الدرس الثاني:

المبحث الثالث:

في عرض مزاعمهم وتفنيدها.

الهفوة الأولى: [ادعاؤهم النص على خلافة علي]

وتحت هذا شبه:

الشبهة الأولى:

حديث [من كنت مولاه فعلي مولاه»]

اعلم أن الشيعة يدعون أن هذا الحديث نص جلي في إمامة علي، وهو أقوى شبههم. والقدر الذي ذكرناه وهو: من كنت مولاه فعلي مولاه من دون تلك الزيادة التي يزيدها الشيعة من الحديث صحيح ومتواتر.

ولكن الحديث ليس فيه دليل ولا نص على المدعى، لأن القدر المصرح بذكر الخلافة موضوع والقدر الصحيح غير صريح فيه، لأنا لا نسلم أن المولى معناه الأولى بالتصرف حتى يقال إن الأولى بالتصرف هو الإمام، بل له معان كثيرة، فإنه مشترك بين الناصر والمعتق والعتيق والمتصرف في الأمر والمحبوب وابن العم والقريب وغيرها. فقد نقل البخاري في صحيحه عن أبي عبيدة معمر بن مثنى إمام أهل اللغة أن المولى يطلق على مولى اليمين وهو الحليف، والمولى أيضا ابن العم والمولى المنعم المعتق أي بكسر المثناة والمولى المعتق أي بفتحها والمولى المليك والمولى مولى في الدين. انتهى.

قال الحافظ ابن حجر: ومما لم يذكره وذكره غيره من أهل اللغة المولى المحب والمولى الجار والمولى الناصر والمولى الصهر والمولى التابع، قال الفراء والمولى الولي، والمولى المؤازر، وذكروا أيضا العم والعبد وابن الأخ والشريط والنديم.

ويرشد إلى هذا وجوه :

أحدها : حثه في هذه الخطبة كما في بعض الروايات بل في كثير منها على حب أهل البيت والتمسك بهم عموما وعلى علي خصوصا، كأنه لما علم أن الخلافة في آخر الزمان تصير لغيرهم وأنهم يؤذون أشد الإيذاء وصى بهم حتى يرتدع بعضهم عن أذاهم . وقد صرح لها في بعض الأحاديث فقال: سيلقى أهل بيتي من أمتي بلاء وتطريدا وتشريدا ... الحديث وعلى هذا ففائدة التوصية بهم تظهر بالنسبة لمن بعد الخلفاء الثلاثة لا بالنظر إليهم، فإنهم أعرف الأمة بحقوق أهل البيت.

ويوضح ما ذكرنا الوجه الثاني وهو أن السبب في هذه الوصية كما رواه الحافظ شمس الدين بن الجزري عن ابن إسحاق صاحب المغازي أن عليا لما رجع من اليمن تكلم فيه بعض من كان معه في اليمن، فلما قضی حجه خطب هذه الخطبة تنبيها على علو قدره وردا على من تكلم فيه كبريدة لما في البخاري أنه كان يبغض عليا حين رجع معه من اليمن، وسببه كما صححه الحافظ الذهبي أنه خرج معه إلى اليمن فرأى منه جفوة فقصه للنبي ﷺ فجعل وجهه يتغير ويقول: «يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم» قلت:

بلى يا رسول الله، قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وفي رواية ابن معين: يا بريدة لا تقع في علي فإن عليا مني وأنا منه، فرجع بريدة عن ذلك وصار محبا لعلي . فقد روى البيهقي في كتاب الاعتقاد عن بريدة أنه شكا عليا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أتبغض عليا يا بريدة؟ فقلت نعم فقال : لا تبغضه وازدد له حبا، قال بريدة: فما كان من الناس أحد أحب إلي من علي بعد قول رسول الله ﷺ. فقد ظهر بهذا أنه ليس المراد بالمولى الإمام والخليفة.

ويدل على ذلك أيضا الوجه الثالث. وهو أن أبا بكر وعمر وهما من فصحاء العرب وأرباب البلاغة والبيان لما سمعا الحديث قالا له: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة. رواه الدارقطني. وروي أيضا أنه قيل لعمر: إنك تصنع بعلي يعني من الإكرام شيئا لا تصنع بأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: إنه مولاي فلولا أن ما فهماه هو المراد من الحديث لقال لهما النبي ﷺ : ليس هذا مرادي وإنما مرادي الإمامة، أو كان يقول لهما ذلك علي وكان ينبغي أن يقول : إذا علمتما أني مولاكما فلم تقدمتما علي.

ويؤيده أيضا الوجه الرابع وهو أن العباس وكان مع النبي في غدير خم وأنه سمع ذلك ومع هذا فقد قال حين مرض رسول الله له مرضه الذي مات فيه لعلي كرم الله وجهه: يا ابن أخي إني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب وإني خائف ألا يقوم النبي ﷺ من وجعه هذا، فاذهب بنا إليه فلنسأله، فإن كان هذا الأمر فينا علمناه وإن لا يكون إلينا أمرناه يوصي بنا، وأن عليا أبى ذلك وأنه اعتذر إليه فيما بعد بقوله: والله لئن منعناها رسول الله الله لم يعطناها بعده أحد إلى يوم القيامة. هذا معنى كلامه." فلو فهم عباس الإمامة من الحديث لقام بالدعوة إلى علي ولم يحتج إلى مراجعة رسول الله ، ولكان علي قال له الأمر فينا أما سمعت أمس في غدير خم، فلا يحتاج إلى السؤال ثانيا مع قرب العهد جدا بيوم الغدير، إذ بينهما نحو الشهرين.

ويؤيده أيضا بل يوضحه الوجه الخامس. وهو ما رواه ابن المظفر وابن أبي الدنيا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ في مرضه الذي توفي فيه ونحن في صلاة الغداة، فقال: إني تركت فيكم كتاب الله عز وجل وسنتي، فاستنطقوا القرآن بسنتي، فإنه لن تعمى أبصاركم ولن تزل أقدامكم ولن تقصر أيديكم ما أخذتم بهما" ثم قال: "أوصيكم بهذين وأشار إلى علي والعباس- لا يكف عنهما أحد ولا يحفظهما علي إلا أعطاه الله نورا حتى يرد به علي يوم القيامة". فهذا الحديث قد عين معنى: «من كنت مولاه»، وأنه ليس المراد به الإمامة من وجهين أحدهما قوله: "لا يكف عنهما أحد إلى آخره وهو دليل على أن المراد بالموالاة الكف عن أذاه وحفظه. والثاني مشاركة العباس له في الوصية، فإن العباس ليس خليفة اتفاقا منا ومنهم، ولأن الإمامة لا تقبل الشركة.

ويؤيده أيضا الوجه السادس وهو ما رواه أبو نعيم عن الحسن المثنى بن الحسن السبط أنه قيل له: إن خبر الغدير نص في إمامة علي، فقال: أما والله لو يعني النبي صلى الله عليه وسلم الإمارة والسلطان لأفصح لهم به، فإن رسول الله كان أنصح الناس للمؤمنين، ولقال لهم: يا أيها الناس هذا ولي أمركم والقائم عليكم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوه، ما كان من هذا شيء، فوالله لئن كان الله ورسوله اختارا عليا لهذا الأمر والقيام به للمسلمين من بعده ثم ترك علي أمر الله ورسوله أن يقوم به أو يعذر فيه إلى المسلمين إن كان أعظم الناس خطيئة لعلي إذ ترك أمر الله ورسوله، وحاشاه من ذلك.

الشبهة الثانية:

زعموا أنه من النص التفصيلي على خلافة علي قوله صلى الله عليه وسلم له لما خرج إلى تبوك واستخلفه على المدينة (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) قالوا ففيه دليل على أن جميع المنازل الثابتة لهارون من موسى سوى النبوة ثابتة لعلي من النبي صلى الله عليه وسلم وإلا لما صح الاستثناء ومما ثبت لهارون من موسى استحقاقه الخلافة عنه لو عاش بعده إذ كان خليفته في حياته فلو لم يخلفه بعد مماته لو عاش بعده لكان لنقص فيه وهو غير جائز على الأنبياء وأيضا فمن جملة منازله منه أنه كان شريكا له في الرسالة ومن لازم ذلك وجوب الطاعة لو بقي بعده فوجب ثبوت ذلك لعلي إلا أن الشركة في الرسالة ممتنعة في حق علي فوجب أن يبقى مفترض الطاعة على الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم عملا بالدليل بأقصى ما يمكن.

الجواب:

أن هذا الحديث وإن كان صحيحا إلا أنه من قبيل الآحاد وهم لا يرون الآحاد حجة في الإمامة. وعلى التنزل فلا عموم له في المنازل بل المراد ما دل عليه ظاهر الحديث أن عليا خليفة عن النبي صلى الله عليه وسلم مدة غيبته بتبوك كما كان هارون خليفة عن موسى عليه السلام في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة وقوله عليه السلام اخلفني في قومي لا عموم له حتى يقتضي الخلافة عنه في كل زمن حياته وزمن موته بل المتبادر منه ما مر أنه خليفته مدة غيبته فقط وحينئذ فعدم شموله لما بعد وفاة موسى عليه السلام إنما هو لقصور اللفظ عنه لا لعزله كما لو صرح باستخلافه في زمن معين .

ولو سلمنا تناوله لما بعد الموت وأن عدم بقاء خلافته بعده عزل له لم يستلزم نقصا يلحقه بل إنما يستلزم كمالا له أي كمال لأنه يصير بعده مستقلا بالرسالة والتصرف من الله تعالى وذلك أعلى من كونه خليفة وشريكا في الرسالة.

ثم نفاذ أمر هارون بعد وفاة موسى لو فرض إنما هو للنبوة لا للخلافة عنه وقد نفيت النبوة هنا لاستحالة كون علي نبيا فيلزم نفي مسببه الذي هو افتراض الطاعة ونفاذ الأمر .

فعلم مما تقرر أنه ليس المراد من الحديث مع كونه آحادا لا يقاوم الإجماع إلا إثبات بعض المنازل الكائنة لهارون من موسى وسياق الحديث وسببه يبين ان ذلك البعض لما مر أنه قاله لعلي حين استخلفه فقال علي كما في الصحيح أتخلفني في النساء والصبيان كأنه استنقص تركه وراءه فقال له ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى يعني حيث استخلفه عند توجهه إلى الطور إذ قال اخلفني في قومي وأصلح وأيضا فاستخلافه على المدينة لا يستلزم أولويته بالخلافة بعده من كل معاصريه افتراضا ولا ندبا بل كونه أهلا لها في الجملة وبه نقول وقد استخلف صلى الله عليه وسلم في مرار أخرى غير علي كابن أم مكتوم ولم يلزم منه بسبب ذلك أنه أولى بالخلافة بعده .

ومن عجيب أمر هؤلاء الجهلة أنا إذا استدللنا عليهم بالأحاديث الصحيحة الدالة على خلافة أبي بكر كخبر اقتدوا باللذين من بعدي وغيره من الأخبار الدالة على خلافته التي قدمناها قالوا هذا خبر واحد فلا يغني فيما يطلب فيه التعيين وإذا أرادوا أن يستدلوا على ما زعموه من النص على خلافة علي أتوا بأخبار تدل لزعمهم كخبر أنت مني بمنزلة هارون من موسى مع أنه آحاد وإما بأخبار باطلة كاذبة متيقنة البطلان واضحة الوضع والبهتان.

الشبهة الثالثة :

قوله تعالى { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض}]

ومما عدوه نصا قوله تعالى: { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } قالوا هي تعم الخلافة وغيرها، وعلي من أولي الأرحام دون أبي بكر.

والجواب من وجوه:

الأول: إن كان سبب الإمامة وموجبها هي القرابة فقط رد عليهم أن العباس أقرب منه في القرابة والرحم فليكن هو العباس أو غيره ممن هو في رتبة علي كعقيل بن أبي طالب وأبي سفيان بن الحارث وعتبة أو عتيبة بن أبي لهب وأولاد العباس، فإن العلة مشتركة بينهم، فتخصيص علي من بينهم بها وتقديمه عليهم فيها تحكم وإن كان أمر آخر فوق القرابة فلم لا يجوز أن يكون في أبي بكر أمر أو أمور امتاز بها عن جميع الصحابة اقتضى ذلك الأمر أو الأمور تقديمه عليهم؛ وهذا هو الحق ككونه مشارا إلى مقامه وتقدمه عند رسول الله ﷺ ومكانته وجلالته عنده وعند الناس واختصاصه بسبقه إلى الإسلام وبذله جميع ماله في سبيل الله تعالى وفصاحته وشجاعته وعلمه بأنساب العرب وبتعبير الرؤيا وبأحكام الشرع فكم من معضلة حكم تحيروا فيها لم يجدوا فيها مخلصا إلا عند أبي بكر - وكمال تصديقه وقوة يقينه وكونه معه في هجرته و {فِي الْغَارِ} وتقديمه له في الصلاة وفي الحج وفي الزكاة إلى غير ذلك مما تضيق عنه بطون الدفاتر. وقد اعترف علي بتقدم أبي بكر في جميع ذلك .