بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، نتابع معًا اليوم قصة سيدنا داود عليه السلام وانتصاره على جيش جالوت الظالم، بعد أن تبين من يصبر ممن لا يصبر على خوض الحرب التي خاضها سيدنا شمويل مع قائد جيش المسلمين طالوت في مواجهة جالوت الظالم وجنوده الذين فاقوا أضعاف عددهم لم يبقى مع الملك طالوت من الجنود إلا بضع مئات من أصل عشرات الألوف الذين كانوا معه في بداية الأمر، لكنهم توجهوا ثابتين متوكلين على الله تعالى لقتال العدو، ولما التقى الجيشان في متسع بارز من الأرض وظهرت كثافة جيش العدو التجأ المؤمنون إلى الله تعالى وهم قلة ثابتة شعارهم الصر وزادهم الإيمان قالوا ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين،
فأنزل الله نصره المؤمل على المؤمنين فهزموا الكفار وكسروهم ولكن كيف كانت بداية انهزامهم على يد سيدنا داود عليه السلام الذي كان أصغر إخوته وكان ما زال شابًا صغيرًا لم يذهب مع إخوته للقتال، ولم يوحى إليه بالنبوة بعدُ، ولكن كان له في جيش طالوت المؤمن ثلاثة عشر أخًا، وكان عليه السلام ذكيًا جميل الخلقة كباقي أنبياء الله تعالى أزرق العينين، طاهر القلب حسن الخلقة والخليقة، ويعود نسبه إلى يهوذا ابن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم عليهم السلام، فلما حضرت الحرب ولم تأتي أخبار إخوته أرسله أبوه لاستطلاع الأمر، فلما كان في طريقه مر بحجر فناداه الحجر يا داود خذني فبي تقتل جالوت ثم ناداه حجرٌ آخر ثم آخر، فأخذها وجعلها في جعبته وسار،
فخرج جالوت الكافر يطلب مبارزًا فتارجع الناس عنه عندها نادى طالوت المؤمن من يبرز له، وإلا برزت له، ثم سأل النبي شمويل فدعا الله تعالى في ذلك، فجاء ملكٌ حاملٌ خوذة فيها دهن القدس ودرعًا حديدية وقال له إن الذي يقتل جالوت هو الذي توضع هذه الخوذة على رأسه فيغلي الدهن حتى يدهن منه ولا يسيل على وجهه بل يكون على رأسه كهيئة الإكليل ويرتدي الدرع فتصير على قياسه ولا يتقلقل فيها، فدعا طالوت المقاتلين الذين ثبتوا معه فلم تكن الدرع على قياس أحدٍ منهم ولم يكن داود قد وصل إلى الخطوط الأمامية بعد، ولما وصل داود وسمع جالوت الكافر يتيه في كفره قال داود لإخوته أما فيكم من يخرج لهذا الكافر فسكتوا ونادى طالوت المؤمن من يبرز إليه ويقتله فأنا أزوجه ابنتي وأعطيه نصف ملكي،
فجاء داود عليه السلام وقال أنا أبرز إليه وأقتله فرده طالوت لصغر سنه وقصر قامته يوم ذاك إذ كان ما زال صغيرًا، ثم نادى طالوت ثانية وثالثة، فخرج داود عليه السلام فقال طالوت له هل جربت نفسك في القتال، قال نعم فسأله بماذا فقال وقع ذئب في غنمي فضربته ثم أخذت رأسه فقطعته من جسده، فقال طالوت الذئب ضعيف هل جربت نفسك في غيره، قال نعم دخل الأسد في غنمي فضربته ثم أخذت بفكيه فشققتهما أفترى جالوت هذا أشد من الأسد، قال لا، ها هو داود عليه السلام قد نجح في الاختبار الأول لإقناع الملك طالوت بقدرته على مواجهة جالوت وجيشه الكرار، فانضم داود عليه السلام إلى جيش الملك طالوت فسأله الملك عدة أسألة للاستفسار عن قوته إذ رآه صغير السن قد لا يقوى على مواجهة العدو وجيئ بالخوذة فألبسوها داود عليه السلام فغلي الدهن على رأسه ولم يجري على وجهه وألقيت عليه الدرع فاستوت وكأنها عملت له،
فقال طالوت فاركب فرسي وخذ سلاحي ففعل فلما مشى قليلًا رجع فقال بعض الناس جبُن الفتى، فقال داود عليه السلام إني أحب أن أقاتله على عادتي، وكان سيدنا داود أقوى الناس رميًا بالمقلاع فنزل وأخذ مخلاته فلبسها وأخذ مقلاعه وخرج إلى جالوت المدجج بالسلاح وكان جالوت من أجسم الناس وأشدهم ومع ذلك لما رأى داود قُذف في قلبه الرعب منه ولكنه أظهر الجلد والبأس فقال لداود أنت يا فتى تخرج إلي، قال نعم، فقال جالوت ارجع فإني أكره أن أقتلك، فقال داود لكني أحب قتلك فرد جالوت عليه باستهزاء أترميني كما ترمي السبع والذئب بالمقلاع ارمني بالقوس، فقال داود لا أرميك اليوم إلا بها، فقال أترمني كما ترمي الكلب بالحجارة، قال نعم وأنت أهون من الكلب عندها استشاط جالوت غضبًا وقال حانقًا لأطعمن لحمك اليوم للطير والسباع،
ثم اقتربا من بعضهما وقصد جالوت أن يأخذ داود بيده استخفافًا به فأدخل داود عليه السلام يده إلى الحجارة الثلاثة فالتئمت وصارت حجرًا واحدًا فأخذه ووضعه في المقلاع وسمى الله وأدار الحجر ورماه، فأصاب به رأس جالوت فدخله وخرج من دبره فقتله قتلًا أذل به جنده وكسرهم وحز داود رأس جالوت المجرم وجعله في جعبته وتفتت هذا الحجر حتى أصاب كل من في عسكر جالوت شيء منه وهجم أصحاب طالوت المؤمن وارتفعت راية النصر وانكسرت بعد قتل جالوت شوكة العدو وولوا منهزمين وثأر المسلمين لأنفسهم واستردوا أولادهم وديارهم بفضل الله تعالى ولما توفي سيدنا شمويل بعد سبع سنين أوتي داود عليه السلام النبوة والحكمة وكباقي الأنبياء دعا الناس إلى دين الإسلام وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنه رسول رب العالمين وكانت مهنته عليه السلام صنع الدروع الحديدية فكان يلين له الحديد كرامة ومعجزة له عليه الصلاة والسلام ثم بعد وفاة طالوت المؤمن أعطى الله تعالى الملك لداود عليه السلام فاجتمع فيه الملك والنبوة صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم وأحكم.