بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، نتابع الأخبار الواردة المعتمدة في قصة سيدنا عيسى المسيح عليه السلام ومعجزاته المباركة بعد أن كبر سيدنا عيسى عليه السلام وأوحى الله تعالى إليه بالنبوة وأمره بدعوة الناس إلى دين الإسلام أيده بمعجزات باهرة، منها إحياء الموتى بقدرة الله تعالى، من الذين أحياهم سيدنا عيسى عليه السلام بإذن الله وهو أحد أصدقائه واسمه عازر إذ لما مرض عازر أرسلت أخته إلى سيدنا عيسى عليه السلام أنه عازر يموت فسار إليه وبينهما

ثلاثة أيام فوصل إليه فوجده قد مات فأتى قبره ودعا الله عز وجل وقال قم بإذن الله فقام عازر بإذن الله وعاش ووُلد له من الذين أحيوا بإذن الله على يديه سيدنا عيسى المسيح ابن امرأة عجوز مُر به محمولًا على سريره فدعا له سيدنا عليه السلام أن يقوم بإذن الله فقام ونزل عن أكتاف الرجال ولبس ثيابه ثم حمل سريره ورجع إلى أهله لكن اليهود الحسدة لما رأوا ذلك قالوا تعنتًا إنك تحيي من كان موته قريبا فلعلهم لم يموتوا بل أصيبوا بإغماء أو سكتة فأحيي لنا سام بن نوح فقال سيدنا عيسى عليه السلام دلوني على قبره فخرج سيدنا عيسى وخرج القوم معه حتى وصلوا إلى قبره فدعا الله فخرج سام وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة فالتفت سام وقال للناس مشيرًا إلى سيدنا عيسى المسيح صدقوه فإنه نبي ثم عاد إلى حاله،

فآمن به بعضهم وكذبه البعض الآخر وقالوا هذا سحر، فطلبوا منه آية أخرى وقالوا أخبرنا في ما نأكل في بيوتنا وما ندخر للغد، فأخبرهم فقال عليه السلام يا فلان أنت أكلت كذا وكذا، وأنت كذا وكذا، وادخرت كذا وكذا، وكان مما أوحي إليه مع جملة من العبادات الصيام، فأمر الحواريين بصيام ثلاثين يوما، فامتثلوا لأمره ولما أتموها كانوا معه في صحراء وكان سيدنا عيسى إذا خرج تبعه ألوف الناس بعضهم أصحابه وبعضهم يطلبون منه الدعاء لهم لمرضٍ أصابهم أو عاهة والبعض الآخر يتبعونه للاستهزاء والتشويش فسأل الحواريون سيدنا عيسى عليه السلام أن ينزل عليهم مائدة من السماء لتطمئن قلوبهم بأن الله تبارك وتعالى قد تقبل صيامهم وتكون لهم عيدًا يفطرون عليها وطلبوا أن تكون كافية لأولهم وآخرهم ولغنيهم وفقيرهم ولكن سيدنا عيسى وعظهم في ذلك وخاف أن لا يقوموا بشكر الله عليها كما يجب وهم قد رأوا الكثير من المعجزات لماذا يطلبون المزيد،

فقالوا إنهم يطلبون الأكل منها للتبرك ولما ألحوا عليه في ذلك قام إلى حيث كان يصلي ولبس ثيابًا من شعر وأطرق رأسه وبكى خوفًا من الله تعالى وأخذ يتضرع ويدعوا بأن يجاب إلى ما طلبوا فاستجاب الله عز وجل دعاءه ونزلت المائدة من السماء بين غمامتين غمامة فوق المائدة وأخرى تحتها وحولها الملائكة وصارت تقترب إلى الأرض شيئًا فشيئًا، وكلما اقتربت منهم يسأل عيسى المسيح ربه تعالى أن يجعلها رحمة لا نقمة، وأن يجعلها سلامًا وبركة، فلم تزل تقترب حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام وهي مغطاة بمنديل، فقام عليه السلام ليكشف عنها ويقول بسم الله خير الرازقين، وكان عليها من الطعام سبعة أسماك كبيرة وسبعة أرغفة خل وملح ورمان وعسل وثمار وهم يجدون لها رائحة طيبة جدًا لم يكونوا يجدوا مثلها قبل ذلك،

فبلغ الخبر اليهود فجاءوا غمًا لينظروا ماذا يحصل فرأوا عجبا، ثم أمر سيدنا عيسى عليه السلام الحواريين بالأكل منها فقالوا له لا نأكل حتى تأكل، فقال عيسى إنما يأكل منها من طلبها وسألها وأنتم من طلبها فلما أبوا أن يبدأوا بالأكل منها أمر عيسى عليه السلام الفقراء والمساكين والمرضى وأصحاب العاهات والمقعدين والعميان أن يبدأوا بالأكل فأطاعوه وكانوا قريبًا من الألف وثلاثمائة شخص فأكلوا منها وحصلت بركات هذه المعجزة العظيمة إذ شفي كل من به عاهة أو آفة أو مرضٌ مزمن وصار الفقراء أغنياء فندم الناس الذين لم يأكلوا منها لما رأوا من صلاح أولئك الذين أكلوا ولما تزاحم الناس على المائدة جعل سيدنا عيسى دورًا لكلٍ منهم،

وكان يأكل آخرهم كما يأكل أولهم، حتى قيل إنه يأكل منها يوم سبعة آلاف شخص، ولما مر أربعون يومًا أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام يا عيسى اجعل مائدتي هذه للفقراء دون الأغنياء ففعل وأمرهم بأن لا يخونوا ويأكل منها غني، ولا يدخروا منها ولا يرفعوا من طعامها ويخبئوه لغد ولكن خان من خان وأخبأ من أخبأ منها فرفعت المائدة فشق ذلك وصعب على كثير من الناس وظهر المنافقون فبدأوا يشككون الناس بعيسى عليه السلام، فقال الله تعالى يا عيسى إني آخذ بشرطي، أي سأعذب من كفر فلما قام الذين كفروا من نومهم في اليوم التالي وكانوا ثلاثة وثلاثين شخصا تحولوا إلى خنازير بشعة، وصاروا يأكلون الأوساخ من حفر الأقذار بعدما كانوا يأكلون الطعام الطيب وينامون على الفراش اللين فلما رأى الناس ذلك اجتمعوا إلى عيسى عليه السلام يبكون وجاء هؤلاء الخنازير فطأطئوا رؤوسهم وصاروا يبكون وتجري دموعهم فعرفهم سيدنا عيسى وصار يقول لكل منهم ألست فلانًا فيومئ برأسه نعم ولا يستطيع الكلام وبقوا كذلك عدة أيام ثم دعا سيدنا عيسى ربه عز وجل أن يقبض أرواحهم فأصبحوا لا يدرى أين ذهبوا،

هل الأرض ابتلعتهم أم غير ذلك الله أعلم، ومع مرور الزمن بدأ يتحدث الناس عن هذه المعجزة العظيمة فآمن خلق كثير وازداد المؤمنون يقينًا وثباتًا في إيمانهم والمنافقون واليهود غيظًا وكرها فبينما كان عليه السلام مجتمعًا بأصحابه الحواريين بأحد البيوت وكان ابن ثلاث وثلاثين سنة أحاط بهم جمعٌ من اليهود وحاصروهم وهم عازمون على قتل عيسى عليه السلام فألهمه الله بما ينونه فأخبر سيدنا عيسى أصحابه بأن منهم من يلقى عليه شبهه عليه السلام ويأخذه اليهود مكانه ويقتل وله الجنة، فقام أصغرهم سنًا وقال له أنا، فأعاد سيدنا عيسى السؤال مرتين بعد ذلك وفي كل مرة يقوم أصغر القوم ويقول أنا فألقي عليه شبه عيسى عليه السلام فأخذته اليهود وقتلوه وصلبوه، وأما عيسى عليه السلام فرفعه الله إلى السماء الثانية، وهو الآن فيها سلام الله عليه، وأما أمه السيدة مريم فعاشت بعد رفع عيسى إلى السماء ست سنوات فكان كل عمرها قريب الأربعة والخمسين عامًا رضي الله عنها وأرضاها، والله تعالى أعلم وأحكم.