الأغلاط في الأناجيل المزعومة:

_ من ذلك ما ورد في إنجيل متَّى (١٢/ ٤٠) وكذلك في (١٦/ ٤) أن المسيح قال: "إنه لن يعطي لليهود آية إلا آية يونان (يونس عليه السلام)، ونصه: "لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال"، وهذا غلط؛ لأن المسيح عليه السلام في زعمهم صلب ضحى يوم الجمعة، ومات بعد ست ساعات، أي: وقت العصر، ودفن قبيل غروب الشمس، وبقى في قبره تلك الليلة، ونهار السبت من الغد، وليلة الأحد، وفي صباح الأحد جاؤوا ولم يجدوه في قبره، مما يدل على أنه مكث في زعمهم ليلتين ويوماً واحداً فقط، فيكون كلام متَّى السابق غلطا واضحا.

_ومن الأغلاط الفاضحة أن "متَّى" ذكر في مواضع من كتابه أن القيامة ستقوم على ذلك الجيل، ومن ذلك قوله في (١٦/ ٢٧) على لسان المسيح: "فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله، الحق أقول لكم: إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً في ملكوته"، كما ورد في الإنجيل نفسه (٣/ ٢٣) قولهم على لسان المسيح: "فإن الحق أقول لكم: لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان"، فهذه النصوص تؤكد القيامة قبل موت الكثيرين من ذلك الجيل، وقبل أن يكمل الحواريون الدعوة في جميع مدن بني إسرائيل، وهذا أمر لم يتحقق.

- وجاء في إنجيل لوقا (١/ ٣٠) في البشارة بالمسيح قوله: "ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية"، وهذا خطأ بيِّن؛ لأن المسيح عليه السلام لم يكن ملكاً لليهود، ولا ملكاً على آل يعقوب، بل كان أكثرهم معادين له إلى أن رفع إلى السماء بسبب محاولتهم قتله.

_وورد في إنجيل مرقس (١١/ ٢٣) قوله: "فأجاب يسوع وقال لهم: ليكن لكم إيمان بالله؛ لأن الحق أقول لكم: إن من قال لهذا الجبل: انتقل وانطرح في البحر، ولا يشك في قلبه، بل يؤمن أن ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له، لذلك أقول لكم: كل ما تطلبونه حينما تصلون، فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم"، وورد أيضا في إنجيل مرقس (١٦/ ١٧): "وهذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيات، وإن شربوا شيئًا مميتًا لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون"، وفي إنجيل يوحنا (١٤/ ١٢):

"الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا، ويعمل أعظم منها؛ لأني ماض إلى أبي، ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله"، فهذه النصوص الثلاثة لاشك في أنها خطأ، فلا يستطيع النصارى أن يدّعوا ذلك لأنفسهم، كما أن عبارة إنجيل يوحنا فيها مغالاة شديدة، حيث زعم أن من آمن بالمسيح يعمل أعظم من أعمال المسيح نفسه، وهذا من الترهات الفارغة، وبمجموع ما ذكر عن الأناجيل المحرفة من ناحية تاريخها ومتنها يتبين لنا أن هذه الكتب لا يمكن أن تكون هي الكتاب الذي أنزل الله عزَّ وجلَّ على عبده ورسوله المسيح عليه السلام.

ما يسمى إنجيل برنابا:

لا يعتبر هذا الكتاب من الأناجيل القانونية لدى النصارى، ولا يعترفون به، ولكن لما فيه من المعلومات المختلفة عما في باقي الأناجيل المحرَّفة نذكر طرفًا منه.

التعريف بـ (برنابا):

برنابا: اسمه (يوسف) ويلقب بابن الوعظ، وهو لاوي القبرصي، وكان من دعاة النصرانية الأوائل، والنصارى يرون أنه من الدعاة الذين لهم أثر ونشاط ظاهر، وكان من أعماله البارزة أنه باع حقله وأتى بقيمته من النقود ووضعها تحت تصرف الدعاة.

التعريف بإنجيله المزعوم:

أول ما اكتشف أمره كان قريبًا من عام (٤٩٢) م، وذلك حين أصدر البابا (جلاسيوس) الأول أمرًا يحرم فيه مطالعة عدد من الكتب، كان منها كتاب يسمَّى (إنجيل برنابا) وهذا كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لم يظهر له خبر بعد ذلك إلا في أواخر القرن السادس عشر الميلادي حيث عثر أحد الرهبان اللاتينيين وطالع فيه ثم أسلم على إثر ذلك(1).

ثم في أوائل القرن الثامن عشر عام (١٧٠٩) م عثر (كريمر) أحد مستشاري ملك بُرُوسيا على نسخة لإنجيل برنابا باللغة الإيطالية وأهداها إلى الأمير (إيوجين سافوي) لولعه بالعلوم والآثار التاريخية، ثم انتقلت تلك النسخة فيما بعد عام (١٧٣٨)ر مع جميع مكتبة ذلك الأمير إلى مكتبة البلاط الملكي في فيينا حيث هي موجودة الآن، ثم ترجمت إلى الإنجليزية، وعنها إلى العربية من قبل الدكتور خليل سعادة وهو لبناني نصراني.

وكان يوجد لهذا الكتاب نسخة أخرى بالإسبانية، يظن أنها منقولة عن الإيطالية عُثِرَ عليها في أوائل القرن الثامن عشر أيضًا.

وحين ظهر هذا الكتاب تزلزلت قواعد النصرانية لما فيه من المعلومات المضادة لعقائدهم، فحاولوا دفعه بوسائل كثيرة، ومما زعموه:

_أنه تأليف عربي مسلم أو يهودي أندلسي تنصر ثم أسلم، وهذا في الواقع من الوهم الساقط، ويدلُّ على بطلان تلك الدعاوى أمور منها:

• أن فيه أخطاء لا يمكن أن تقع من المسلم لظهورها، منها قوله: إن السموات عشرة.

• ثم من هذا المسلم الذي سيؤلف هذا الكتاب ولا يستشهد به هو ولا من بعده في مناظرة النصارى؟ فجهلُ المسلمين به قديما وعدمُ استشهادهم به دليل براءتهم منه. وأما تكذيب هذا الكتاب لألوهية المسيح، وتشنيعه الشديد على من ترك الختان فهو دليل على نصرانية كاتبه لا يهوديته، إذ ترك الختان ليس من دين المسيح، بل هو من تغيير بولس بعد المسيح، ومثله القول بألوهية المسيح.

‌‌مخالفة إنجيل برنابا لمعتقدات المسلمين

ومما يدل على براءة المسلمين من هذا الإنجيل اختلافه في طريقة صياغته وأسلوبه عن طريقة العرب وأسلوبهم.

_ومن تلك المخالفات قوله بأن الجحيم للخطاة السبعة: المتكبر والحسود والطماع والزاني والكسلان والنَهِم والغضِب المستشيط (انظر برنابا ١٣٥/ ٤ - ٤٤)، وقد ترك ذنوبًا كالشرك والقتل، كما أن الكسِل والنهِم لا يستحقان النار ما لم يضيعوا حق الله تعالى.

_ومنها تسمية الله "العجيب" (برنابا ٢١٦/ ٣)، وهو ليس من أسماء الله الحسنى، وأسماء الله عند المسلمين توقيفية، لا يجوز لأحد أن يزيد عليها.

_وكذا قوله عن الله: " إن الله روح " (برنابا ٨٢/ ٦) والأرواح مخلوقة.

_ويتحدث عن الله، فيصفه أنه " المبارَك " (برنابا ٧١/ ١٦)، ولا يمكن لمسلم أن يقول عن الله ذلك، إذ هو الذي يبارِك، ومن ذا الذي يبارك الله جل وعلا، فتبارك الله أحسن الخالقين.

أهم مبادئ كتاب برنابا التي يختلف بها عن الأناجيل المحرفة الأربعة:

إن الذي جعل النصارى يحملون على هذا الإنجيل حملتهم ويتنصلون منه هو مخالفته لأناجيلهم المعتمدة وعقيدتهم في أخطر وأهم نقاطها، وهي:

_أنه صرح أن المسيح عليه السلام إنسان، وليس إله ولا ابن إله، وبيَّن أن سبب تأليف إنجيله هو رد هذه الفرية التي أطلقها بولس مع غيرها من الافتراءات، كترك الختان وإباحة أكل اللحوم النجسة، وفي هذا يقول في أول إنجيله: (أيها الأعزاء، إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة، للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائمًا، مجوزين كل لحم نجس، الذين ضلَّ في عدادهم أيضًا بولس الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا، ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا".

_وأنه نقل عن المسيح التصريح بأن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، وليس إسحاق كما يزعم اليهود، وفي هذا يقول:"أجاب يعقوب: يا معلم قل لنا من صنع هذا العهد، فإن اليهود يقولون بإسحاق، والإسماعيليون يقولون بإسماعيل؟ أجاب يسوع: صدقوني؛ لأني أقول لكم الحق، إن العهد صنع بإسماعيل لا بإسحاق".

-وأنه نقل عن المسيح التصريح بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم باسمه وذلك في مواطن عدة من كتابه منها: أن اليهود سألوا المسيح عليه السلام عن اسم النبي المنتظر فقال: "فقال الكاهن حينئذ: ماذا يسمى مسيا، وما هي العلامة التي تعلن مجيئه؟ فأجاب يسوع: إن اسمه المبارك (محمد)، حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين: يا الله، أرسل لنا رسولك، يا محمد، تعال سريعًا لخلاص العالم".

_وأن برنابا صرَّح أن المسيح لم يُصلب، وإنما رُفع إلى السماء، وأن الذي صلب هو يهوذا الإسخريوطي، وهو الذي وشى بالمسيح لدى اليهود، حيث أُلْقِي عليه شبه المسيح، فقبض عليه وصلب بدلًا عن المسيح عليه السلام، وهذا نص كلامه: "ولما دنت الجنود مع يهوذا من المحل الذي كان فيه يسوع، سمع يسوع دنو جم غفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفًا، وكان الأحد عشر نيامًا، فلما رأى الله الخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأوريل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبِّح الله إلى الأبد، ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي أصعد منها يسوع،

وكان التلاميذ كلهم نيامًا، فأتى الله العجيب بأمر عجيب، فتغيَّر يهوذا في النطق وفي الوجه، فصار شبيها بيسوع حتى إننا اعتقدنا أنه يسوع، أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم، لذلك تعجبنا وأجبنا: أنت يا سيد هو معلمنا أنسيتنا الآن؟ أما هو فقال متبسمًا: هل أنتم أغبياء حتى لا تعرفون يهوذا الإسخريوطي. وبينما كان يقول هذا دخلت الجنود وألقوا أيديهم على يهوذا؛ لأنه كان شبيهًا بيسوع من كل وجه".


(1) بيَّن هذه المعلومات المستشرق سايل في مقدمة ترجمته للقرآن الكريم.