بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسول الله، نتكلم اليوم عن نبي كريم من أنبياء الله تعالى وهو زكريا عليه السلام سيدنا زكريا هو من ذرية سليمان ابن داود عليهم السلام كان سيدنا زكريا قبل أن يبعث نبيًا كثير العبادة وقد خلى بيت المقدس من الأنبياء وفي يوم بينما هو في محراب جده داود عليه السلام وقد انصرف من صلاته هبط عليه سيدنا جبريل عليه السلام بوحي الله تعالى وأعلمه أن الله بعثه نبيًا إلى بني إسرائيل فخرج إلى قومه يدعوهم مظهرًا المعجزات البينات الدالة على صدقه فيما يدعوا إليه من الحق فكذبه بعضهم وصدقه آخرون وأقام فيهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر متخذًا من بيت المقدس مكانًا للتعبد والدعوة إلى الله عز وجل مع بقية الأحبار المسلمين،
توالت السنوات ولم يرزق سيدنا زكريا بولد لأن زوجته كانت عاقرًا لا تلد وكانت حنا قد شاخت وبينما هي جالسة ذات يوم في ظل شجرة بجانب زوجها عمران رأت طيرًا يطعم فرخه فبكت شوقًا منها إلى ولد وذكرت ذلك لزوجها فقال قومي بنا لنصلي وندعوا الله في ذلك فقاما وصليا ودعوا الله تعالى أن يرزقهما ولدا، فرأى عمران في منامه أن الله قد استجاب دعائه ودعاء زوجته حنا وتحققا لهما ما أرادا فحملت منه وألهمها الله تعالى فقالت لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني لأجعلنه محررا أي خالصًا لخدمة المسجد ومتفرغًا لعبادة الله، فلما نذرت قال لها عمران ماذا صنعت أرأيت إن كانت أنثى فاغتما لذلك، وبعد عدة أشهر مات عمران فبقيت زوجته تنتظر مولودها وحيدة وكان المحرر يُجعل في المسجد يقوم بخدمته من كنس وإسراجٍ ونحوهما حتى يبلغ ثم يخير بين البقاء والذهاب فإن أبى البقاء وأراد أن يذهب ذهب،
وإن اختار البقاء فليس له بعد ذلك خيار، ولم يكن نبيٌ في بني إسرائيل إلا ومن نسله محررٌ في بيت المقدس وهذا التحرير لم يكن إلا في الغلمان أما الأنثى فكانت لا تصلح لذلك لما يصيبها من الحيض والأذى، ولما وضعت حنا من في بطنها وهي تتوقعه ذكرا، فوجئت فقالت ربي إني وضعتها أنثى وكانت ترجو أن تلد ذكرًا يصلح لخدمة بيت المقدس فلعل في هذه الأنثى خيرًا بإذن الله فسلت الأم بذلك نفسها، وخففت من حسرتها وخيبة رجائها وسمت وليدتها مريم، ومعناه بلغتهم العابدة، وقد أرادت بهذه التسمية التفاؤل لها بالخير والتضرع إلى الله تعالى بأن يكون فعل ابنتها مطابقًا لاسمها ثم قالت تدعوا ربها وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم،
فدعت لابنتها ولم يأتي منها بأن يعيذها الله تعالى من الشيطان فتقبلها ربها بقبول حسن، ورضي بها في النذر ما كانت ذكر، والظاهر أن سيدنا زكريا أخبرها بهذا، ولم تقبل أنثى قبل مريم في ذلك، وأنبتها نباتًا حسنًا فسوى خلقها وكانت أجمل النساء في زمانها وأكملهن ويروى أنها تكلمت في طفولتها كما تكلم المسيح ولم ترضع ثدي قط، وإنما رزقها كان يأتيها من الغيب، ويروى أن حنا حين ولدت مريم لم ترضعها طرفة عين، بل لفتها في قطعة قماش وحملتها إلى المسجد وسيدنا زكريا هناك في نفرٍ من علماء بني إسرائيل المسلمين ممن يخدمون بيت المقدس فقالوا لها، ما هذه يا حنا، قالت هي ابنتي مريم قد جعلتها محررة وقد قبلها الله مني فاقبلوها ولا تردوها،
فأقبلوا بنو إسرائيل على زكريا وقالوا ما تقول في هذه قال لا بد من كافل لها إلى أن تبلغ مبلغ الخدمة ثم تكون خادمة في المسجد، قالوا أينا يكفلها، قال سيدنا زكريا أنا أولى بها وهي من قريباتي في النسب، وكان الأحبار إذا جيء إليهم بصبي مفرغ لخدمة بيت المقدس اقترعوا عليه أيهم يأخذه فيعلمه فقالوا فلنتقرع عليها فانطلقوا إلى نهر الأردن وكانوا سبعة وعشرين عالمًا وبينهم سيدنا زكريا عليه السلام، فألقوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة للقرعة تبركًا بها وحدثت معجزة كبيرة لسيدنا زكريا إذ لما رموا بما في أيدهم من أقلامهم غاصت أقلامهم وطفى قلمه فأعادوا القرعة مرة ثانية، فرموا الأقلام جميعًا فجرت أقلامهم مع المياه وأما قلم زكريا فجرى على خلاف جري الماء،
فطلبوا القرعة مرة ثالثة فرموا أقلامهم فغاصت جميعًا وانتصب قلب زكريا واقفًا على الماء كأنه غرز في طين، فكان هو الغالب فكفلها، ولم تعش حنا طويلًا بعد ولادة مريم عليها السلام وبقيت مريم يتيمة الأب ومن دون أم وعوضها الله تعالى عن ذلك كفالة سيدنا زكريا لها، فأخذها إلى منزله لتربيها إيشاع وكبرت مريم ونشأت نشأةً صالحة تطيع ربها منذ الصغر مبتعدًا عن كل ما يخالف الإسلام حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها سيدنا زكريا محرابًا في المسجد وهو أكرم موضعٍ فيه، وكان لا يدخل عليها غيره ومعه ابن خال لها يقال يوسف النجار وكان من العباد المحررين وكان سيدنا زكريا كثير التعهد والتفقد لأحوالها، وكلما دخل عليها المحراب وجد رزقًا لم يعهده عندها ولم يحمله هو إليها فكان يرى عندها فاكهة الشتاء في الصيف،
وفاكهة الصيف في الشتاء، ولما تكرر وجود مثل هذا الرزق عندها كلما دخل عليها، سأل على سبيل التعجب في كيفية الرزق إليها فقالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، أي لم يأت به آدمي قط فلما أجابته بذلك استراح قلبه لكونه يشهد مقامًا شريفا واعتنائًا لطيفا بما اختارها الله تعالى بأن جعلها في كفالته وكان هذا الأمر كرامة خص الله بها مريم عليها السلام لعلو مقامها وكمال إيمانها إذا هي أفضل نساء العالمين على الإطلاق، رضي الله عنها، سعى نبي الله زكريا عليه السلام إلى طلب الولد، وقد احتاج إليه لكبر سنه ووهن عظمه ولأنه خشي أن يضعف أمر دين الإسلام إذا هو مات، لأن أقاربه وبني عمه وعصبته كان فيهم من أهمل فخاف أن لا يحسنوا الخلافة بعده، فدعا زكريا ربه قائلًا رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء، فما الذي حصل بعد هذا الدعاء من نبي الله زكريا عليه السلام تابعونا في الدرس المقبل لمعرفة باقي القصة، والله تعالى أعلم وأحكم.