المبحث الأول في الإمامة
هذا المبحث فيه ست تنبيهات.
التنبيه الأول : اعلم أن أول ما اختلف فيه من مسائل هذا الباب كون نصب الإمام واجبًا على العباد، وهو الصواب وقول أهل السنّة، وقول الشيعة والعياذ بالله يجب على الله تعالى(1).
ولا وجه للقول بالوجوب عليه تعالى بل هو مناف للألوهية والربوبية كما هو مقرر في محله، بل نصب الإمام فرض على العباد، وأيضا كلُّ ما يتعلّق بوجود الإمام من أمور المكلفين من إقامة الحدود والجهاد وتجهيز الجيوش إلى غير ذلك واجب عليهم، فلا بدَّ وأن يكون نصبُ الإمام واجبًا عليهم، لأنَّ مقدمة ما يجب على أحد واجبةٌ عليه. ألا ترى أن الوضوء وتطهير الثوب وستر العورة واجب على المصلي كالصلاة، لا عليه تعالى، وهذا ظاهر.
وكيف يصحُّ هذا مع قولهم إن الإمام مختف، وما فائدة هذا مع قول الشيعة
بدوام الخوف والتزام الاختفاء كما وقع للجماعة الذين يعتقد الشيعة إمامتهم، فمع هذا قولهم «نصب الإمامة لطف» في غاية السفاهة يضحك عليه، إذ لو كان لطفًا لكان بالتأييد والإظهار لا بغلبة المخالفين والانتصار. ثم التخويف الموجب للاستتار إنما هو إذا كان بالقتل، وهذا لا يتصور في حق الأئمة على مقتضى قول الشيعة لأنهم يزعمون أنهم يموتون باختيارهم كما أثبت ذلك الكليني في الكافي وبوَّب له(2).
وأيضا إن كان الاستتار واجبًا للتخويف لزم ترك الواجب في حق الذين لم يكونوا كذلك كزكريا ويحيى والحسين، وإن لم يكن واجبًا بأن كان مندوبًا لزم على من اختفى ترك الواجب الذي هو التبليغ لأجل مندوب، وهو فحش. وإن كان من خوف إيذاء البدن يلزم أن الأئمة فرُّوا من عبادة المجاهدة وتحمُّل المشاقِّ في سبيل الله تعالى، وهذا بعيد عنهم. ومع هذا فعلى مقتضى عقيدة الشيعة لا معنى لاختفاء من يصفونه بأنه صاحب الزمان بخصوصه(3)، فإنه يعلم باليقين عندهم أنه يعيش إلى نزول عيسى ولا يقدر أحد على قتله، وأنَّه سيملك الأرض بحذافيرها، فبأي شيء يتخوف ويختفي؟ ولماذا لم يظهر الدعوة ويتحمل المشقة كما فعله الحسين رضي الله عنه؟
وأيضا الاختفاء مناف لمنصب الإمامة الذي مبناه على الشجاعة والجرأة، فهلَّا خرج وصبر واستقام إلى أن ظفر؟ وهلَّا كان كالقوم الذين قال الله تعالى فيهم {وكأيِّن من نبي قاتل معه ربِّيُّون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحبُّ الصابرين}
التنبيه الثاني: اعلم أن قول الله تعالى {ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} وقوله تعالى {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} وقوله تعالى {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} إلى غير ذلك من الآيات يدل على أن هداية الناس والصبر على مشقة مخالطتهم من لوازم الإمامة، وكذا الجهاد في سبيل الله، فتأمل في هذا وتفكر في هذا المقام تر الفلاح أوضح من الصباح، وأن الحق عند أهل السنة. والله تعالى أعلم.
التنبيه الثالث: العدالة شرط الإمامة، لا العصمة بمعنى امتناع صدور الذنب كما في الأنبياء، خلافا للشيعة ولا سيما الإمامية والإسماعيلية حيث قالوا: لا بد منها علمًا وعملًا، وهو مخالف للكتاب.
أما الكتاب فقوله تعالى {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا} فكان واجب الطاعة بالوحي، ولم يكن معصوما بالإجماع.
وتنسب الشيعة إلى سيدنا عليّ في كتاب نهج البلاغة: «لابد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمع فيها الكافر، ويبلغ فيها الأجل وتؤمن فيها السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر ويستراح من فاجر». وأيضًا روى في الكافي ما قال الأمير (علي )لأصحابه: «لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست آمن أن أخطئ». وأيضا روى صاحب الفصول عن أبي مخنف أنه قال: كان الحسين يبدي الكراهة من صلح أخيه الحسن مع معاوية ويقول: "لو حُزَّ أنفي كان أحبَّ إلي مما فعله أخي"(4). وإذا خطَّأ أحد المعصومين الآخر ثبت خطأ أحدهما بالضرورة لامتناع اجتماع النقيضين.
التنبيه الرابع: الإمام لا يلزم أن يكون منصوصا عليه من البارئ تعالى، لأن نصبه واجب على العباد كما تقدم، فتعيين الرئيس مفوض إليهم. وقالت الإمامية لا بد أن يكون منصوصًا من قبله تعالى، كما أن نصبه واجب عليه تعالى، وهذا مردود؛ قال تعالى {وجعلناهم أئمة}، وقال: {ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة}، وقال: {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} إلى غير ذلك، ولم يكن في أحد من تلك الفرق نص بل كان برأي أهل الحل والعقد. والله تعالى اعلم.
التنبيه الخامس: لا يلزم أن يكون الإمام أفضل أهل العصر عنده تعالى، لا عبادة ودراسة. والشيعة على خلاف هذا. وقد علمت ردهم إجمالًا. واشترطوا ما اشترطوا لنفي الخلافة عن الثلاثة لعدم العصمة والنص. وهذه نبذة يسيرة في الرد، وسيأتي التفصيل في إثبات الخلافة إن شاء الله تعالى.
التنبيه السادس: وهذا أهم التنبيهات: اعلم أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق بإجماع أهل الإسلام، وقد تفرَّدت الشيعة بإنكار ذلك، وقالوا الإمامة كذلك لعلي رضي الله تعالى عنه، وعند أهل الحق له بعد الثلاثة، ثم لابنه الحسن رضي الله تعالى عنه، وكان تنازله عنها لمصالح رآها، لا لخوف من جند كما افترى المفترون. إذ قد ورد في كتب الشيعة خطبة يقول فيها «إنما فعلت ما فعلت إشفاقا عليكم» وقد ثبت في أخرى أوردها المرتضى وصاحب الفصول أنه قال لما انبرم الصلح بينه وبين معاوية «إن معاوية قد نازعني حقًّا لي دونه، فنظرت الصلح للأمة وقطع الفتنة. وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها، ولم أرد بذلك إلا صلاحكم»،
فهاتان الخطبتان تدلان على أن الصلح للمصلحة لا للعجز وعدم الناصر، والثانية أيضا تدل بالصراحة على إسلام الفريق الثاني، لأن المصالحة لأهل الكفر والردة لمخافة الفتنة لا تجوز، بل ترك قتالهم وغلبتهم هو الفتنة لقوله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}.
المبحث الثاني: في إثبات خلافة الخلفاء الثلاثة بعد رسول الله صلى الله عليه
لإثبات الخلافة للخلفاء الثلاثة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم نحتاج أن ندرس الأمر من بدايته وفي ذلك مطالب ثلاثة.
المطلب الأول:
في خبر سقيفة بني ساعدة وما جرى بعد ذلك.
السقيفة تعني الظلة، وكان لبني ساعدة بن كعب بن الخزرج ظلة يجلسون تحتها هي دار ندوتهم لفصل القضايا، واشتهرت بسقيفة بني ساعدة، وقد اجتمع فيها الانصار أوسهم وخزرجهم ليبايعوا سعد بن عبادة خليفة بعد وفاة النبـي صلى الله عليه وآله وسلم. فسمع المهاجرون بالخبر فلحقهم نفر منهم وهم أبو بكرالصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة عامر بن الجراح. وبعد أخذ وردٍّ بين الطرفين انتهى الاجتماع بمبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة للمسلمين.
(1) [قال الطوسي: «الإمام لطف فيجب نصبه على الله تعالى تحصيلا للغرض». كشف المراد في شرح صحيح الاعتقاد: ص ٣٦٧. وقال المجلسي: «إن وجود الإمام لطف باتفاق جميع العقلاء، وأنه لا بد أن يكون معصوما ... ». بحار الأنوار: ٥١/ ٢١٣. ]
(2) [في ص ٦٢ من طبعة إيران سنة ١٢٨٧ وعنوان الباب «باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم» وكتاب الكافي للكليني عند هذه الطائفة بمنزلة صحيح البخاري عند المسلمين.]
(3) [صاحب الزمان وقد يسمونه صاحب الدار هو الصبي الذي زعموا أنه إمامهم الثاني عشر ودخل السرداب صبيا في مدينة سر من رأى ومنذ أكثر من ألف سنة يدعون بأن يعجل الله فرجه ويرمزون لهذا الدعاء بهذين الحرفين (ع .. ج) أو (عج)، منتظرين خروجه من السرداب وبيده السيف فيذبح البشر جميعا وفي مقدمتهم المسلمين أهل السنة والجماعة ويمحقهم محقا ]
(4) انظر الكتاب المسمّى كشف الغمة عن معرفة الأئمة.