مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.
وبعد، فإن الله تعالى يقول: {كنتم خيرَ أمةٍ أُخرِجَت للناسِ تأمرونَ بالمعروفِ وتنهونَ عن المنكر}. وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
دعانا الشرع الكريم إلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى إبطال الباطل وإحقاق الحق، ولقد كثر المفتون اليوم في الدين بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، وزاد الانحراف وامتدّ، لذلك كان لا بد من تأليف مؤلف لبيان الحق من الباطل والصحيح من الزائف.
وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حذّر ممّن غشّ في الطعام، وثبت عنه أيضًا أنه قال في رجلين كانا يعيشان بين المسلمين: "ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا".
وليس ذكرنا لبعض المنحرفين في هذا الكتاب من الغيبة المحرّمة إنما هو من التحذير الواجب، فقد ثبت أن فاطمة بنت قيس قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله إنه خطبني معاوية وأبو جهم"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة". فإذا كان الرسول حذّر فاطمة من الزواج بهما لسبب خفيف وذكرهما في خلفهما بما يكرهان لهذين السببين أحدهما: كَوْن معاوية شديد الفقر لا يقوم بحاجتها بأمر النفقة، والثاني: أن أبا جهم يُكثر ضرب النساء فكيف أناس ادعوا العلم وغشوا الناس وجعلوا الكفر إسلامًا. ولهذا حذّر الشافعي من حفص الفرد أمام جمع وقال له: "لقد كفرت بالله العظيم".
ولْيُحْذَر من إيراد بعض الناس لآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} في غير محلها، فإنهم يوردن هذه الآية ظنا منهم أن معناها أنه لا يجب إنكار المنكرات التي يفعلها الغير إذا كان الشخص هو يتجنبها وأنه يكفيه ذلك، كيف وإنكار المنكر فرضُ كفاية بإجماع علماء الإسلام للحديث الصحيح الذي رواه مسلم "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده" إلى ءاخره ولم يزل الأئمة ينكرون على أهل البدع الاعتقادية من معتزلة ومشبهةٍ وغيرهم.
روى الإمامُ أحمدُ في مُسنَده من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: إنّ الناسَ يقرءون هذه الآية في غيرِ موضعها سمعتُ رسولَ الله صلى اللّه عليه وسلم يقول: "إن الناسَ إذا رَأَوُا المنكرَ ولم يأخذُوا على يَدي مَنْ يفعلُه أَوشَكَ أن يَعُمَّهُمُ الله بعقابٍ منه قبلَ أن يموتوا" فالآيةُ معناها أنتم أيّها المؤمنون اعملُوا لطاعة الله تعالى افعَلوا ما أمَركُم الله به وكُفّوا عمّا نهاكم عنه فإذا فعلتم ذلك لا يَضُرّكم من ضَلَّ، هذا معنى الآية.
وقال أبو أمية الشعباني: سألت أبا ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قلت: «يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية: {يا أيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتم شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم» أخرجه الترمذي وأبو داود، وزاد أبو داود في حديثه: «قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين رجلا منكم».
أي أن الذي ينكر المنكر في هذا الزمان ويأمر فيه بالمعروف له أجر خمسين من الصحابة بسبب كثرة المعارضين، أما في زمن الصحابة لم يكن كذلك، الصحابة كان يؤيد بعضهم بعضا، يتعاونون على إنكار المنكر، اليوم صار الأمر بالعكس، لذلك صار أجر الذي ينكر المنكر في هذا الزمن كأجر خمسين من الصحابة.
وقال الإمام الشافعي في معاصره حرام بن عثمان - وكان يروي الحديث ويكذب - : "الروايةُ عن حرام حرام".
وقد جرح الإمام ملك في بلديّه ومعاصره محمد بن أسحاق صاحب كتاب المغازي فقال فيه: "كذّاب"، وقال الإمام أحمد: "الواقدي ركن الكذب".
قال أبو حاتم البُستي: "فهؤلاء أئمة المسلمين وأهل الورع في الدين أباحوا القدح في المحدثين وبيّنوا الضعفاء والمتروكين، وأخبروا أن السكوت عنه ليس مما يحلّ، وأن إبداءه أفضل من الإغضاء عنه، وقد تقدمهم فيه أئمة قبلهم ذكروا بعضهم، وحثوا على أخذ العلم من أهله" اهـ.
وقد جرت عادة الفقهاء على تغليط بعضهم بعضًا إذا غلط، حتى إن إمام الحرمين غلّط أباه في غير مسألة، وأبوه من كبار أصحاب الوجوه في مذهب الإمام الشافعي وهي الطبقة التي تلي الشافعية، ذكر ذلك في طبقات الشافعية. والغرض من ذلك كله حفظ الشريعة، لأنه لولا تجنب الرواة الذين لا يستحقون أن يُروى عنهم لضاع الدين.
فعملاً بالنصيحة التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بها في حديثه: "الدين النصيحة" قيل: لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" فإننا نحذر من أناس شذوا عن الحق وخرجوا عن الصراط المستقيم.