وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري قال: مرض النبي ﷺ فاشتد مرضه فقال: «مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس»، قالت عائشة: يا رسول الله إنَّه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، فقال: «مري أبا بكر فليصلِّ بالناس»، فعادت فقال: «مري أبا بكر فليصلِّ بالناس فإنّكنّ صواحب يوسف»، فصلَّى أبو بكر بالناس في حياة رسول الله ﷺ، وفي رواية أنها لما راجعته فأبى قالت لحفصة: قولي له يأمر عمر، فقالت له حفصة فأبى حتى غضب وقال: «أنتن أو إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر ليصل بالناس». وفي بعض طرقه عن عائشة : "لقد راجعت رسول الله ﷺ في ذلك، وما حملني على كثرة المراجعة إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس رجلا قام مقامه أبدًا، وإلا [أني] كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل رسول الله له عن ذلك".

واعلم أن تقديم أبي بكر في الصلاة من أقوى أمارات الخلافة، وبه استدل أجلّاء الصحابة كعمر وأبي عبيدة رضي الله عنهم وعلي، رضي الله عنهم أجمعين، فقد روى الدارقطني وابن عساكر والذهبي وغيرهم من الحفاظ عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: إن رسول الله لم يقتل ولم يمت فجأة، مكث في مرضه أيامًا ولياليَ يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس وهو يرى مكاني، ولقد أرادت امرأة من نسائه [أن] تصرفه عن أبي بكر فأبى وغضب وقال: «أنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس»، فلما قبض رسول الله نظرنا في أمورنا فاخترنا لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا، وكانت الصلاة أعظم شعار الإسلام وأقواها، فبايعنا أبا بكر وكان لذلك أهلًا فلم يختلف عليه اثنان".

وهناك أحاديث أخرى تشير إلى ما ذكرنا ولكن فيما ذكرناه كفاية للمتأمل.

المطلب الثالث :

في ذكر بعض النصوص التي تدل على خلافة الأئمة الثلاثة جملة.

١) من ذلك قوله تعالى {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}. الله تعالى وعد المؤمنين الصالحين الحاضرين وقت النزول بالاستخلاف والتصرف، وبإزالة الخوف من الأعداء الكفار والمشركين، وبأن يجعلهم في أمن حتى يخشاهم الكفار ولا يخشون أحدًا إلا الله تعالى، وبتقوية الدين المرتضى، ولم يقع هذا المجموع إلا زمنَ الخلفاء الثلاثة، لأن المهديَّ ما كان موجودًا وقت النزول، وعلي كرَّم الله وجهه وإن كان حاضرًا لكن لم يحصل له رواج كما هو حقُّه بزعم الشيعة،

بل صار عندهم أسوأ وأقبح من عهد الكفار كما صرح به المرتضى في (تنزيه الأنبياء والأئمة)، وكان الأمير علي وشيعته يخفون دينهم خائفين هائبين من أفواج أهل البغي دائمًا بناءً على معتقدهم . وأيضا الأمير فرد من الجماعة، ولفظ الجمع حقيقة في ثلاثة أفراد ففوق، والأئمة الاخرون لم يوجد فيهم تلك الأمور كما لا يخفى، والخُلْف في كلام الله ممتنع اتفاقًا، فلزم أن الخلفاء الثلاثة كانوا هم الموعودين بالاستخلاف وتمكين الله لهم دينهم الذى ارتضى لهم وإبدالهم من بعد خوفهم أمنًا، وهو معنى الخلافة الراشدة المرادفة للإمامة.

٢) ومنها قوله تعالى {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} المخاطب بهذه الآية بعض القبائل ممن تخلف عن الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية لعذر بارد وشغل كاسد، وقد أجمع الفريقان أنه لم يقع بعد نزول هذه الآية إلا غزوة تبوك، ولم يقع فيها لا القتال ولا الإسلام، فتعين الغير. والداعي ليس الرسول عليه الصلاة والسلام لا محالة، فلا بد أن يكون خليفة من الخلفاء الثلاثة الذين وقعت الدعوة في عهدهم كما في عهد الخليفة الأول لمانعي الزكاة أولا وأهل الروم آخرا، وفي عهد الخليفة الثاني والثالث كما لا يخفى على المتتبع. فقد صحت خلافة الصديق لأن الله تعالى وعد وأوعد، ورتب كلا على الإطاعة والمعصية. فهلا يكون ذلك المطاع المنقاد له بالوجود إماما؟ المنصف يعرف ذلك.

وقد تخبط ابن المطهر الحلي وقال: «يجوز أن يكون الداعي الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوات التي وقع فيها القتال، ولم ينقل لنا».

قلنا: إذ فتح هذا الباب يقال كذلك: يجوز عزل الأمير بعد الغدير ونصب أبي بكر وتحريض الناس على اتباعه ولم ينقل لنا، فانظر وتعجب.

وقال بعضهم: الداعي هو الأمير، فقد دعا إلى قتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

ويقال فيه: إن قتل الأمير إياهم لم يكن لطلب الإسلام بل لانتظام أحوال الإمام، ولم ينقل في العرف القديم والجديد أن يقال لإطاعة الإمام (إسلام). ومع هذا نقل الشيعة روايات صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حق الأمير أنه قال: إنك يا علي تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. وظاهر أن المقاتلة على تأويل القرآن لا تكون إلا بعد قبول تنزيله، وذلك لا يعقل بدون الإسلام، بل هو عينه، فلا يمكن المقاتلة على التأويل على الإسلام بالضرورة وهو ظاهر.