الهفوة الخامسة: دعواهم العصمة للأئمة
ومن هفواتهم إيجابهم العصمة للأئمة الاثني عشر، بناء على أن العصمة شرط في الإمامة وهنا مطالب أربعة.
المطلب الأول : في نصوص علمائهم في المسألة
قال الحلي وأن الأنبياء معصومون عن الخطاء والسهو والمعصية، صغيرها وكبيرها، من أول العمر إلى آخره، وإلا لم يبق وثوق بما يبلغونه، فانتفت فائدة البعثة، ولزم التنفير عنهم، وأن الأئمة معصومون كالأنبياء في ذلك انتهى.
وقال المظفر في عقائد الإمامية:ونعتقد: أنّ الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، من سنِّ الطفولة إلى الموت، عمداً وسهواً كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان انتهى.
وقال المجلسي: " اعلم أن الإمامية رضي الله عنهم اتفقوا على عصمة الأئمة عليهم السلام من الذنوب صغيرها وكبيرها، فلا يقع منهم ذنب أصلا لا عمدا ولا نسيانا ولا الخطأ في التأويل، ولا الإسهاء من الله سبحانه " اهـ.
المطلب الثاني : في منزلة العصمة عند الشيعة
هذا الأصل أو الأساس من ضروريات العقيدة الإمامية: إنه الشرط الذي لا تصح (الإمامة) إلا به. والركن الذي لا تقوم إلا عليه؛ إذ لا إمامية بلا (إمامة)، ولا (إمامة) بلا (عصمة). فالعصمة هي الأساس الذي يقوم عليه الأصل الأعظم لدى الإمامية وبه سموا.
يروي الكليني بسنده عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (ما جاء به علي آخذ به وما نهى عنه أنتهي عنه.. المتعقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله.. وكذلك يجري لأئمة الهدى واحداً بعد واحد.
وقال ابن بابويه القمي: (…ومن نفى عنهم (الأئمة) العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم ومن جهلهم فهو كافر انتهى.
وإذا كانت (العصمة) بهذه المنزلة من الدين، فلا بد أن تكون قد وردت في القرآن الكريم. وثبتت بالآيات القرآنية الصريحة القاطعة، كصراحة الآيات التي ثبتت بها النبوة للأنبياء عمومـا ، ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً، وغيرها من أصـول الدين وأساسياته الاعتقادية، أو العملية كالصلاة مثلاً.
وهنا نحتاج إلى نوعين من الآيات:
آيات صريحة في إثبات (العصمة) عموماً.
وآيات أخرى صريحة في (عصمة) علي. وأحد عشر آخرين خصوصاً.
والدليل العام لا يغني عن الدليل الخاص؛ لأن إثبات (العصمة) عموماً لا يمنح الحجة للاثنى عشرية دون غيرهم من الإمامية كالإسماعيلية مثلاً الذين يعتقدون (بعصمة) آخرين غير (أئمة) الاثنى عشرية.
المطلب الثالث : أدلة الإمامية القرآنية على هذه العقيدة.
لم نجد من بين الأدلة القرآنية التي احتجوا بها على (العصمة) نصاً واحداً جديراً بالاعتبار. أي يمتلك شروط الدليل!
إن أشهر النصوص القرآنية وأكثرها تردداً على الألسنة هو: ما سمي بآية التطهير. وهو آخر قوله تعالى خطاباً لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن:وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الاْولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً{ (الأحزاب/33).
و(آية التطهير) لا هي صريحة في إثبات (العصمة) عموماً أو خصوصاً، ولا في التحذير من جحودها، ولا يوجد نص آخر صريح لا في الإثبات ولا في النفي!
المطلب الرابع : في بطلان دلالة (آية التطهير) على (العصمة)
وأما دلالة النص على (عصمة الأئمة) فغير متحققة لعلل كثيرة منها:
1. فقدان النص للدلالة اللغوية على (العصمة)
أما القول بدلالة اللفظ على (العصمة) فيكفي في رده أنه مجرد دعوى، لا دليل عليها.
2. ورود اللفظ في غير المعصومين
وأول ما ينقض هذه الدعوى - العارية أساساً عن الدليل المعتبر - العلم بورود هذا اللفظ في حق أشخاص مجمع على عدم عصمتهم كما في الأمثلة القرآنية الآتية:
* قال تعالى عن أهل بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً: إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأْقْدَامَ{ (الأنفال/11).
والاتفاق حاصل على عدم عصمة أهل بدر مع أنهم موصوفون بالتطهير و(إذهاب الرجس). فاللفظ إذن لا علاقة له بالعصمة.
3. عدم العلاقة لغة بين اللفظ وبين الامتناع من الوقوع في الخطأ
ولا علاقة لغوية كذلك بين الآية وبين الامتناع من الوقوع في الخطأ في الاجتهاد أو الرأي عموماً: فالرجس لغةً هو القذر والنتن، ولهذا يطلق على الذنوب والمعاصي كالكفر والفسوق. لكنه لا يطلق في لغة العرب على الخطأ حتى يمكن أن نقول: إن (إذهاب الرجس) يحتمل معنى عدم الوقوع فيه. فالآية لا علاقة لها بالخطأ البتة فكيف يمكن الاستدلال بها على (العصمة) منه!!
وهكذا ظهر بجلاء أنه لا علاقة لنص الآية بـ(العصمة)، وأن القول بها بدلالة
النص إنما هو استنباط مسند إلى شبهة، وليس نصاً صريحاً. والاستنباط لا يجوز دليلاً في أساسيات الدين، واتباع المتشابه ممنوع بنص القرآن الحكيم.
4. عدم الدليل على تخصيص لفظ (أهل البيت)
يحتاج الإمامية ضرورة إلى الدليل القطعي الذي يقصر (أهل البيت) على علي وفاطمة والحسن والحسين أولاً. ثم تعديته إلى تسعة من أحفادهم فقط ثانياً. ويمنع كونه عاماً في جميع أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثالثاً.وذلك كله ممتنع لأن لفظ (أهل البيت) في لغة العرب -التي خاطبهم الله تعالى بها في كتابه- أوسع من ذلك: فهو يتضمن الزوجة أولاً، ثم من يشتمل عليه البيت من الأبناء والبنين والأب والأم وغيرهم ثانياً. ثم يتسع -من بعد- ليعم الأقارب ثالثاً.
.
5. سياق النص
إن قوله تعالى:إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ليُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
(الأحزاب/33) هو جزء من آية لا يمكن بحال تجريدها منه وعزلها عنه وإلا اختل الكلام لفظاً ومعنى. فالآية جاءت في سياق كله حديث عن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل ورود الآية وبعدها.
وبما أن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم هن أهله وأهل بيته، فقد جعل الله تعالـى الثـواب والعقاب المتعلق بهن مضاعفاً، ولولا كونهن كذلك لما كان للمضاعفة مناسبة.
6. بيوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي بيوت أزواجه بلا فرق.
تكرر ذكر (البيت) في الخطاب السابق ثلاث مرات:
ثم إن كل من يملك ذوقاً لغوياً عربياً يدرك بالفطرة أن دخول كلام أجنبي بين ثنايا كلام مسوق لقصد معين ممتنع في كلام العقلاء فكيف بكلام الله ؟!!
7. محور سورة (الأحزاب) هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه رضي الله عنهن
إن المتدبر لسورة(الأحزاب) يجدها من البداية وإلى النهاية، موضوعها ومحورها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأزواجه. ففي أول السورة جاء قوله تعالى: النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (الأحزاب/6). وما قبله تمهيد لا أكثر.
8.سبب نزول الآية
إن سبب نزول الآيات التي تضمنت هذا المقطع المسمى بـ(آية التطهير) أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما طالبنه بالنفقة بعد غنائم بني قريضة من اليهود الذين قضى عليهم النبي بعد غزوة الأحزاب (الخندق) مباشرةً. ذلك أن يهود بني قريضة هم الذين ألبوا الأحزاب وتحالفوا معهم، فلما باءوا بالفشل وانصرف الأحزاب خائبين التفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حلفائهم من اليهود فأبادهم وغنم أرضهم وديارهم وأموالهم. فتنفس فقراء المسلمين لا سيما المهاجرون فصاروا يوسعون على بيوتهم ونسائهم. فطالبت نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنفقة أسوة ببقية النساء. فنزلت الآيات بهذا الشأن.
9.حديث الكسـاء
جاء في الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا لعلي وفاطمة والحسن والحسين. وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) والحديث رواه مسلم وغيره .
ودلالة الرواية واضحة في أن الآية لم تنزل في هؤلاء الأربعة، ولا غيرهم من أقاربه وإلا لما دعا لهم بما جاءت به الآية! إذ ما معنى الدعاء لقوم بأمر محسوم ومتحقق قبل الدعاء؟ إنما دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعاءه ذلك رجاء أن يشمل الله بكرامته من دعا لهم. وهذا يفسر لنا ما جاء في بعض ألفاظ الرواية من أن أم سلمة رضي الله عنها أرادت الدخول معهم، فردها قائلا: (إنك إلى خير) وفي لفظ آخر: (أنت على مكانك وأنت على خير) أي لا داعي للدعاء لك والآية قد نزلت فيك أصلا.
حديث الكساء ينقض (العصمة)
وإضافة إلى ذلك فإن حديث الكساء ينقض دلالة الآية على (العصمة) لأن المدعو لهم (علياً وفاطمة والحسن والحسين ) إما أن يكونوا معصومين قبل دعائه ذلك وإما أن لا يكونوا كذلك أي صاروا معصومين بدعائه.
فإن كانوا معصومين من الأساس فلا داعي للدعاء لهم بالعصمة ؛ لأنه تحصيل حاصل. وطلب ما هو حاصل أصلا لغو لا فائدة منه يتنزه عنه العقلاء فضلاً عن الأنبياء.
وإن كانوا إنما عصموا بعد دعائه، ولم يكونوا من قبل كذلك، انتقضت (العصمة) لأن غير المعصوم -حسب قواعد الإمامية-لا يكون معصوماً، بعد إذ لم يكن لأن (العصمة) التي أثبتوها كونية تلازم (المعصوم) منذ خلقته وولادته.
الشبهة الخامسة:
قوله تعالى {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} قالت الشيعة في تقرير الاستدلال بهذه الآية: إن المفسرين أجمعوا على نزول هذه الآية في حق علي وفاطمة والحسن والحسين -رضي الله تعالى عنهم -وهي تدل عل عصمتهم دلالة مؤكدة، وغير المعصوم لا يكون إماما.
ولا يخفى أن المقدمات المذكورة ههنا مخدوشة كلها:
أما الأولى: - فكون (إجماع المفسرين) على ذلك ممنوعا لما روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنها نزلت في نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -. وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق: إن قوله تعالى {إنما يريد الله ليذهب} الآية نزلت في نساء النبي
أما ذكر حال الآخرين بجملة معترضة بلا قرينة ولا رعاية نكتة ومن غير تنبيه على انقطاع كلام سابق وافتتاح كلام جديد مخالف لوظيفة البلاغة التي هي أقصى الغاية في كلام الله تعالى فينبغي أن يعتقد تنزهه عن تلك المخالفة.
وقال عبد الله المشهدي الشيعي: إن كون البيوت جمعا في بيوتكن وإفراد أهل البيت يدل على أن بيوتهن غير بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كن أهل البيت لوقع الكلام: اذكرن ما يتلى في بيتكن. انتهى كلامه.
ولا يخفى ركاكة هذا الكلام وفساده لأن إفراد البيت في أهل البيت الذي هو اسم جنس ويجوز إطلاقه على كثير وقليل إنما هو باعتبار إضافته للنبي - صلى الله عليه وسلم - فإن بيوت الأزواج المطهرات كلهن باعتبار هذه الإضافة بيت واحد وكون البيوت جمعا في {بيوتكن} باعتبار إضافتها إلى الأزواج المطهرات اللائي كن متعددات.
الهفوة الثانية :[ ادعاؤهم أن عليا بايع تقية]
والقول بأنه بايع تقية باطل من وجوه.
الأول: إنه كان أشجع الخلق وأعزهم قبيلة وأقربهم قرابة، ومعه في ذلك الوقت بنو هاشم، وحواري رسول الله وابن عمته البطل الضرغام الزبير بن العوام، وعمه العباس يقول له: مد يدك أبايعك حتى يقول الناس بايع عم رسول الله ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان وأبو سفيان شيخ بني أمية يقول له: يا علي غلبكم على هذا الأمر أذل بيت في قريش يعني بهم قبيلة أبي بكر - قم في هذا الأمر لا يذهب به أخو بني تيم، والله لأملأنها خيلا جردا ورجالا مردا؛ فيرد عليه أشد الرد: يا عدو الإسلام لا زلت جاهلية وإسلاما عدو الإسلام وأهله فما ضر ذلك الإسلام وأهله، أتريد أن تشق عصا المسلمين.
الثاني: إنه تأخر عن البيعة في رواية ستة أشهر، والخائف لا يقدر على التأخر ستة أيام. فلو كان خائفا لما تأخر نصف يوم، بل بايع أبا بكر بعد ستة أشهر وعنده بنو هاشم أجمعون والزبير، وبايع بنو هاشم أيضا عن طوع واختيار وحسن نظر للإسلام وأهله، وأصاب وأصابوا.
الثالث: إن فاطمة بنت رسول الله ﷺ كانت عنده، وما كان الناس يعدلون بها خلقا، فلو أرادها علي لما عارضه أحد لمكان فاطمة.
الرابع: إن أبا بكر حين جاء علي لمبايعته خطب وقال: أيها الناس إن هذا علي بن أبي طالب ليس لي في ذمته بيعة وهو بالخيار في أمره وأنتم، بالخيار فمن يشاء فليبايع غيري وأنا واحد من المسلمين، فإن رأيتم خيرا فأنا أول من يبايعه، فقال علي: بل نبايعك ولا أحد خير منك الحديث . فكيف يخاف بعد هذه الحال.
الهفوة الثالثة : [ إيجابهم التقية]
ومن هفواتهم الشنيعة إيجابهم التقية .
حتى إن بعضهم فسر قوله تعالى : {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} بأن أكرمكم أكثركم تقية وأشدكم خوفا من الناس وهذا لا يثمر إلا عدم الوثوق بأقوال الأئمة والأنبياء، إذ على ذلك يجوز إن ابتلاهم الله بالخوف أن يفتروا على الله - حاشاهم من ذلك وحماهم.ولا شك أن أئمة أهل البيت براء مما نسبوا إليهم من النفاق الذي سموه تقية.
فضائح ورذائل التقية المشؤومة:
توسلوا بإيجاب هذه التقية المشؤومة إلى فضائح ورذائل رموا بها أهل البيت وهم من شنائع هفواتهم.
أحدها: أن عليا كتم النص الذي معه وترك المنازعة في الخلافة والقيام بها تقية، وقد مر بطلانه.
ثانيها: أنه إنما بايع الخلفاء الثلاثة تقية، فإنه لا يجوز مبايعة الإمام لغيره.
ويكفي في رد ذلك قول علي كرم الله وجهه فيما رواه الدارقطني وغيره من طرق كثيرة: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو عهد إلي رسول الله عهدا لجاهدت عليه ولو لم أجد إلا بردتي هذه أو قال: ردائي هذا ولم أترك ابن أبي قحافة يصعد درجة واحدة من منبره، ولكن النبي ﷺ لم يقتل ولم يمت فجأة"، إلى آخره، فإن فيه تصريحا بعدم العهد وبعدم التقية والخوف وهو معصوم عندهم ومحفوظ عندنا، وعلى القولين فهو صادق وقتاله البغاة مع شوكتهم شاهد صدق لكلامه واستدلاله بالتقديم في الصلاة دليل على أنه لم يبايع تقية بل بايع طوعا واختيارا بعد الاجتهاد والتروي التام.
ثالثها: إنه لم يقدر يخلص حق فاطمة من إرثها وقد كان أبو بكر ظلمها -وحاشاه ذلك. وهذا أيضا من هفواتهم القبيحة وهو باطل كما قال الباقر إن أبا بكر لم يظلمهم مثقال حبة خردل. فقد روى الدارقطني وابن شبة في تاريخ المدينة عن كثير قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي: أخبرني أظلمكم أبو بكر وعمر من حقكم شيئا؟ فقال: لا ومنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا ما ظلمانا من حقنا ما يزن حبة خردل.
وروى ابن شبة عن زيد بن علي أخي الباقر إمام الزيدية أنه قيل له إن أبا بكر انتزع من فاطمة فدكا، فقال: إنه كان رحيما وكان يكره أن يغير شيئا تركه رسول الله ، فأتته فاطمة فقالت: إن رسول الله ﷺ أعطاني فدكا، فقال: هل لك بينة؟ فشهد لها علي وأم أيمن فقال: فبرجل وامرأة تستحقينها، ثم قال زيد: والله لو رجع الأمر فيها إلي لقضيت بقضاء أبي بكر . " أي لأن نصاب الشهادة وهو إما رجلان أو رجل وامرأتان لم يتم، على أن في قبول شهادة الزوج للزوجة خلافا بين العلماء وزعم أن الحسنين وأم كلثوم شهدوا لها كذب وافتراء لأنهم كانوا إذ ذاك صغارا، ولأن شهادة الفرع للأصل لا تقبل.
وقولهم "إن عليا وفاطمة "معصومان ممنوع عند الخصم فإنه عنده لا عصمة إلا للأنبياء. وأيضا فإن شريحا القاضي في زمن خلافة علي فعل بعلي نظير ما فعل أبو بكر بفاطمة، فإن عليا ادعى بدرع على يهودي وشهد له الحسن ابنه وقنبر مولاه، فلم يقبل شريح وقال : شهادة الفرع للأصل لا تقبل، ولم يقل له علي إني معصوم وإن الحسن معصوم ، وأقر شريحا على قضائه ولم ينكر عليه.
وأما الإرث فقد عمل أبو بكر بما سمعه من رسول الله : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة». وليس هذا من قبيل خبر الواحد كما ادعوه بل هو خبر الرسول، لأن أبا بكر سمعه من الرسول فهو مفيد للعلم القطعي، لأن أسباب العلم ثلاثة الحس والتواتر وخبر الرسول، وفاطمة عليها السلام لعلها لم يبلغها الخبر. وقد وافق أبا بكر على رواية الحديث كثير من الصحابة منهم علي والعباس وغيرهم كما يدل عليه خبر البخاري.
رابعها: قولهم إن عمر اغتصب بنت علي من فاطمة.
من الأمور التي توسلوا بإيجاب التقية، وهو من أشنع هفواتهم أنهم قالوا إن عمر اغتصب بنت علي من فاطمة بنت رسول الله وإن عليا سكت تقية . . .
واعلم أن هؤلاء أرادوا أن يقيموا لدعواهم الباطلة وجها وأن يقيموا لعلي بزعمهم عذرا فلم يقدروا، فرموا عليا بكل رذيلة وضموا إلى قلة الدين قلة العقل فتكلموا بكلمات يمجها الاستماع ويستمجها الطباع وتردها العقول ويأباها المسموع والمنقول ونعوذ بالله من ذلك فقال ثقاتهم إن عمر لما تولى أبو بكر أراد أن يغصب من علي أم كلثوم فأبى علي فأخبر بذلك أبا بكر فنادى أبو بكر خالد بن الوليد وأمره بقتل علي، فجاء خالد إلى علي ليقتله فندم أبو بكر على ما قاله لخالد فنادى: يا خالد لا تفعل ما أمرتك به، ففطن علي لذلك وقال: أهذا يقتلني! فأخذ السيف من يد خالد وجعله طوقا وشد يديه إلى عنقه ثم قال أبو بكر: لا بد أن تعطي ابنتك لعمر، فقال علي: أنا لا أعطي، فأمر أبو بكر عمر فأخذ البنت من بيت علي وذهب بها.
وروى ثقاتهم أيضا أنه سئل جعفر الصادق عن ذلك فقال: ذلك أول فرج غصبناه كما في الكافي للكليني.
وانظروا معاشر العقلاء إلى هذه الرذالات الفاضحة والأكذاب والتناقض والمحالات الواضحة.
وهذا باطل من وجوه:
أحدها: أن في زمن أبي بكر أم كلثوم كانت صغيرة جدا بنت ثلاثة أو أربعة أعوام، ومثل هذه لا يتصور في الحس الميل إليها وقربانها.
ثانيها: إن خالد بن الوليد من حين تولى أبو بكر أرسله إلى بني حنيفة لقتال مسيلمة وأرسله من هناك إلى العراق ومنها إلى الشام، ولم يرجع إلى المدينة إلى أن مات بحمص.
ثالثها: إن من يقدر أن يشد يدي خالد إلى عنقه بسيفه بين جميع الصحابة كيف يخشى من عمر حتى يغتصب بنته؟
رابعها : كيف يقول جعفر إنها مغصوبة والروايات الصحيحة عنه وعن كبار أهل البيت طافحة بأن عليا زوجها عمر بعد أن شاور أخويها الحسن والحسين وأنهما قالا يا أبت من مثل عمر في سابقته وصحبته ودينه وورعه فزوجها إياه.
خامسها: إن هذا القول المكذوب على جعفر يتضمن غصب فروج كثيرة من آل محمد وهذا أولها. وقد صان الله آل محمد من ذلك فلعن الله من كذب على أهل هذا البيت.
سادسها: على هذا الإفك والبهتان، أي عرض بقي لعلي وأي استحقاق للخلافة وأي حمية وأي دين وأي شجاعة وأي رجولية وبأي وجه ينظر إلى الناس ويأخذ السيف وهل هذا إلا الدياثة والقيادة، حمى الله عنها آل بيت النبوة المطهرين من الأرجاس. اللهم إنا نبرأ إليك مما يفتريه هؤلاء الخذلة قاتلهم الله.
[فائدة في بيان قصة فدك]
روى الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر، فقالت: من يرثك؟ قال: أهلي، وولدي، قالت: فما لي لا أرث أبي؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نورث»، ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوله، وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق عليه.
قال الشيخ سمير القاضي حفظه الله عند تعليقه على هذا الحديث في الشمائل المحمدية ما نصه: قولها رضي الله عنها (ما لي لا أرثُ أبى قالت ذلك لأنها لم تكن قبل ذلك سَمِعَتِ الحديثَ أنَّ الأنبياء لا يورَثُونَ أو لعلَّهَا رَضِيَ اللهُ عَنهَا تَأَوَّلَتْ بِأَنَّ وَرَثَتَهُ أَوْلَى أن ينالوا منه أو بأنهم يختصُّونَ به وَقْفًا كما قاله بعضُهُمْ أو بأنَّ الحديثَ لا نورث محمول على غير العقار أو على ما له بال من الأموال دون الطعام والأثاث والسلاح أو غير ذلك مِمَّا لا اطلاع لنا عليه.
الهفوة الرابعة :[ دعواهم انحصار الأئمة في اثني عشر ]
وفيه مطلبان .
المطلب الأول: انحصار الإمامة عند الرافضة في أئمتهم.
من الأصول الاعتقادية عند الرافضة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوصى بالإمامة من بعده لعلي ابن أبي طالب رضي الله عنه ثم انتقلت من بعده إلى ابنه الحسن، ثم من بعده إلى الحسين ، ثم تناقلها أولاد الحسين ش حتى انتهت إلى إمامهم الثاني عشر المهدي المزعوم فهي محصورة فيهم إلى يوم القيامة.
ولهم في تقرير هذا الزعم الفاسد روايات لا حصر لها، وسنكتفي بذكر نماذج منها:
فمنها: ما رواه الكليني بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي
قال:(سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: لما أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله قوله: يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ [النساء: 59]، قلـتُ: يا رسول الله عرفْنا الله ورسوله، فمن أولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال عليه وآله السلام: هم خلفائي من بعدي يا جابر وأئمة الهدى بعدي، أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمـد بن علي المعروف في التـورية بالباقـر، وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمـد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميّي حجة الله في أرضه وبقيته في عباده محمد بن الحسن بن علي، ذلك الذي يفتح الله على يديه مشارق الأرض ومغاربها) .
وقد ذكر الكليني هذه الرواية تحت باب بعنوان: (باب ما جاء في النصّ على الأئمة واحدا فواحدا) وأورد تحته سبع روايات في المسألة بما فيها هذه الرواية، ثم ذكر بعد ذلك أبوابا أخرى ونصّ فيها على أسماء الأئمة، وأفرد في كل إمام باباً مستقلاً وسرد تحته عدة رواياتٍ في المسألة.
أمّا دعواهم أنّ الإمامة محصورة في ولد الحسين، بحيث لا تخرج عنهم إلى يوم القيامة فقد دلّت على ذلك رواياتهم المزورة على أهل البيت، وأقوال علمائهم الواردة في أهم مصادرهم ومراجعهم المعتبرة عندهم.
ويشبّه الرافضةُ في إجرائَهم الإمامة في ذرية الحسين دون الحسن بإجراء الكهانة عند اليهود في ولد هارون دون ولد موسى، مما يدل على شغفهم الكبير بموافقة اليهود.
هذا وقد تعلّق الرافضة في تحديد عدد الأئمة وحصرهم في اثني عشر شخصا بما جاء في كتب السنة عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا...كلهم من قريش" رواه مسلم في صحيحه.
وفي رواية له أيضا
( لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة).
وسيأتي الردّ عليهم مع بيان المفهوم الصحيح للحديث في محلّه.
وقبل أن نشرع في إيراد موقف أهل السنة من الرافضة في المسألة، نشير إلى أمرين مهمين؛ إذ لهما صلة وطيدة بالموضوع:
أوّلهما:القول بحصر الإمامة في عدد معين تأريخيّاً وزمنياً، من خلال كتب الرافضة المعتبرة لديهم.
فقد كان عبد الله بن سبأ اليهودي ينتهي بأمر الوصية عند علي ، كما صرّح بذلك شيخهم النوبختي والكشّي حيث قالا: (وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي أن عبـد الله بن سبـأ كان يهـوديا فأسلـم ووالى عليـا، وكان يقـول -وهو على يهوديته- في يوشع بن نون بعد موسى بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي في عليّ بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي ، وأظهر البراءة من أعدائـه، وكاشف مخالفيه وكفّرهم -يقصد الصحابة -، فمن هناك قال من خالف الشيعة : إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية.(انظر كتاب اختيار معرفة الرجال للطوسي).
ولكن جاء فيما بعد من عمّم هذه الوصية في مجموعة من أولاد علي ، وكانت بعض هذه الدعاوى تصل إلى بعض علماء أهل البيت فكانوا ينفونها نفيا قاطعاً، كما فعل جدّهم علي بن أبي طالب وغيره ولذلك اخترع أولـئك الكذابون على أهل البيت عقيدة التقية حتى يتيسـر لهم نشر أفكارهم وترويج خرافاتهم. وقد جاءت رواية في أهم كتاب عندهم في الجرح والتعديل(اختيار معرفة الرجال)كشفت بأن الذي أشاع القول بحصر الإمامة في أناس مخصوصين من آل البيت هو شيطان الطاق( يلقب عندهم بمؤمن الطاق كما قال الحلي )، وأنه حينما علم بذلك زيد بن علي بن الحسين ، استدعاه ليقف على حقيقة الإشاعة، فقال له:
(بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إماما مفترض الطاعة؟ قال شيطان الطاق: نعم، وكان أبوك علي بن الحسين أحدهم، فقال: وكيف وقد كان يُؤتى بلقمة وهي حارة فيُبردها بيده ثم يلقمنيها، أفترى أنه كان يشفق عليّ من حرّ اللّقمة، ولا يشفق عليّ من حرّ النار؟ فقال شيطان الطاق: كره أن يخبرك فتكفر فلا يكون له فيك الشفاعــــة، لا والله فيك المشيّة).
إذاً هكذا اخترع شيطان الطاق أكذوبة الإمامة، التي صارت من أصول الديانة عند الشيعة، واتهم الإمام عليًّا زين العابدين بأنه كتم أساس الدين حتى عن ابنه الذي هو من صفوة آل محمد، كما اتهم الإمام زيدا بأنه لم يبلغ درجة أخس الروافض في قابليته للإيمان بإمامة أبيه...والشيعة هم الذين يروون هذا الخبر في أوثق المصادر عندهم، ويعلنون فيه أن شيطان الطاق يزعم بوقاحة أنه يعرف عن والد الإمام زيدٍ ما لا يعرفه الإمام زيدٌ عن والده مما يتعلق بأصل من أصول الدين عندهم.
وذكر الكِشّي أن مقولة شيطان الطاق بلغت أيضاً جعفر الصادق فأنكرها وقال: كذب وافترى علينا (انظر اختيار معرفة الرجال).ولقد شارك شيطانَ الطاق رجلٌ آخر هو هشام بن الحكم الرافضي، ولـمّا وصلت مؤامرته إلى الخليفة هارون الرشيد، حيث قال له يحيى بن خالد البرمكي: (يا أمير المؤمنين، إني قد استنبطت أمر هشام فإذا هو يزعم أن لله في أرضه إماما غيرك مفروض الطاعة، قال: سبحان الله! قال: نعــم، ويزعـــم أن لو أمره بالخروج لخرج..) (اختيار معرفة الرجال). فيظهر من هذا النصّ أن هارون الرشيد فُوجئ بهذه المقالة مما يدل على حداثتها، وقد كان هشام هذا يُشيع بأن ما يقوله في مسألة الإمامة إنما هو عن أمر موسى الكاظم فأساء إليه أبلغ الإساءة مما أدّت إلى سجنـه وحبسـه، وكان يقول: (والله ما هذا من شأني ولا حدثت فيه نفسي) ولذا ذكر بعض علمائهم بأن هشاما هذا هو ضالٌّ مضلٌ شارك في قتل موسى الكاظم
إذاً: ففكرة حصر الأئمة بعدد معين قد وضع جذورَها في القرن الثاني زمرةٌ ممن يدّعون الصلة بأهل البيت ويتظاهرون بحبهم أمثال شيطان الطاق وهشام بن الحكم.
ولقد كانت اتجاهات الشيعة مختلفة في عدد الأئمة بعد اتفاقهم على انحصار الإمامة في أهل البيت، ولكن استقرّ قول الروافض منهم على اثني عشر إماما بعد وفاة الحسن العسكري الإمام الحادي عشر عندهم.
وبهذا يتبين أن عقيدة انحصار الإمامة في أهل البيت لا أساس لها من الصحة، بل هي من محدثات ابن سبأ وأتباعه المخلصين كشيطان الطاق وهشام بن الحكم وغيرهما من شيوخ الرافضة، ولذلك ردها علماء أهل البيت كما تقدم النقل عن بعضهم آنفا.
الأمر الثاني: شغف الرافضة الكبير في التشبه باليهود، ومن ذلك ما علّلوا به حصر الأئمة في العدد المذكور بالتشبه بأسباط بني إسرائيل الاثني عشر، حتى إنّ شيخهم الصدوق وضع في كتابه(الخصال) عنوانا مستقلاً لإظهار موافقتهم لبني إسرائيل في عدد الأئمة فقال: (أخرج الله من بني إسرائيل اثني عشر سبطا، ونشر من الحسن والحسين عليهما السلام اثني عشر سبطا).
وهكذا علّل شيخهم الإربلي بنفس التعليل بعد ذكره لقول الله تعالى في بني إسرائيـل: وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيباۖ [المائدة: 12]، (فجعل عدة القائمين بذلك الأمر اثني عشر فتكون عدة القائمين بهذا كذلك).
فانظر أيها القارئ الكريم إلى حرصهم الشديد على موافقة بني إسرائيل ومخالفتهم لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن جملة شغفهم بمشابهتهم اليهود ما علّلوا به اعتقادهم حصر الإمامة في ولد الحسين بالقياس على إجراء الكهانة عند بني إسرائيل في ولد هارون دون ولد موسى عليهما السلام، فقد روى شيخهم الصدوق عن هشام بن سالم قال: (قلت للصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: الحسن أفضل أم الحسين؟ فقال: الحسن أفضل من الحسين، قال: قلت فكيف صارت الإمامة من بعد الحسين في عقبـه دون ولد الحسن؟ فقـال: إن الله تبارك وتعالى أحب أن يجعل سُنة موسى وهارون جارية في الحسن والحسين عليهما السلام، ألا ترى أنهما كانا شريكين في النبوة، كما كان الحسن والحسين شريكين في الإمامة، وأن الله جعل النبوة في ولد هارون ولم يجعلهـا في ولـد موسى، وإن كان موسى أفضـل مــن هارون عليهما السلام).
ولكنّ المجلسي أورد رواية عن أبي الحسن الرّضا (الإمام الثامن عند الرافضة)، مضمونها: أنه سأل عن علة صيرورة الإمامة في ولد الحسين دون الحسن، فأجاب بأن الله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
ولعلّه تنبّه إلى فضيحة قول من قال من علمائهم إن علة ذلك موافقتهم لبني إسرائيل في إجراء الكهانة في ولد هارون دون ولد موسى، فوضَع رواية ونسبها إلى إمام من أئمة آل البيت-كعادته في التزوير-،
وذلك لا يغيّر من الحقيقة شيئا، مع أنه وثّق الرواية التي ذُكر فيها التعليل الذي تهرّب منه (انظر الرواية في المرجع بحار الأنوار 25/ 249.)
ومن العجب أنهم استدلوا هنا لتبرير قولهم بحصر الإمامة في ولد الحسين بالقياس على شريعة منسوخة، ومحرفة. فتأمل أيها القارئ الكريم هذا التناقض، وصدق الله إذ قال: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82].
المطلب الثاني :
[في وجوه رد دعواهم هذه]
الوجه الأول: إن تناقض رواياتهم في عدد الأئمة يدل على خرافة قولهم بالحصر، وفي ذلك قال الشيخ عبد العزيز الدهلوي -بعد أن ذكر اختلافهم في ذلك- : (ومن هذا ينبغي للعاقل أن يتفطّن لكذب هؤلاء، فإنّ هذه كلها افتراءات، فهم قرّروا على وفق مصلحة الوقت إماماً بزعمهم، وأخذوا يدعون إليه ليأخذوا بهذه الذريعة الخمس والنذور والتحف والهدايا من أتباعهم باسم إمامهم المزعوم ويتعيشوا بها، ومتأخروهم قد قلّدوا أوائلهم بلا دليل، وسقطـوا في ورطـة الضـلال.
ومن الروايات التي تثبت ما أشار إليه الشيخ عبد العزيز الدهلوي وغيره من التناقض في عدد الأئمة عند الرافضة- ما يلي:
ما ورد في كتاب سليم بن قيس وهو أقدم كتاب يمثل أغلب أصول المذهب الرافضي-من حوار طويل جرى بين أحد الرهبان وعلي رضي الله عنه حين قدومه من صفّين، بحيث ذكر الراهب في هذا الحوار أنه جاء في أحد كتب عيسى عليه السلام نعت محمـد بن عبد الله خاتم النبيين ومبعثه وهجرته إلى وفاته، وثلاثة عشر إماما هُم من ولد إسماعيل وهم خيرة خلق الله إلى الله، ومدة ملك كل واحد منهــم وما سيجري في عهودهم...إلى آخر الرواية.
وما ورد أيضاً في بعض روايات أصول الكافي وهو أصح الكتب عندهم عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إني واثني عشر إمامـا من ولدي وأنت يا عليُّ زرّ الأرض، بنا أوتد الله الأرض أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم يُنظروا ) .
فهذا النصّ أفاد أن أئمتهم بدون علي اثنا عشر، ومعه ثلاثة عشر، وهذا ينسف بنيان قولهم باثني عشر إماما.وقد تفطّن شيخهم الطوسي إلى ما تحويه هذه الرواية من نسف لبنيانهم، وهدم لقاعدتهم، فحرّف الرواية، وأوردها بلفظ (إني وأحد عشر من ولدي).كذلك روتْ كتب الرافضة عن أبي جعفر عن جابر رضي الله عنه قال: دخلتُ على فاطمة وبين يديها لوحٌ فيه أسماء الأوصياء من ولدها فعددت اثني عشر آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمدٌ وثلاثة منهم عليٌ).
وهذا الحديث يسمّى عند الرافضة بحديث اللّوح وهو حديث طويل، وهو العمدة عندهم في إثبات التنصيص على الإمام، ومع ذلك لم يتفطن واضعه إلى أنه يهدم بنيان قولهم باثني عشر إماما؛ لأنه صريح في أن الأوصياء من أولاد فاطمة هم اثنا عشر وبانضمام علي رضي الله عنه إليهم يكون عددهم ثلاثة عشر.
وبوّب شيخهم الصدوق في كتابه (الخصال) فقال: (أخرج الله من بني إسرائيل اثني عشر سبطا ونشر من الحسن والحسين اثني عشر سبطا).
فإذا كان أسباط الحسن والحسين اثني عشر سبطاً فبإضافة علي –رضي الله عنه- إليهم يصل عددهم إلى خمسة عشر، وذلك يبطل قولهم باثني عشر إماما.
الوجه الثاني: قولهم بحصر الخلافة في هذا العدد خلاف الواقـع؛ لأنـه لم يتولّ الخلافة من المذكورين إلا عليٌّ والحسن لمدة يسيرة، ثم تنازل عنها لمعاوية لمصلحة المسلمين، وأما من بعدهم من بقية أئمة آل البيت فلم يثبت لا في كتب أهل السنة ولا في كتب الرافضة أنهم تولّوا منصب الخلافـة، فمن أين لهم القول بحصر الإمامة فيهم، وإذا قلنا بانحصارها فيهم فلماذا تقاعدوا عن طلب حقهم وتقاعسوا عنه، وهل يليق ذلك بمن يصفونهم بالعصمة؟!.
لو سلّمنا بانحصار الإمامة في هؤلاء، فبعد انتهاء هذا العدد من سيتولى أمـر الخلافة؟ علمـاً بأن هؤلاء انقرضـوا في منتصف القـرن الثالث، والثاني عشر منهم موهوم لا وجود له.
وكيف يمكن أن يتولّى الإمامة من هو ليس أهلاً لها؛ فإنّ ثلاثة من أئمتهم فُوّض إليهم أمر الإمامة -بزعمهم- وهم في سنّ دون التكليف، أوّلهم: محمد الجواد(الإمام التاسع)وكان عمره سبع سنين، وثانيهم: علي الهادي (الإمام العاشر) وَلِـي الإمامة وعمره لا يتجاوز ستّ سنوات، وثالثهم: محمد ابن الحسن العسكري وَلِـي الإمامة وعمره أربع أو خمس سنوات.
ومن المعلوم بداهةً أن الصبيّ إذا لم يبلغ الحلم فهو غير مكلف، بل مرفوع عنه القلم، فلم تعتبر شهادته في أية محكمة من المحاكم نظراً لصغره وعدم بلوغه، فكيف يمكن أن يكلفه الله بأمر هو ليس أهله ولا يمكن له أن يطيقه، فالإمامة مسئوليتها كبيرة وهي عِبْءٌ ثقيل، فكيف يُؤمر بتوليتها في هذا السنّ، أفليس هذا تكليفا بما لا يطاق؟!
وإذا كانت الإمامـة عندهم منصباً إلهياً ولطفاً ربانياً، فلماذا لم يؤجّل الله وفاة كل إمام حتى يتأهّل من بعده لهذا المنصب الإلهي؛ إذ اللّطف يقتضي ذلك، وهو واجب على الله تعالى في زعمهم!
وهذا يدل بجلاء ووضوح أن ادعائهم بحصر الإمامة في أئمتهم إنما هو محضُ وهمٍ وخيال.
الوجه الثالث:
أكّد بعض علماء الحنفية فساد دعوى الرافضة بانحصار الإمامة في أئمتهم بإيراد شيء من أقوال أولئك الأئمة بحيث إنها تبرّئ ساحتهم مما نسبه إليهم هؤلاء الكذابون الوضاعون، ومن تلك الأقوال:
ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: (إنه بايعني القوم الذين بايعــوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان لله رضىً، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاّه الله ما تولّى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا) فهذا النصّ فيه إقرار علي رضي الله عنه لخلافة الخلفاء الثلاثة بكل جلاء ووضـوح، فلو كانت الخلافة محصورة فيه وفي أولاده -كما زعمت الرافضة-، لما صدر عنه مثل هذا الإقرار! وهل كان يداهن الناس في دين الله!.
ولمّا قيل لزيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه أنّ شيطان الطاق يقول بحصر الإمامة فيهم، أنكر ذلك بشدة وقال:(وكيف وقد كان -أي والده علي بن الحسين-يأتي بلقمة وهي حارة فيبردها بيده ثم يلقمنيها، أفترى أنه كان يشفق عليّ من حرّ اللقمة ولا يشفق علي من حرّ النار؟.
ولما بلغت مقولة شيطان الطاق إلى جعفر الصادق بأنه إمام مفترض الطاعة، أنكرها وقال:(كذب وافترى علينا) (انظر اختيار معرفة الرجال).
ولما بلغ موسى الكاظم ما نسب إليه بأنه يرى حصر الإمامة في أهل البيت، فسرعان ما أنكر ذلك وتبرّأ عما نسب إليه، وقال: (والله ما هذا من شأني ولا حدثتُ فيه نفسي)
فهذه النصوص أوضح من الشمس في رابعة النهار في بطلان دعوى الرافضة وفسادها، وكفى بها حجة وبرهانا عليهم.
هذا وإن للرافضة المتأخرين بدعة خرقوا بها إجماع علمائهم على انحصار الإمامة في الأئمة الاثني عشر، ألا وهي القول بنيابة الفقيه الشيعي عن الإمام في إقامة الدين والدنيا وجميع صلاحياته، مع أن أقوال الأئمة في كتبهم تؤكد أن كل راية ترفع قبل قيام المهدي فصاحبها طاغوت!.
الوجه الرابع :
إبطال تمسكهم بما في كتبنا.
فنقول:
أولاً: الحديث الذي رواه مسلم من أن النبي قال "لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا...كلهم من قريش" وفي رواية له أيضا ( لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة)فهذا الحديث ينصّ على أن أصحاب العدد المذكور كلهم يتولون الخلافة، ومن المعلوم أن الأئمة الاثني عشر عند الرافضة لم يتولّ منهم إلا علي والحسن مدة قليلة، فدلّ ذلك على فساد استدلالهم بالحديث، وعليه؛ فيكون المقصود به من تولى الخلافة وهم الخلفاء الراشدون وثمانية بعدهم.
ثانياً: الحديث ينصّ على أن الإسلام سيكون عزيزا في عهد هؤلاء، -وقد كان- وعند الرافضة أن الإسلام لم يكن كذلك، بل كان أسوء حالا، وكان عهد الأمة عهدا فاسدا.
ثالثاً: الحديث ينصّ على اجتماع الأمة على هؤلاء الخلفاء، ولم تجتمع الأمة على من تدعي الرافضة إمامتهم؛ لأنهم لم يتولوا الخلافة فضلاً عن اجتماع الأمة عليهم -ما عدا عليا، والحسن لمدة يسيرة-، فلم تجتمع الأمة إلا على من عناهم أهل السنة بالحديث، فدل ذلك على بطلان دعوى الرافضة.
رابعاً: الحديث ينصّ على أن هؤلاء الأئمـة يكونون من قريـش، وهذا يعني أنهـم لا يختصون بعلي وأولاده؛ لأن قريش تشملهم وتشمل غيرهـــم، فلا دليل على اختصاصهم بالحديث.
خامساً: ليس في الحديث حصر للأئمة بهذا العـدد، بل إخبار منه صلى الله عليه وآله وسلم بأن الإسـلام سيظلّ عزيزا في عصر هؤلاء.
وأخيراً:لم يبق من الأوصاف التي تنطبق على ما يريدون إلا مجرد العدد، والعـدد لا يدل على شيء.