍ من الملائكة وهم جلوس و يلقي عليهم التّحيّة و يقول السّلام عليكم فأتاهم فقال لهم السّلام عليكم فقال الله تعالى إنّ هذه تحيّتك و تحيّة ذرّيتك.
ثمّ أمر الله تعالى الملائكة وعزازيل بالسّجود لآدم سجود تحيّة وإكرام فسجد كلّ الملائكة طاعةً لربّهم تعالى فشعر عزازيل بالحسد و الغيرة فامتنع من السّجود وقال أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين فخالف أمر ربّه و اعترض عليه عزّو جل. و أبلس و ابتعد عن رحمة الله وكفر وطرد من الجنّة ثمّ خلق الله تعالى لنبيّه آدم امرأة من ضلعه الأقصرالأيسر ثمّ التئم مكانه لحماً بإذن الله تعالى وحين رآها آدم عليه السّلام سألها من أنتِ؟ قالت امرأة قال و لمَ خلقتِ؟ قالت لتسكن إليّ.
فسأل الملائكة آدم ما اسمها؟ فقال حوّاء لأنّها خلقت من شيءٍ حي. فكانت حوّاء أوّل امرأةٍ خلقها الله تعالى فهي أمّ البشر كما أنّ آدم عليه السّلام أبو البشر. و كانت مناسبةً لسيّدنا آدم في الحجم و عاشت سيّدتنا حوّاء مع سيّدنا آدم عليه السّلام في الجنّة مائةً وثلاثين سنة من سنين الدّنيا أي ما يعادل فترة ما بين العصر والغروب في الجنّة. فكانا يتمتّعان بنعيم الجنّة ويأكلان من ثمارها إلّا من شجرةٍ واحدة قد منعا منها لكنّهما اقتربا إليها وأخذا ثمرةً من ثمارها فعصيا بذلك أمر الله تعالى فيها.
وهذه المعصية ليست من الكبائر وليس فيها خسّة ولا دناءة لأن آدم عليه السّلام نبيّ رسول و الأنبياء لا تحصل منهم هذه الأمور فألهمه الله تعالى أن يسأله التّوبة فقال يا رب أسألك بحقّ محمّدٍ أن تغفر لي فقال الله وهو أعلم بما سيقول كيف عرفت محمّداً و لم أخلقه بعد. فقال يا رب لأنّك لمّا خلقتني ونفخت فيّ الرّوح رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبٌ لا إله إلى الله محمّدٌ رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلّا أحب الخلق إليك. فقال تعالى صدقت يا آدم إنّه لأحبّ الخلق إليّ و إذ سألتني بحقّه فقد غفرت لك و لولا محمّد ما خلقتك.
و أهبط هو و زوجته حوّاء إلى الأرض الدّنيا وكان ذلك يوم الجمع. وأهبط إبليس مطروداً من الملأ الأعلى وأنزل على الأرض ويده على خصره حقيراً ذليلاً مذموماً مدحورا متوعّداً بالنّار هو ومن اتّبعه. و قيل بأنّ آدم نزل بالهند ومعه أوراقٌ من شجر الجنّة فبثّها في أرض الهند فنبتت شجرة الطّيب هناك.و أمّا حوّاء فأهبطت بجدّة و قيل غير ذلك إلى أن التقيا بعد مدّة في عرفات والله أعلم. وأرسل الله أحد الملائكة الكرام إلى آدم ليعلّمه صنعة كلّ شيء من نسجٍ وزراعةٍ وبناءٍ وعلّمه الّلغات وزوّده من ثمار الجنّة فثمارنا هذه من ثمار الجنّة لكنّها مع مرور الزّمن تغيّرت.
أمّا التي في الجنّة فلا تتغيّر وهكذا عاش آدم عليه السّلام مع السّيّدة حوّاء على وجه الأرض ليس معهما بشر إلى أن رزقت حوّاء عليها السّلام بالذّرية فولدت عشرين بطناً. و كانت تلد في كل مرة توأماً صبياً و بنتاً فصار آدم يزوّج الذكر من البطن الأول بالأنثى من البطن الثاني إذ كان في شريعتهم هذا جائزا. و إنّما الذي منعوا منه هو أن يتزوّج الأخ بأخته التي من البطن نفسه. و من ضمن ما ولدت من الأولاد قابيل وأخته التّوأم قيليما وهابيل وأخته التّوأم. فأمر سيّدنا آدم عليه السّلام إبنه قابيل أن يزوّج أخنه لهابيل فلم يقبل قابيل ولم يطع والده بل أراد أن يبقيها لنفسه.
فأمرهما آدم عليه السّلام أن يقرّبا قرباناً وذهب هو ليحجّ إلى مكّة. فقرّب هابيل شاتاً سمينة و كان صاحب غنم وقرّب قابيل حزمةً من زرع من رديء زرعه فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل أي تقبّل الله تعالى قربان هابيل. فغضب قابيل و قال لأخيه لأقتلنّك حتّى لا تتزوّج أختي قبل القربان منك و لم يتقبل منّي. فأجابه إنّما يتقبّل الله من المتّقين، فغضب قابيل عندها وضربه بحديدةٍ كانت معه فقتله و قيل إنّه قتله بصخرة رماها على رأسه والله أعلم. وكان هابيل الذي قتل مع تقواه وطاعته أقوى من قابيل لكنّه لم يؤذ أخاه لورعه وخلقه الحسن فمات مظلوما.
وكان أوّل إنسانٍ يموت قتلاً على وجه الأرض، و قد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم "لا تُقتل نفسٌ ظلما إلّا كان عن ابن آدم الأول" أي قابيل كفلٌ من دمها لأنه كان أول من قتل. ويذكر أن قابيل عوجل بالعقوبة يوم قتل أخاه فعلّقت ساقه إلى فخذه وجعل وجهه إلى الشّمس كيفما دار تنكيلاً به وتعجيلاً ل ذنبه وبغيه وحسده لأخيه. وقد حزن آدم عليه السّلام حزناً شديدا على ابنه هابيل الذي مات و لكنّ الله تعالى عوّضه بابنٍ صالح وهو شيث عليه السّلام. ومعنى شيث هبةُ الله وكان عمر آدم يوم ولد له شيث مائة و ثلاثين سنة وعاش بعد ذلك ثمان مائة سنة.
وآخر ما ولد لآدم عليه السّلام بعد سيّدنا شيث عبدالمغيث وأخته ثمّ انتشر النّاس بعد ذلك وتكاثروا وامتدّوا في الأرض ونموا. قال الله تعالى (يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرا ونساءً) وقد ذكر أهل التّاريخ أن آدم عليه السّلام لم يمت حتّى رأى من ذرّيته من أولاده وأولاد أولاده أربع مائة ألف نسباً. ولمّا حضرت الوفاة سيّدنا آدم عهد إلى ابنه سيّدنا شيث وعلّمه ساعات اللّيل والنّهار وأنزلت عليه خمسون صحيفة وعلّمه العبادات وأخبره بوقوع الطّوفان الذي سيحصل في زمن نبي الله نوح.
ثمّ بعد شيث أرسل الله تعالى إدريس عليه السّلام فهؤلاء الثّلاثة آدم وشيث وإدريس هم أول ثلاثة أنبياء واختلف في موضع دفن آدم عليه السّلام. فقيل إنّه دفن عند الجبل الذي أهبط عليه في الهند وقيل بجبل أبي قبيس بمكّة وروي أنه دفن بموضع مسجد الخيف بمنى ويقال إنّ نوحاً عليه السّلام لمّا كان زمن الطّوفان حمله هو وحوّاء في تابوت فدفنهما في بيت المقدس والله تعالى أعلم.