هل للأناجيل إسناد؟
إن من يبحث عن أسانيدها هو كباحث مرق النملة بعد ذبحها، وطالب الدمع من الصخرة الصماء بعد ضربها، بل كجامع الماء في الغربال، وذلك لأنهم كفونا المؤنة بأنها لم تكتب في حياة المسيح عليه الصلاة والسلام.
وقبل الحديث عن إسناد هذه الكتب لا بد من بيان أن الكتب الدينية لها مكانة عظيمة لدى أتباعها، ولها الكفة الرُّجحى في حياة العاملين بها؛ إذ يُعتمد عليها في توضيح الطريق إلى سعادة الدنيا وفوز الآخرة، فلهذا يجب أن تكون الكتب ثابتة الإسناد، فإذا لم تكن كذلك فإنها تفقد قيمتها؛ إذ لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، وتكون هذه الكتب عرضة للتحريف والتبديل من قبل أصحاب الأهواء والمقاصد الخبيثة.
فصحة الإسناد بعدالة رواة الأخبار وضبطهم وعدم انقطاعه، هو السبيل الذي يمكن به وصول هذه الكتب إلى الناس سليمة صحيحة كاملة، فيتعرَّف الناس على الحق من خلالها.وإذا نظرت في كتب الحديث عند أهل الإسلام- التي تتضمن أقوال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وجميع ما يتعلق به- عرفت الجهد العظيم الذي بذله أولئك الأئمة في المحافظة على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم سليماً، حيث يستطيع المسلم في القرن الخامس عشر الهجري أن يعرف صحة الحديث من عدمه، بل وضعوا مصطلحات تستعمل في درجة الحديث حرصا على هذه الشريعة الغرّاء، ولم يتخذوا الدين وسيلة لتعبيد الناس وإشباع شهواتهم الدنوية الدنيئة.
وأما إذا بحثت عن إسناد لهذه الأناجيل المزعومة لتعرف إلى من تنسب إليه لا تجد من ذلك شيئاً ألبتة لا قليلاً ولا كثيراً، ومما يؤكد ذلك أنه لم ترد في رسائل بولس والرسائل الأخرى وأعمال الرسل إشارةٌ إلى واحد من هذه الكتب الأربعة، فيقتضي ذلك أن هذه الكتب لم تكن معروفة في ذلك الزمن، ولم يطَّلع عليها أحد منهم، وفي هذا دلالة قوية على أن نشأة هذه الكتب وظهورها كان متأخراً عن هذه الرسائل، بخلاف ما سمّوه "إنجيل الله" أو "إنجيل المسيح" فقد ورد ذكره في كلام بولس مراراً عديدة، كما ورد ذكره في إنجيل مرقص، وأعمال الرسل مما يدل على وجوده وأنه معروف معلوم، ولكن النصارى اليوم لا تعرف إلا هذه الأناجيل الأربعة التي يزعمونها.
الإنجيل كان كتاباً موجوداً ومعروفاً لدى النصارى الأوائل بأنه إنجيل الله أو إنجيل المسيح، إلا أن هذا الإنجيل لا نجده بين الأناجيل الموجودة بين يدي النصارى اليوم، فأين هو؟ على النصارى أن يجيبوا على هذا السؤال، أو يعترفوا بأنهم فقدوه في زمن مبكر من تاريخهم، ولعل هذا هو الأرجح؛ إذ يقول الله عز وجل: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ [المائدة:١٤].
وقد صار عند النصارى بدل الإنجيل الواحد أربعة أناجيل، يجعلونها في مقدمة كتابهم العهد الجديد، ولا ينسبون أيًّا منها إلى المسيح عليه السلام، وإنما هي منسوبة إلى متى ومرقص ولوقا ويوحنا - الذي يزعم النصارى أن اثنين منهم من الحواريين وهما متى ويوحنا، والآخران أحدهما مرقص تلميذ بطرس، والآخر لوقا تلميذ بولس في زعمهم.
وهذه الأناجيل تحوي شيئاً من تاريخ عيسى عليه السلام حيث ذُكِرَ فيها ولادته، ثم تنقلاته في الدعوة، ثم نهايته بصلبه وقيامته في زعمهم، ثم صعوده إلى السماء، كما تحتوي على مواعظ منسوبة إليه وخطب، ومجادلات مع اليهود، ومعجزات كان يظهرها للناس دليلاً على صدقه في أنه مرسل من الله، وبينها اختلافات ليست قليلة، وبعضها اختلافات معنوية لا يمكن التوفيق بينها كما سيتبين.
وقد حاول النصارى أن يجدوا لهذه الكتب إسناداً أو إخباراً عنها في كلام متقدميهم يتفق مع الزمن الذي يزعمون أنها كتبت فيه، وهو الربع الأخير من القرن الأول الميلادي على أكثر تقدير، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل الذريع، مما اضطرهم إلى الاعتراف بأن هذه الكتب لم تعرف إلا بعد موت من تنسب إليه بعشرات السنين، فتكون نسبتها إلى أولئك الناس نسبة لا تقوم على أدنى دليل، وإليك بعض كلام النصارى في هذا الأمر:
يقول القس (فهيم عزيز) الأستاذ بكلية اللاهوت الإنجيلية: (لكن قانونية(1) أسفار العهد الجديد لم تتم في وقت واحد ولم يكفها جيل أو جيلان، بل استمرت مدة طويلة، ولم تقف الكنائس المختلفة موقفاً موحداً من الأسفار المختلفة، بل اختلفت آراؤها من جهة بعض الأسفار، واستمرت في ذلك حقبة طويلة، فلهذا يلزم تتبع هذا التاريخ الطويل لقانونية أسفار العهد الجديد".
ثم قال:"أما المجموعة الثانية: فهي مجموعة الأناجيل الأربعة، وقد ظهرت هذه المجموعة متأخرة بعض الوقت عن مجموعة كتابات بولس، ومع أن تاريخ اعتبارها كتباً قانونية مقدسة متساوية في ذلك مع كتب العهد القديم لا يزال مجهولاً، لكن الاقتباسات العديدة التي وجدت في كتابات آباء الكنيسة الرسوليين وشهاداتهم تلقي بعض الضوء على هذه الحقيقية الجوهرية في العصر المسيحي.اهـ
يقول بعض النصارى في تعليل تأخر كتابة الإنجيل والاعتراف به من الكنائس: لقد سيطرت على النصارى الأوائل فكرة "تَنَاقَلَتْها الأَلْسُنُ شِفَاهًا" لأنهم زعموا أن انتهاء هذا العالم قريب، وعودة المسيح ثانية إلى الأرض أيضا قريبة، وكان من بين نتائج هذا المعتقد أنْ تَوَقّفَ التَّفكير في تأليف ما يتعلق بالنصارى من تسجيل أخبار المسيح وتعاليمه وغير ذلك، فتأخر لذلك تأليف الأناجيل؛ إذ لم يشرع في تأليف أول هذه الأناجيل الأربعة_وهو إنجيل مرقس الذي لم يكن قط من تلاميذ المسيح _ إلا بعد سنين، لأنهم كانوا يؤمنون بنهاية العالم وعودة المسيح سريعاً إلى الأرض قبل أن يُكْمِل رُسُلُه التَّبشيرَ في مدن إسرائيل، وهي عملية لا تستغرق أكثر من عدة أشهر أو بضع سنين على أكثر تقدير.
فزعموا أنه يعود قبل أن يموت عدد من الذين وقفوا أمامه يستمعون إلى تعاليمه ومواعظه،
ومعلوم أن ذلك كله لم يحدث؛ إذ لا يزال الكون قائماً، وبنو آدم يعيشون في عالمهم الدنيوي حتى يأتي أمر الله، هذا ولما بَرُدَت الحميَّة التي أثارتها فكرة عودة المسيح سريعاً إلى الأرض، ظهرت الحاجة الماسة إلى تدوين الذكريات عنه وعن تعاليمه، ومن هنا كانت النواة لتأليف أسفار- ما صار يعرف فيما بعد باسم - العهد الجديد، وهي الأسفار التي لم يُعْتَرف بشرعيتها أي قانونيتها إلا على مراحل وعلى امتداد أكثر من ثلاثة قرون.
أول من ذكر مجموعة من الكتب المدونة ذكراً صريحا هو جاستن الذي قتل عام (١٦٥) م، وهذا لا يدل صراحة على الأناجيل الأربعة نفسها، وأما أول محاولة التعريف بها ونشرها فكانت عن طريق (تاتيان) الذي جمع الأناجيل الأربعة في كتاب واحد سماه "الدياطسرن" في الفترة من (١٦٦ - ١٧٠) م، وهذا هو التاريخ الذي يمكن أن يعزى إليه وجود هذه الكتب، وهو تاريخ متأخر جدًّا عن وفاة من تعزى إليهم هذه الكتب؛ إذ إنهم جميعاً ماتوا قبل نهاية القرن الأول، مما يدلُّ على أنهم برءاء منها، وأنها منحولة إليهم.
ومما يزيد الطين بلّة أنه حتى بعد هذا التاريخ- 170م_ إلى القرن الرابع الميلادي لم تكن الأناجيل الأربعة وحدها هي الموجودة، بل كانت هناك أناجيل كثيرة موجودة منتشرة ربما تبلغ مائة إنجيل، ولم يكن لأيٍّ منها صفة الإلزام والقداسة عندهم، وذلك أمر تكون الأناجيل الأربعة معه عرضة للتحريف والتغيير خلال تلك الفترة أيضاً.
وزد على ذلك أن النصارى لا يعرفون بالضبط تاريخ إعطاء هذه الكتب صفة الإلزام والقداسة، وإنما يرون أنه خلال القرن الرابع الميلادي أخذت كتبهم صفة القداسة بشكل متدرج، يعني: رويداً رويداً، ولا يملكون السند لكتبهم، ولا يعرفون مصدرها الحقيقي، ولا تعدو أن تكون كتباً وجدوها منحولة إلى أولئك الناس الذين نُسبت إليهم فنسبوها إليهم، واعتقدوا صحة ذلك بدون دليل، وكيف بعتمد على هذه الأوهام في أمور الاعتقاد.
والعجب غاية العجب من زعم النصارى: أن هذه الكتب حقيقية وصادقة، وتنقل بأمانة وإخلاص كلام المسيح، وتروي أخباره!، كيف تجرؤوا على مثل هذا الكلام، وكيف قبله أتباعهم مع أنهم لا يملكون الدليل على ذلك؟، وكل دعوى عريت عن الدليل فهي باطلة، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ﴾ ،وكل من تحدث في دين الله بلا علم فهو ضال مضل، قال عزَّ وجلَّ:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ ﴾ وقال عز من قائل: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٢٠ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ يَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ﴾، ولأن دعاويهم عارية عن الدليل فهي نابعة من الهوى، فلهذا سمى الله عز وجل ما عند اليهود والنصارى من دين أهواءَ في قوله عزَّ وجلَّ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ، ولكن ذلك العجب يذهب، وتلك الدهشة تزول إذا علمنا أن للآباء والكبراء والسادة من أهل الضلالة الذين يسعون إلى المحافظة على مكاسبهم الدنيوية الدورُ الأكبرُ في إضلال العوام الذين لا يستخدمون ما وهبهم الله من عقل وسمع وإدراك، وإنما يتابعون وينقادون انقياد الأعمى، وفي هذا يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ﴾ .
والواجب على الإنسان أن لا يخضع للتقليد فيما تتعلق به نجاته وسعادته أو هلاكه وشقاوته، بل يتحقق من الأمر، ويتأكد من صحته، ويسأل الله الهداية والتسديد والرشد إلى أن يصل إلى الحق والنور الذي لن يخطئه بإذن الله تعالى إذا أخلص الطلب، واجتهد في الدعاء، وتحرَّر من الأهواء والتقليد والعصبية.
فلننظر إلى ما سموه أناجيل واحدة واحدة:
إنجيل متى:
يصدر النصارى كتابهم المدنس بهذا الإنجيل، فهو أول كتبهم في الترتيب، وهو أطولها؛ إذ يحوي ثمانية وعشرين إصحاحاً، ويزعمون أن "متّى" الذي ينسب الكتاب إليه هو أحد الحواريين، وكان قبل إتباعه للمسيح جابي ضرائب.
إلا أن النصارى لم يستطيعوا أن يبرزوا لنا دليلاً يُعتمد عليه في صحة نسبة هذا الكتاب إلى "متّى"، وأقدم من يعتمدون على قوله في نسبة الكتاب إلى "متّى" هو يوسابيوس القيصري أحد كُتّابهم في كتابه "تاريخ الكنيسة"، حيث نقل عن بابياس أنه قال: إن متى كتب الأقوال باللغة العبرانية. وهذا لا يمكن أن يعتمد عليه في إثبات صحة نسبة الكتاب إلى "متّى" الذي يزعمون أنه حواري، وذلك لأن "بابياس" المذكور هنا لم يكن سمع تلك التعاليم وتلك الكتب من أصحابها، بل كان يسمعها بواسطة، حيث يقول عن نفسه فيما ذكر عنه "وسابيوس": "وكلما أتى واحد ممن كان يتبع المشايخ سألته عن أقوالهم؛ لأنني لا أعتقد أن ما تحصل عليه من الكتب يفيد بقدر ما يصل من الصوت الحي". ومما لاشك فيه أن أولئك الوسائط لابد أن تثبت عدالتهم، وإلا فلا يعتد بما يروونه ويقولونه.
وهذا "يوسابيوس القيصري" قد طعن في بابياس نفسه حيث قال عن رواياته: (ويُدوِّنُ نفس الكاتب روايات أخرى يقول: إنها وصلته من التقليد غير المكتوب، وأمثالاً وتعاليم غريبة للمخلِّص وأموراً خرافية"، ثم قال عنه وعن آرائه: "وأظن أنه وصل إلى هذه الآراء بسبب إساءة فهمه للكتابات الرسولية، غير مدرك أن أقوالهم كانت مجازية؛ إذ يبدو أنه كان محدود الإدراك جدًّا كما يتبين من أبحاثه، وإليه يرجع السبب في أن كثيرين من آباء الكنيسة من بعده اعتنقوا نفس الآراء مستندين في ذلك على أقدمية الزمن الذي عاش فيه"، فكيف تعتبر أقوال مَن هذه حاله في أخطر قضية، وهي الشهادة لكتاب بأنه كتاب مقدّس؟! كما أن في المقابل هناك عدة أدلة تدل على عدم صحة نسبة الإنجيل إلى "متى" الذي يزعمون أنه حواري وهي:
- أن النصارى لم ينقلوا الإنجيل بالسند، وقول "بابياس" السابق لم يعين فيه من هو "متى" هل هو الحواري أم رجل آخر؟ كما أنه لم يعين الكتاب بل قال: "الأقوال".
وأيضاً فقد ذكر أمراً آخر يختلف تماماً عما عليه إنجيل متى الموجود، وهو أنه قال: إنه كتبه باللغة العبرانية، مع أن النصارى يجمعون على أن: الكُتَّاب لم يعرفوه إلا باللغة اليونانية، ولا يعرفون للكتاب نسخة عبرانية، بل الكثير منهم يرى أن: الكِتَاب يظهر من لغته أنه أول ما كُتِب إنما كتب باللغة اليونانية وليس العبرانية، فهذا يدل على أن قول "بابياس" لا ينطبق على إنجيل متى الموجود بين يدي النصارى.
كما أن هناك استفساراً آخر في حالة أن يكون الإنجيل مترجماً من اللغة العبرانية إلى اللغة اليونانية، وهو: من هو مترجمه؟ وهذا أمر مهم؛ لأنه ما لم يعلم دين المترجم، وصدقه، وضبطه، وقوة معرفته باللغتين لا يمكن أن يعتمد على ترجمته.
- إن الدارسين لهذا الكتاب والباحثين من النصارى وغيرهم يرون أن كاتب هذا الإنجيل اعتمد كثيراً على إنجيل مرقص، ومرقص في كلام النصارى تلميذ بطرس، فهل من المعقول أن يعتمد أحد كبار الحواريين في زعمهم على تلميذ من تلاميذهم في الأمور التي هم شاهدوها وعاينوها وعايشوا أحداثها؟، هذا إنما يدل على أن كاتبه غير "متى" الذي يزعمون أنه حواري، وأن دعوى النصارى أن كاتب الإنجيل هو متى الحواري دعوى عارية عن الدليل، وهي من باب الظن والتخمين الذي لا يغني من الحق شيئاً.
قال الشيخ(2) رحمت الله الهندي في "إظهار الحق":
حال إنجيل متى
وستعرف في الشاهد الثامن عشر من المقصد الثالث أن القدماء المسيحية كافة، وغير المحصورين من المتأخرين أن إنجيل متى كان باللسان العبراني وفُقد بسبب تحريف الفرق المسيحية، والموجود الآن ترجمته، ولا يوجد عندهم إسناد هذه الترجمة، حتى لم يعلم باليقين اسم المترجم أيضاً إلى الحين، كما اعترف به جيروم من أفاضل قدمائهم، فضلاً عن علم أحوال المترجم، نعم يقولون رجماً بالغيب: لعل فلاناً أو فلاناً ترجمه ولا يتم هذا على المخالف، وكذا لا يثبت مثل هذا الظن استناد الكتاب إلى المصنف، وقد عرفت في
الأمر السابع من المقدمة أن مؤلف "ميزان الحق" مع تعصبه لم يقدر على بيان السند في حق هذا الإنجيل بل قال ظناً: "إن الغالب أن متى كتبه باللسان اليوناني"، وظنه بلا دليل مردود، فهذه الترجمة ليست بواجبة التسليم، بل هي قابلة للرد وفي (إنسائي كلوبديابويي) في بيان إنجيل متى هكذا: "كتب هذا الإنجيل في السنة الحادية والأربعين باللسان العبراني، وباللسان الذي ما بين الكلداني والسرياني، لكن الموجود منه الترجمة اليونانية، والتي توجد الآن باللسان العبراني فهي ترجمة الترجمة اليونانية" اهـ.
إنجيل مرقص:
هذا الإنجيل الثاني في ترتيب الأناجيل لدى النصارى، وهو أقصرها؛ إذ إنه يحوي ستة عشر إصحاحاً فقط.
أما كاتبه فهو في زعم النصارى رجل من أتباع الحواريين، والمعلومات عنه قليلة جدًّا وغامضة، ولا تتضح شخصيته وضوحاً يُطمئن النفس؛ إذ إن كل ما ورد عنه الإشارة إلى أن اسمه يوحنا ويلقب مرقص، وأنه صاحَبَ بولس وبرنابا في دعوتهما، ثم افترق عنهما، ثم ذكر بولس في رسائله اسم مرقص ذكراً مقتضباً لا يكفي في التعريف به، فهذه المعلومات يفهم منها أن الرجل مجهول؛ إذ إنها لم تعط تعريفاً بدينه، وعلمه، وأمانته، ونحو ذلك مما يجب توافر معرفته فيمن يكون واسطة في النقل.
فأقدم المعلومات التي عزته إلى من يسمَّى مرقص ما نقله "يوسابيوس"في "تاريخ الكنيسة" عن بابياس حيث قال: "ولقد قال الشيخ أيضاً: إن مرقص الذي صار مفسراً لبطرس قد كتب بكل دقة كل ما تذَكَّره من أقوال وأعمال الرب، ولكن ليس بالترتيب؛ لأنه لم يسمع الرب ولم يتبعه، ولكن كما قلت قبلاً عن بطرس الذي ذكر من تعاليم السيد ما يوافق حاجة السامعين، بدون أن يهدف إلى كتابة كل ما قاله الرب وعمله"، وهذه أقدم شهادة لدى النصارى عن الكتاب والكاتب، فهي شهادة مطعون فيه، لمجهول الحال- وهو مرقص- عن أمر مجمل، حيث ذكر أنه كتب ما تذكر، ولم يفصل في المكتوب ما هو!! فهل تكفي هذه الشهادة في إثبات صحة الكتاب!!، لاشك أنها لا تكفي؛ فإن مثل هذه الأدلة والشواهد لو قدِّمت لدى قاض في قضية لم يقبلها ولم يحكم اعتمادا عليها.
إنجيل لوقا:
هذا الإنجيل الثالث في ترتيب النصارى لكتابهم، ويحوي أربعة وعشرين إصحاحاً.
وكاتب الإنجيل في زعم النصارى هو أحد الوثنيين الذين آمنوا بالمسيح بعد رفعه، وكان رفيقاً لبولس (شاؤول اليهودي)، حيث ذكره بولس في ثلاثة مواضع من رسائله، واصفاً إياه بأنه رفيقه، ولا يوجد لدى النصارى معلومات عنه سوى أنه أممي رافق بولس في بعض تنقلاته، حيث ورد اسمه في تلك الرحلات، فهو بذلك يعتبر شخصية مجهولة وغير معروفة ولا متميزة بعدالة وديانة، ومع هذا أيضاً لا يوجد لدى النصارى دليل يعتمد عليه في صحة نسبة الكتاب إليه.
ولندرة المعلومات التي توثق نسبة الكتاب إلى لوقا المذكور يستشهد النصارى بكلام مجهول، حيث يقول القس (فهيم عزيز) في كتابه "المدخل إلى العهد الجديد" في استدلاله على صحة نسبة الكتاب إلى لوقا ما يلي: هناك مقدمة كتبت لإنجيل لوقا فيما بين (١٦٠ - ١٨٠) اسمها "ضد مارسيون" فيها يقول الكاتب عن لوقا: إنه من أنطاكية في سوريا، مهنته طبيب، وكان أعزب بدون زوجة، مات وهو في سن (٨٤) في بواتييه ممتلئاً بروح القدس، وقد كتب إنجيله كله في المناطق التي تحيط بأخائيه؛ لكي يفسر للأمم القصة الصحيحة للعهد الجديد الإلهي"، ثم قال صاحب الكتاب معلقاً: (هذه مقتطقات عن هذه الشهادة التي لا يعرف كاتبها، وقد قبلها كثير من العلماء؛ لأنهم لم يجدوا من أتباع مارسيون من يكذبها، مما يدل على أنها تقليد كنسي قوي".
بمثل هذه الشهادة المجهولة يثبت النصارى صحة كتابهم إلى ذلك الرجل المجهول لوقا، وهي لاشك شهادة لا قيمة لها ولا تفيد شيئاً، ويدل استدلالهم بها على أنهم لا يملكون أدلة على صحة نسبة الكتاب إلى من يسمونه "لوقا" وذلك يبين لنا أن النصارى حيارى.
قال الشيخ رحمت الله الهندي في"إظهار الحق":
حال إنجيلي مرقس ولوقا
وقال (وارد كاتلك) في كتابه: "صرح جيروم في مكتوبه أن بعض العلماء المتقدمين كانوا يشكون في الباب الأخير من إنجيل مرقس الأخير، وبعض القدماء كانوا يشكون في بعض الآيات من الباب الثاني والعشرين من إنجيل لوقا، وبعض القدماء كانوا يشكون في البابين الأولين من هذا الإنجيل، وما كان هذان البابان في نسخة فرقة مارسيوني"، وقال المحقق (نورتن) في الصفحة ٧٠ من كتابه المطبوع سنة ١٨٣٧ في بلدة (بوستن) في حق إنجيل مرقس: "في هذا الإنجيل عبارة واحدة قابلة للتحقيق، وهي من الآية التاسعة إلى آخر الباب الآخر، والعجب من (كريسباخ) أنه ما جعلها مُعَلَّمة بعلامة الشك في المتن، وأورد في شرحه أدلة على كونها إلحاقية"، ثم نقل أدلة فقال: "فثبت منها أن هذه العبارة مشتبهة سيما إذا لاحظنا العادة الجِبِلِّيّة للكاتبين بأنهم كانوا أرغب في إدخال العبارات من إخراجها"، (وكريسباخ) عند فرقة البروتستنت من العلماء المعتبرين وإن لم يكن (نورتن) كذلك عندهم فقول كريسباخ حجة عليهم اهـ.
إنجيل يوحنا:
هذا الإنجيل الرابع في ترتيب العهد الجديد، وهو إنجيل مختلف عن الأناجيل الثلاثة قبله؛ إذ تلك متشابهة إلى حد كبير، أما هذا فإنه يختلف عنها؛ لأنه ركَّز على قضية واحدة، وهي إبراز دعوى ألوهية المسيح وبنوته لله- تعالى الله عن قولهم - بنظرة فلسفية لا تخفى على الناظر في الكتاب، لهذا يعتبر هو الكتاب الوحيد من بين الأناجيل الأربعة الذي صرَّح بهذا الأمر تصريحاً واضحاً.
وإذا بحثنا في صحة نسبة الكتاب إلى يوحنا الذي يزعم النصارى أن الكتاب من تصنيفه نجده أقل كتبهم نصيباً من الصحة؛ لعدة أدلةٍ وهي:
- أن بوليكاربوس الذي يقال: إنه كان تلميذاً ليوحنا لم يشر إلى هذا الإنجيل عن شيخه يوحنا، مما يدلُّ على أنه لا يعرفه، وأن نسبته إلى شيخه غير صحيحة.
- وأن الكتاب مملوء بالمصطلحات الفلسفية اليونانية التي تدلُّ على أن لكاتبه إلماماً بالفلسفة اليونانية، أما يوحنا فكما يذكر النصارى فقد كان يمتهن الصيد، مما يدلُّ على أنه بعيد عن الفلسفة ومصطلحاتها.
- وأن النصارى الأوائل لم ينسبوا هذا الإنجيل إلى يوحنا الحواري المزعوم، لأن "يوسابيوس" الذي كان يسأل "بابياس" عن هذه الأمور يقول: "الواضح أن بابياس يذكر اثنين اسمهما يوحنا، الأول: الرسول وقد مات، والثاني: الشيخ وهو حيٌّ، ويلوح أنه هو الذي كتب الإنجيل"، فلهذا يقول القس (فهيم عزيز) بناء على ذلك: "إن الكنيسة كانت بطيئه في قبولها لهذا الإنجيل".
وبناءً على ذلك فمنذ نهاية القرن التاسع عشر ظهر الاعتراض على نسبة هذا الإنجيل إلى يوحنا بشكل واسع، ووصفته "دائرة المعارف الفرنسية"بأنه إنجيل مزور، وهذه الدائرة اشترك في تأليفها خمسمائة من علماء النصارى، ونص كلامهم: "أما إنجيل يوحنا فإنه لا مرية ولاشك [أنه] كتاب مزور، أراد صاحبه مضادة اثنين من الحواريين بعضهما لبعض، وهما القديسان يوحنا ومتى، وقد ادَّعى هذا الكاتب المزور في متن الكتاب أنه الحواري الذي يحبه المسيح، فأخذت الكنيسة هذه الجملة على علاتها، وجزمت بأن الكاتب هو يوحنا الحواري، ووضعت اسمه على الكتاب نصًّا، مع أن صاحبه غير يوحنا يقيناً، ولا يخرج هذا الكتاب عن كونه مثل بعض كتب التوراة التي لا رابطة بينها وبين من نسبت إليه، وإنا لنرأف ونشفق على الذين يبذلون منتهى جهودهم ليربطوا- ولو بأوهى رابطة- ذلك الرجل الفلسفي الذي ألَّف هذا الكتاب في الجيل الثاني بالحواري يوحنا الصياد الجليلي، فإن أعمالهم تضيع عليهم سدى لخبطهم على غير هدى" اهـ.
قال الشيخ رحمت الله الهندي في"إظهار الحق":
حال إنجيل يوحنا وفيه تسع أمور
ولم يثبت بالسند الكامل أن الإنجيل المنسوب إلى يوحنا من تصنيفه، بل ههنا أمور تدل على خلافه:
الأول: أن طريق التصنيف في سالف الزمان قبل المسيح عليه السلام وبعده كان مثل الطريق المروج الآن في أهل الإسلام، كما عرفت في الأمر الرابع من حال التوراة، وستعرف في الشاهد الثامن عشر من المقصد الثالث من الباب الثاني، ولا يظهر من هذا الإنجيل أن يوحنا يكتب الحالات التي رآها بعينه، والذي يشهد له: الظاهر مقبول ما لم يقم دليل قوي على خلافه.
والثاني: أن الآية الرابعة والعشرين من الباب الحادي والعشرين من هذا الإنجيل هكذا: "هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا، وكتب هذا ويعلم أن شهادته حق"، فقال كاتبه في حق يوحنا هذه الألفاظ: "هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وشهادته" بضمائر الغائب، وقال في حقه تعلم على صيغة المتكلم، فعلم أن كاتبه غير يوحنا، والظاهر أن هذا الغير وجد شيئاً من مكتوبات يوجنا، فنقل عنه مع زيادة ونقصان والله أعلم.
والثالث: أنه لما أنكر على هذا الإنجيل في القرن الثاني بأنه ليس من تصنيف يوحنا، وكان في هذا الوقت (أَرينيوس) الذي هو تلميذ (يُوْليكارْب) الذي هو تلميذ يوحنا الحواري موجوداً، فما قال في مقابلة المنكرين: إني سمعت من (يوليكارب) أن هذا الإنجيل من تصنيف الحواري، فلو كان هذا الإنجيل من تصنيفه لعلم (يوليكارب) وأخبر (أرينيوس)، ويبعد كل البعد أن يسمع أرينيوس من يوليكارب الأشياء الخفيفة مراراً وينقل ولا يسمع في هذا الأمر العظيم الشأن مرة أيضاً، وأبعد منه احتمال أنه سمع لكن نسي، لأنه كان يَعْتبر الرواية اللسانية اعتباراً عظيماً، ويحفظها حفظاً جيداً.
نقل (يُوسِي بَيَس) في الصفحة ٢١٩ من الباب العشرين من الكتاب الخامس من تاريخه المطبوع سنة ١٨٤٧ قول (أرينيوس) في حق الروايات اللسانية هكذا: "سمعت هذه الأقوال بفضل الله بالإمعان التام، وكتبتها في صدري لا على الورق، وعادتي من قديم الأيام أني أقرؤها دائماً". ويستبعد أيضاً أنه كان حافظاً لكنه ما نقل في مقابلة الخصم.
وعلم من هذا الوجه أن المفكرين أنكروا كون هذا الإنجيل من تصنيف يوحنا في القرن الثاني، وما قدر المعتقدون أن يثبتوه، فهذا الإنكار ليس بمختص بنا، وستعرف في جواب المغالطة الأولى أن (سلسوس) من علماء المشركين الوثنيين كان يصيح في القرن الثاني: بأن المسيحيين بدَّلوا أناجيلهم ثلاث مرات أو أربع مرات، بل أزيد من هذا "تبديلاً كأنَّ مضامينها بدلت"، وأن (فاستس) الذي هو من أعظم علماء فرقة (ماني كيز) كان يصيح في القرن الرابع: بأن هذا الأمر مُحَقق، أن هذا العهد الجديد ما صنّفه المسيحُ ولا الحواريون، بل صنفه رجل مجهول الاسم، ونسب إلى الحواريين، ورفقاء الحواريين ليعتبره الناسُ، وآذى المريدين لعيسى إيذاءً بليغاً بأن ألف الكتب التي فيها الأغلاط والتناقضات.
والرابع: في الصفحة ٢٠٥ من المجلد السابع المطبوع سنة ١٨٤٤ من (كاتلك هرلد) هكذا: "كتب اسْتادْلين في كتابه أن كاتب إنجيل يوحنا طالب من طلبة المدرسة الإسكندرية بلا ريب"، فانظروا إن (استادْلين) كيف ينكر كون هذا الإنجيل من تصنيف يوحنا، وكيف يقول إنه من تصنيف بعض الطلباء من مدرسة الإسكندرية؟.
والخامس: أن المحقق (برطشنِيدَر) قال: "إن هذا الإنجيل كله، وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه بل صنّفها أحد في ابتداء القرن الثاني".
والسادس: قال المحقق المشهور (كِرَوْتِيَس) : "إن هذا الإنجيل كان عشرين باباً فألحق كنيسة (افسس) الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا".
والسابع: أن فرقة (ألوجين) التي كانت في القرن الثاني كانت تنكر هذا الإنجيل وجميع تصانيف يوحنا.
والثامن: ستعرف في المقصد [الثاني] من الباب الثاني أن إحدى عشرة آية من أول الباب الثامن ردَّها جمهور العلماء، وستعرف عن قريب أن هذه الآيات لا توجد في الترجمة السريانية، فلو كان لهذا الإنجيل سند لما قال علماؤهم المحققون وبعض الفرق ما قالوا، فالحق ما قال (استادلين) والمحقق (برطشنيدر) .
والتاسع: توجد في زمان تأليف الأناجيل الأربعة روايات واهية ضعيفة بلا سند، يعلم منها أيضاً أنه لا سند عندهم لهذه الكتب، قال (هورن) في الباب الثاني من القسم الثاني من المجلد الرابع من تفسيره المطبوع سنة ١٨١١: " الحالات التي وصلت إلينا في باب زمان تأليف الأناجيل من قدماء مؤرخي الكنيسة أبتر وغير معينة، لا توصلنا إلى أمر معين، والمشايخ القدماء الأولون صدقوا الروايات الواهية وكتبوها، وقَبِلَ الذين جاؤوا من بعدهم مكتوبهم تعظيماًلهم، وهذه الروايات الصادقة والكاذبة وصلت من كاتب إلى كاتب آخر وتعذر تنقيدها بعد انقضاء المدة".
ثم قال في المجلد المذكور: "أُلِّف الإنجيل الأول سنة ٣٧ أو سنة ٣٨ أو سنة ٤١ أو سنة ٤٣، أو سنة ٤٨ أو سنة ٦١ أو سنة ٦٢ أو سنة ٦٣ أو سنة ٦٤ من الميلاد. وألف الإنجيل الثاني سنة ٥٦ أو ما بعدها إلى سنة ٦٥، والأغلب أنه ألف سنة ٦٠ أو سنة ٦٣، وألف الإنجيل الثالث سنة ٥٣ أو سنة ٦٣ أو سنة ٦٤، وألف الإنجيل الرابع سنة ٦٨ أو سنة ٦٩ أو سنة ٧٠ أو سنة ٩٧ أو سنة ٩٨ من الميلاد" اهـ.
فمن معه مسكة من العقل لا يدعي صحة نستبه إلى يوحنا الحواري المزعوم مع هذه الاعتراضات، ومع عدم وجود أدلة تثبت صحته، فلا يجوز لعاقل أن يدعي صحة نسبته إلى يوحنا، فضلاً عن أن يزعم أنه كتاب مقدس موحى به من الله، فهذا فيه افتراء عظيم على الله عزَّ وجلَّ، وإضلال لعباد الله بالباطل.
بعد هذا كله يتضح للناظر اللبيب أن النصارى لا يملكون مستنداً صحيحاً لكتبهم يثبت صحة نسبتها إلى من ينسبونها إليه، وإن من المعلوم أن أي إنسان إذا أراد أن يقاضي إنسانًا آخر لدى محكمة فلا تسمع دعواه ما لم يقدم من الإثباتات الصحيحة ما يصح اعتباره دليلاً، والنصارى لم يقدِّموا لأنفسهم ولا لأهل ملتهم من المستندات والأدلة شيئاً يثبتون به صحة كتبهم، بل لا يعرفون طريقاً إلى شيء من المستندات الصحيحة.
حال الأناجيل الأربعة عندهم من حيث المتن:
إن الكتب المقدسة ينبغي أن تكون كتبا معصومة عن الخطأ، محفوظة من الخلل والزلل؛ لأنها تكون من قبل رب العالمين الذي يعلم السرَّ والعلانية، وهو الحق جل وعلا ولا يكون كلامه إلا حقأ، ومما يؤكد عدم صحتها الاختلافات الكثيرة بينها، وكذلك الأغلاط العديدة فيها لأنه لو كان من عند الله لم يجدوا فيه اختلافا كثيرا.
فإذا قارنا بين الأناجيل الأربعة نجد بينها اختلافات حقيقية تدل على خطأ كُتَّابها، وأنهم غير معصومين ولا ملهمين، وأن الله عزَّ وجلَّ بريء منها ورسولُه عيسى عليه السلام، ومن الأمثلة على ذلك نسب المسيح على زعمهم، فالنصارى لم يستطيعوا أن يضبطوا نسب المسيح عليه السلام، ولم يتفقوا عليه، فأعطاه كلٌّ من صاحب "إنجيل متى" وصاحب "إنجيل لوقا" نسباً مختلفاً عن الآخر.
فمتّى نسب المسيح إلى يوسف بن يعقوب، وجعله في النهاية من نسل سليمان بن داود عليهما السلام، بينما"لوقا" نسبه إلى يوسف بن هالي، وجعله في النهاية من نسل ناثان بن داود عليه السلام، وكذلك"متّى"جعل آباء المسيح إلى داود عليه السلام سبعة وعشرين أباً، أما لوقا فجعلهم اثنين وأربعين أباً، وهذا فرق كبير بينهما يدل على خطئهما أو خطأ أحدهما قطعاً.
والنصارى يدَّعون أن أحد الإنجيلين كتب فيه نسب مريم، والآخر كتب فيه نسب يوسف، وهذا كلام باطل؛ إذ إن صاحب "إنجيل متى" (١/ ١٦) يقول: "يعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح".
أما أنجيل "لوقا" (٣/ ٢٣) فيقول: "ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة، وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي". فكلاهما صرح بنسب يوسف.
والعجب العجاب نسبة المسيح عليه السلام إلى يوسف خطيب مريم في زعمهم وهو خطأ فاحش، وفيه تصديق لطعن اليهود في مريم أم المسيح عليه السلام، هلّا نسبوه إلى أمه مريم لا إلى رجل أجنبي عنه، إذْ في ولادته منها معجزة عظيمة وآية باهرة، فنسبته إليها فيه إظهار لهذه المعجزة، وتأكيد لها وإعلان، أما نسبته إلى رجل ليس أباه فيه إخفاء لهذه المعجزة واستحياء، والله عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم صرَّح في مواطن عدة بنسبته إلى مريم.
ومن الاختلاف في النسب أيضا أن "إنجيل متَّى" أسقط أربعة آباء من سلسلة النسب: ثلاثة منهم على التوالي بين (عزيا ويورام) ، وفي أخبار الأيام الأول (٣/ ١١ - ١٣):"عزريا بن أمصيا بن يواش بن أخزيا بن يورام"، كما أسقط واحداً بين (يكنيا ويوشيا) وهو (يهو ياقيم) وسبب إسقاط اسم يهوياقيم بين يوشيا ويكنيا هو أن (يهوياقيم) هذا مَلَكَ دولة يهوذا بعد أبيه، إلا أنه كان عابدا للأوثان فكتب له (إرميا) يحذره من قبيح صنعه، ويبين له مغبة أفعاله، فأحرق (يهوياقيم) الكتاب ولم يرجع عن غيه، فقال عنه إرميا حسب كلامهم: "لذلك هكذا قال الرب عن يهوياقيم مَلِكِ يهوذا "لا يكون له جالس على كرسي داود، وتكون جثته مطروحة للحر نهاراً وللبرد ليلاً" سفر إرميا (٣٦/ ٣٠).
ومعنى هذا الكلام أنه لا يكون من نسله ملك، فأسقطه "متى" لهذا السبب، وعلل صاحب تفسير العهد الجديد ذلك التصرف بأن "متّى" أراد أن يجعل كل مجموعه من النسب تحوي أربعة عشر اسماً.
ونقول: إذا كانت هذه العلة التي لا معنى لها من أجلها حذف أربعة آباء من نسب المسيح، فذلك يعني أن الكاتب قد كتبه لخدمة أهداف في نفسه، وأنه لا يكتب ما علم وسمع مجرداً من الهوى والآراء الخاصة، ومن هنا يمكن أن ندرك كيفية تعامل النصارى الأوائل مع المعلومات الواردة إليهم، وأنهم يصوغونها وفق ما يرون ويعتقدون، لا وفق الحق مجرداً عن الهوى والآراء الخاصة.
وسبب خطأ النصارى في نسب المسيح عليه السلام أنهم نسبوه إلى رجل مغمور غير مشهور وهو "يوسف النجار" خطيب مريم في زعمهم، فلهذا أخطؤوا في نسبه، فأعطاه "متَّى" نسباً ملوكيًّا، وأعطاه (لوقا) نسباً آخر غير معروف ولا معلوم.
ومن الاختلاف أيضا أن "إنجيل متّى"ذكر فيه في (١٥/ ٢١) أن المرأة التي طلبت من المسيح شفاء ابنتها كانت كنعانية، وذكر القصة مرقص في إنجيله (٧/ ٢٤) ونص عبارته عن جنس المرأة: (وكانت المرأة أممية وفي جنسها فينيقية سورية).
ومنه أيضا في "إنجيل متى" ذكر أسماء تلاميذ عيسى الاثني عشر فقال (١٠/ ٢): "وأما أسماء الاثني عشر رسولاً فهي هذه: الأول سمعان الذي يقال له: بطرس، وإندراوس أخوه، يعقوب بن زبدي، ويوحنا أخوه، فيلبس، وبرثولماوس، توما، ومتى العشار، يعقوب بن حلفى، ولباوس الملقب تداوس، سمعان القانوني، ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه"، وذَكَرَ مرقص (٣/ ١٦) الأسماءَ فوافق فيها متى، وخالفهما لوقا حيث حذف من قائمة متى (لباوس الملقب تداوس) ووضع بدلاً عنه (يهوذا أخا يعقوب).
ومن ذلك أيضا اختلافهم في الذين حضروا لمشاهدة قبر المسيح بعد دفنه المزعوم ووقت ذلك، حيث يقول متى (٢٨/ ١): "وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية، ومريم أخرى لتنظرا القبر"، وفي إنجيل مرقص (١٦/ ١) يقول: "وبعد ما مضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطاً ليأتين ويدهنه، وباكراً جدًّا في أول الأسبوع أتين إلى القبر إذ طلعت الشمس"، وفي إنجيل لوقا (٢٤/ ١) يقول: "ثم في أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهن أناس"، وفي إنجيل يوحنا (٢٠/ ١) يقول: "وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكراً والظلام باق، فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر".
فهذه الاختلافات وغيرها الكثيرات التي ذكرها علماء الإسلام وغيرهم تدلُّ دلالة واضحة على أن في الكتاب صنعة بشرية، وتحريف وتبديل.
الأغلاط في الأناجيل المزعومة:
-قال متى في إنجيله (٢٧/ ٥١) بعد الصلب المزعوم للمسيح : "وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تفتقت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا لكثيرين". فهذه الحكاية التي ذكرها متَّى لم يذكرها غيره من كتَّاب الأناجيل مما يدلُّ على أن كلامه لا حقيقة له؛ لأنها آية عظيمة تتوافر الهمم على نقلها.
_ ومن ذلك ما ورد في إنجيل متَّى (١٢/ ٤٠) وكذلك في (١٦/ ٤) أن المسيح قال: "إنه لن يعطي لليهود آية إلا آية يونان (يونس عليه السلام)، ونصه: "لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال"، وهذا غلط؛ لأن المسيح عليه السلام في زعمهم صلب ضحى يوم الجمعة، ومات بعد ست ساعات، أي: وقت العصر، ودفن قبيل غروب الشمس، وبقى في قبره تلك الليلة، ونهار السبت من الغد، وليلة الأحد، وفي صباح الأحد جاؤوا ولم يجدوه في قبره، مما يدل على أنه مكث في زعمهم ليلتين ويوماً واحداً فقط، فيكون كلام متَّى السابق غلطا واضحا.
_ومن الأغلاط الفاضحة أن "متَّى" ذكر في مواضع من كتابه أن القيامة ستقوم على ذلك الجيل، ومن ذلك قوله في (١٦/ ٢٧) على لسان المسيح: "فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله، الحق أقول لكم: إن من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتياً في ملكوته"، كما ورد في الإنجيل نفسه (٣/ ٢٣) قولهم على لسان المسيح: "فإن الحق أقول لكم: لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان"، فهذه النصوص تؤكد القيامة قبل موت الكثيرين من ذلك الجيل، وقبل أن يكمل الحواريون الدعوة في جميع مدن بني إسرائيل، وهذا أمر لم يتحقق.
- وجاء في إنجيل لوقا (١/ ٣٠) في البشارة بالمسيح قوله: "ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية"، وهذا خطأ بيِّن؛ لأن المسيح عليه السلام لم يكن ملكاً لليهود، ولا ملكاً على آل يعقوب، بل كان أكثرهم معادين له إلى أن رفع إلى السماء بسبب محاولتهم قتله.
_وورد في إنجيل مرقس (١١/ ٢٣)قوله: "فأجاب يسوع وقال لهم: ليكن لكم إيمان بالله؛ لأن الحق أقول لكم: إن من قال لهذا الجبل: انتقل وانطرح في البحر، ولا يشك في قلبه، بل يؤمن أن ما يقوله يكون، فمهما قال يكون له، لذلك أقول لكم: كل ما تطلبونه حينما تصلون، فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم"، وورد أيضا في إنجيل مرقس (١٦/ ١٧): "وهذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيات، وإن شربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون"، وفي إنجيل يوحنا (١٤/ ١٢):
"الحق الحق أقول لكم: من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً، ويعمل أعظم منها؛ لأني ماض إلى أبي، ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله"، فهذه النصوص الثلاثة لاشك في أنها خطأ، فلا يستطيع النصارى أن يدعوا ذلك لأنفسهم، كما أن عبارة إنجيل يوحنا فيها مغالات شديدة، حيث زعم أن من آمن بالمسيح يعمل أعظم من أعمال المسيح نفسه، وهذا من الترهات الفارغة، وبمجموع ما ذكر عن الأناجيل من ناحية تاريخها، ومتنها يتبين لنا أن هذه الكتب لا يمكن أن تكون هي الكتاب الذي أنزل الله عزَّ وجلَّ على عبده ورسوله المسيح عليه السلام.
(1) ذكر الدكتور القس فهيم عزيز أن المراد بكلمة "القانون" هو الكتاب الذي اعترفت به الكنيسة، فقانونية العهد الجديد أي اعتراف الكنيسة بالعهد الجديد. في التاج: والقَانونُ: مِقْياسُ كلِّ شيءٍ وطَرِيقُه، (ج} قَوانِينُ؛ قيلَ: رُومِيَّةٌ؛ وقيلَ: فارِسِيَّةٌ. وَفِي المُحْكَم: أُرَاها دَخِيلةً. وَفِي الإِصْطِلاحِ: أَمْرٌ كُلِّيٌّ يَنْطَبقُ على جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِه الَّتِي تَتَعرَّف أَحْكامَها مِنْهُ كقَوْلِ النُّحاة الفاعِلُ مَرْفوعٌ والمَفْعولُ مَنْصوبٌ".
(2) قال عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي الحسني الطالبي (المتوفى: ١٣٤١هـ) في كتابه" الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام: الشيخ الفاضل العلامة رحمة الله بن خليل الله بن نجيب الله بن حبيب الله ابن عبد الرحيم بن قطب الدين العثماني الكيرانوي من نسل الشيخ الكبير جلال الدين العثماني الباني بتي. كان من العلماء المبرزين في الكلام والمناظرة، ولد في جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وألف بكيرانه - بكسر الكاف - قرية جامعة من أعمال مظفر نكر ونشأ بها، واشتغل بالعلم أياماً في بلدته، ثم سافر إلى دهلي وقرأ العلوم المتعارفة على الشيخ عبد الرحمن الأعمى وشيخه محمد حياة، ولازمهما مدة طويلة حتى أتقنها، ودرس وأفتى،
وله ذكاء مفرط لم يكن في زمانه مثله، وله المقالات التي طال بينه وبين أهل عصره من علماء النصارى البحث فيها، واضطر بسببه للخروج من الهند، فسار إلى الحجاز وأقام بمكة المباركة. وقصة: مناظرته بأحبار النصارى أن الدولة الإنكليزية لما تسلطت على أرض الهند تسلطاً قوياً لم يظهروا دعوة الناس إلى ديانتهم بوسيلة علمائهم إلى ثلاث وأربعين سنة، وبعدها أخذوا في الدعوة وكانوا يتدرجون فيها، حتى ألفوا الرسائل والكتب في الرد على أهل الإسلام، وقسموها في الأمصار، وشرعوا في الوعظ في الأسواق ومجامع الناس، والمسلمون كانوا متنفرين عن استماع وعظهم ومطالعة رسائلهم إلى مدة، فلم يلتفت أحد من علماء الهند إلى الرد على تلك الرسائل،
لكن تطرق الوهن بعد مدة في العوام، وخاف العلماء زلتهم، فتوجهوا إلى النظر في مصنفاتهم، وقاموا ببيان الحق، فصنف السيد آل حسن الرضوي الموهاني كتباً ورسائل وطلب رحمة الله صاحب الترجمة من فندر القسيس صاحب ميزان الحق الذي كان أعلى القسوس كعباً في معرفة العلوم الإسلامية أن يناظره بمحضر الناس ليتضح الحق، فأجاب ذلك في المسائل الخمسة التي هي أمهات المسائل بين الفريقين، أعني التحريف والنسخ والتثليث، وحقيقة القرآن ونبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فانعقد المجس العام بأكبر آباد في شهر رجب سنة سبعين ومائتين وألف، وكان الدكتور محمد وزيرخان معيناً لصاحب ميزان الحق، فظهرت الغلبة لرحمة الله في مسألتي النسخ والتحريف،
فلما رأى ذلك صاحب الميزان سد باب المناظرة، ووقع في عرض الشيخ رحمة الله ونفسه، فخرج من الهند وسافر إلى مكة المباركة وأقام بمحلة الخندريسة، وصنف بها إظهار الحق بأمر السيد أحمد بن زيني دحلان الشافعي المكي سنة ثمانين ومائتين وألف، شرع في تصنيفه لست عشرة خلون من رجب، وفرغ منه في آخر ذي الحجة. وقد أثنى على الكتاب وعلو مكانته كبار العلماء في الشرق العربي لميزات يمتاز بها هذا الكتاب وكان الاقبال على هذا الكتاب كبيراً والعناية به عظيمة ونقل إلى اللغة التركية وقامت الحكومة العثمانية بترجمة الكتاب في عدة لغات أوروبية، وفزعت له الأوساط النصرانية الأوربية، وجاء في تعليق كبرى صحف انجلترا على هذا الكتاب:
لو دام الناس يقرءون هذا الكتاب لوقف تقدم المسيحية في العالم. وألقى الرحل في مكة، وأسس المدرسة الصولتية في رمضان سنة تسعين ومائتين وألف، وبارك الله فيها، ونفع بها خلقاً كثيراً، وتخرج فيها عدد كبر من العلماء والقضاة. وله مصنفات أخرى بعضه بالفارسية وبعضها بالأردو، أشهرها إزالة الأوهام وإزالة الشكوك، وإعجاز عيسوي، وأصح الأحاديث في إبطال التثليث، وقد استدعاه السلطان عبد الحميد العثماني إلى قسطنطينية وكلفه الإقامة لديه فلم يجبه، ورجع إلى مكة المباركة، وكان ذلك ثلاث مرات، الأولى سنة ثمانين ومائتين وألف، والثانية سنة إحدى وثلاثمائة وألف، والثالثة سنة أربع وثلاثمائة وألف، وكانت الأخيرة لعلاج نزول الماء والعملية الجراحية في العين، فأقام مدة عمره بمكة مفيداً مدرساً. توفي لسبع بقين من رمضان سنة ثمان وثلاثمائة وألف، فدفن بالمعلاة".