قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللهِ الْهَرَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ أَحَبَّ أَن يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
المُرَادُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ ثَابِتًا عَلَى الْإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَمُوتَ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ.
هَذَا السَّبَبُ الْأَوَّلُ لِلنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ.
ثُمَّ هُنَاكَ سَبَبٌ آخَرُ لِلْكَمَالِ لِكَمَالِ الْإِيمَانِ، وَذَلِكَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ).
كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُحِبُّ أَن يُعَامِلَهُ النَّاسُ بِالْوَفَاءِ وَالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، فَلَا بُدَّ لِكَمَالِ الْإِيمَانِ مِنْ أَن يُحِبَّ ذَلِكَ لِأَخِيهِ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مِنَ الْكَامِلِينَ، لَا يَكُونُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا اسْتُشِيرَ الْمُؤْمِنُ، إِذَا اسْتَشَارَهُ أَخُوهُ الْمُؤْمِنُ لَا يُرْشِدُهُ إِلَّا إِلَى مَا يَرَى أَنَّهُ أَرْشَدُ لَهُ.
فَمَنْ أَرْشَدَ أَخَاهُ الَّذِي يَسْتَشِيرُهُ فِي شَيْءٍ إِلَى خِلَافِ مَا هُوَ أَرْشَدُ لَهُ فَهُوَ خَائِنٌ قَدْ خَانَ أَخَاهُ وَهَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
أَغْلَبُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ شَاقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ.
وَهَذَا فِي مَعْنَى حَدِيثِ: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.
فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَن يَكُونَ حَرِيصًا فِي الازْدِيَادِ مِنَ الْخَيْرِ وَصَلَاحِ الْحَالِ، يَنْبَغِي أَن يَكُونَ يَوْمُهُ خَيْرًا مِنْ أَمْسِهِ.
فَقَدْ شُوهِدَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ وَهُوَ مُتَرَبِّعٌ فِي الْهَوَاءِ فَقِيلَ لَهُ: بِمَ نِلْتَ هَذَا الْمَقَامَ؟
فَقَالَ: (بِمُخَالَفَةِ نَفْسِي).
مَن جَدَّ فِي مُخَالَفَةِ نَفْسِهِ فَهُوَ الَّذِي يَتَرَقَّى إِلَى الْمَعَالِي فِي وَقْتٍ أَقْصَرَ مِمَّا يَتَرَقَّى إِلَيْهِ الْمُتَكَاسِلُ، فَلِذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ يُكَابِدُونَ أَنْفُسَهُمْ وَيُجَاهِدُونَ أَهْوَاءَهُمْ لِيَصِلُوا مَرْتَبَةَ أَوْلِيَاءِ اللهِ وَأَحِبَّاءِ اللهِ وَأَصْفِيَاءِ اللهِ فَيَصِيرُونَ في وَقْتٍ أَقْصَرَ مِمَّا يَصِلُ إِلَيْهِ آخَرُونَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهِمَمَ تَخْتَلِفُ.
كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ سُورِيَا شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْحَالِ مِنْ أَهْلِ الْكَرَامَاتِ كَانَ يُرَى لَهُ أُمُورٌ غَرِيبَةٌ.
مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَحُجُّ في حَيَاتِهِ أَعْوَامًا مُتَتَالِيَةً وَلَا يُرَى يَرْكَبُ سَفِينَةً وَلَا طَائِرَةً وَلَا سَيَّارَاتٍ هَذَا كَانَ يَقُولُ، يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ: (الصِّدْقُ فِي حُسْنِ النِّيَّةِ خَيْرُ الصِّفَاتِ الْمَرْضِيَّةِ).
ثُمَّ إِنِّي أُوصِيكُمْ بِوَصَايَا.
مِنْهَا تَقْلِيلُ التَّنَعُّمِ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ تَرْكُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّنَعُّمَ بِالمُبَاحِ مُبَاحٌ لَكِنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى لِأَنَّ ذَلِكَ سِيرَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّنَعُّمَ يَحُولُ بَيْنَ الشَّخْصِ وَبَيْنَ تَقْدِيمِ ما يَنْفَعُهُ لِآخِرَتِهِ وَيَكُونُ لَهُ ذُخْرًا لِأَنَّ الَّذِي يَلْزَمُ التَّنَعُّمَ فِي عِيشَتِهِ نَفْسُهُ تَمْنَعُهُ عَنْ تَقْدِيمِ
مَا يَكُونُ لَهُ ذُخْرًا فِي الْآخِرَةِ.
تَقُولُ لَهُ نَفْسُهُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ: إِذَا قَدَّمْتَ هَذَا تَنْقُصُ عَلَيْكَ وَسَائِلُ التَّنَعُّمِ فَتَمْنَعُهُ عَنْ تَقْدِيمِ الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ عَمَلُ بِرٍّ وَإِحْسَانٍ.
وَأَمَّا الَّذِي وَطَّنَ نَفْسَهُ وَقَهَرَهَا عَلَى تَرْكِ التَّنَعُّمِ عِنْدَ ذَلِكَ سَهُلَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْثِرَ مَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ وَيُقَرِّبُهُ إِلَى اللهِ عَلَى مَا تَمِيلُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ مِنْ طُرُقِ التَّنَعُّمِ.
وَأُوصِيكُمْ بِأَمْرٍ آخَرَ.
وَهُوَ تَقْلِيلُ الْكَلَامِ، لِأَنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ لَا بُدَّ أَنْ تُوقِعَ فِي الْمَهَالِكِ، فَرُبَّ كَلَامٍ مُبَاحٍ يَجُرُّ صَاحِبَهُ إِلَى مَعْصِيَةٍ، وَقَدْ يَجُرُّهُ إِلَى مَهَالِكَ فِي الدُّنْيَا.
وَأُوصِيكُمْ بِأَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ عَدَمُ التَّسَرُّعِ بِالْفَتْوَى أَيْ بِالتَّحْلِيلِ أَوْ التَّحْرِيمِ وَعَوِّدُوا طُلَّابَكُمْ عَلَى قَوْلِ: (لَا أَدْرِي؟.
فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: (الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ كِتَابٌ نَاطِقٌ وَسُنَّةٌ مُحْكَمَةٌ، وَلَا أَدْرِي).
وَكَانَ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مَعَ عُلُوِّ قَدْرِهِ وَرُسُوخِهِ فِي الْعِلْمِ سُئِلَ مَرَّةً فِي مَجْلِسٍ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَأَجَابَ فِي سِتَّةٍ وَقَالَ عَنِ الْبَقِيَّةِ: (لَا أَدْرِي).
وَوَرَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ مَالِكٍ عَن مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، أَنَّهُ قَالَ: (إِذَا أَغْفَلَ الْعَالِمُ لَا أَدْرِي فَقَدْ أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ).
وَالْأَمْرُ الْآخَرُ ضَبْطُ النَّفْسِ عِنْدَ الْغَضَبِ، فَالْغَضَبُ مَجْلَبَةٌ لِلشَّرِّ، مَهْلَكَةٌ كَبِيرَةٌ،.
الْإِنسَانُ كَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي الْكُفْرِ فِي حَالِ الْغَضَبِ، وَأَحْيَانًا فِي الْقَتْلِ ظُلْمًا، وَفِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالِافْتِرَاءِ، إِذَا تَشَاجَرَ إِنْسَانٌ مَعَ إِنْسَانٍ، فَغَضِبَ فِي أَثْنَاءِ الْمُشَاجَرَةِ، قَدْ يَفْتَرِي مُتَعَمِّدًا عَلَى خَصْمِهِ مَا لَيْسَ فِيهِ، بَلْ هُوَ بَعِيدٌ مِنْهُ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ.
وأُوصِيكُمْ أَيْضًا بِأَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ أَلَّا تَتَكَلَّمُوا بِكَلَامٍ حَتَّى تُفَكِّرُوا فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ.