بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، درسنا اليوم عن النذر، والنذر لغة هو الوعد بخير أو بشر، وشرعًا التزام قربة لم تتعين بصيغة، وسيأتي معنا إن شاء الله في هذا الدرس شرح هذا التعريف، وقد وردت النصوص في كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام التي تدل على مشروعية النذر ووجوب الوفاء به قال سبحانه وتعالى (وليوفوا نذورهم) وقد ذكر سبحانه وتعالى من صفات عباده الأبرار (يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرا) وقد جاء في الحديث عن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي عليه الصلاة والسلام قال من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه رواه البخاري،

فالنذر هو قربة من القرب التي يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى يعني إذا نذر الإنسان وأوفى بالنذر فإنه يثاب على ذلك، ويكون هذا قربى يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى لكن قال العلماء ابتداء النذر مكروه، لما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال لا يرد شيئًا وإنما يستخرج به من البخيل، والنذر قسمان

القسم الأول نذر اللجاج وهو من التمادي أي تطويف الخصومة، وغالبًا يكون هذا النذر عن غضب، وهو أن يعلق الناذر بحث يحث نفسه على أمر معين، أو يمنعها من أمر أو يقصد بذلك تحقيق الخبر وتأكيده، فمثال تعليق النذر على حث أن يقصد بذلك حث نفسه على شيء معين، كأن يقول مثلًا إن لم أذهب دار زيد فلله علي أن أتصدق بألف ريال، فهو يحث نفسه على الذهاب إلى دار زيد، ومثال المنع كأن يقول مثلًا إن كلمت عمرًا فلله عليّ أن أصوم يومًا، فهو يريد أن يمنع نفسه من كلام عمر، ومثال تحقيق الخبر كأن يقول إن لم يكن الخبر كما قلت أو لم يكن الأمر كما قلت فلله عليّ أن أتصدق بكذا، فهو يريد تحقيق الخبر، والحكم في النذر إذا تحققت الصفة فإن الناذر مخير بين أمرين،

الأمر الأول أن يوفي بما التزمه، وفي ما نذره، والأمر الثاني أن يخرج كفارة اليمين، وهي هذه الكفارة، هي تحرير رقبة أو إطعام عشر مساكين، أو كسوتهم فإذا لم يستطع فيصوم ثلاثة أيام كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في الدرس القادم، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كفارة النذر كفارة اليمين رواه مسلم،

القسم الثاني هو نذر التبرر وهو الذي يطلب فيه الناذر التبرر والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى وهو نوعان النوع الأول نذر المجازاة أو المكافأة، وهذا يكون النذر فيه معلق بشيء مرغوب فيه، كأن ينذر الناذر ويعلق النذر بحدوث نعمة أو اندفاع نقمة، كأن يقول إن نجح ولدي في الاختبار فلله عليّ أن أتصدق بألف ريال، أو إن ولد لي ولد فلله عليّ أن أتصدق بألف ريال، واندفاع نقمة كأن يقول إن شفا الله مريضي فلله عليّ أن أصوم يومًا، أو إن نجاني الله من الغرق لله عليّ أن أصوم يومًا مثلًا، والحكم في هذا النذر أنه يلزمه إذا حصل المعلق به النذر، وتحققت الصفة يجب عليه أن يوفي بما نذر، ففي الأمثلة الماضية، الذي نذر إن نجح ولده،

إن نجح ولده وجب عليه أن يتصدق بألف ريال، أو إن شفا الله مريضه، أو إن ولد له ولد يجب عليه أن يتصدق، وفي اندفاع النقمة إذا شفا الله مريضه يجب عليه أن يصوم، أو نجاه الله من الغرق يجب عليه أن يصوم، كما هو في الأمثلة السابقة، إذا تحقق الأمر أو تحققت الصفة يجب عليه أن يوفي بما نذر ولا يجوز له أن يترك الوفاء قال الله سبحانه وتعالى (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) وقد ذم الله قومًا عاهدوا الله ثم لم يوفوا بما عاهدوه قال سبحانه وتعالى (منهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنتصدقن ونكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون) فإذًا هذا هو

النوع الأول من نذر التبرر، نذر المجازاة والمكافأة، النوع الثاني من أنوع التبرر هو النذر المطلق، كأن ينذر ولا يعلق النذر بشيء، كأن يقول لله علي أن أصلي الضحى اليوم مثلًا أو لله عليّ أن أتصدق بكذا، أو نذرت أن أصوم يومًا مثلًا، فهنا يجب عليه أن يوفي بما نذر ولا يقول مثلًا أنا أخرج كفارة يمين، لا، لا يصح ذلك، كفارة يمين، هي فقط في نذر اللجاج، هو

القسم الأول، أما أركان النذر فأركان النذر ثلاثة، الناذر والمنذور والصيغة، فيشترط في الناذر شروط، يشترط في الناذر الإسلام في نذر التبرر، ويشترط فيه أن يكون مكلفًا أي بالغًا عاقلًا فلا يصح النذر من الصبي ولا من المجنون ولا الذي في عقله خلل ولا المغمى عليه، يشترط في الناذر أيضًا أن يكون مختارًا أي نذر باختياره،

أما إذا أجبر أو أكره على ذلك فإنه لا يصح منه النذر، أيضًا يشترط في الناذر أن تكون تصرفاته نافذة، أما إذا كان تصرفاته غير نافذة مثلًا مثل السفيه، المحجور عليه بسفه، الإنسان السفيه المبذر الأموال، الذي يبددها في المحرمات، ويغبن مثلًا في البيع والشراء فحجر عليه القاضي، هذا الإنسان السفيه إذا نذر يصح نذره في العبادات البدنية، كالصلاة والصوم،

أما العبادات المالية فلا يصح نذره فيها، وكذلك أيضًا المحجور عليه بفلس، الإنسان الذي ركبته الديون، وعليه ديون كثيرة زادت على أمواله وحجر عليه القاضي، فهذا محجور عليه بالفلس إذا نذر بالقرب البدنية يصح نذره كالصلاة والصوم أما إذا نذر في القرب المالية إن كان في ذمته فيصح ويجب عليه الوفاء عند انفكاك الحجر،

أما إذا نذر في أعيان ماله وفي ما يملك فنذره باطل ولا يصح، أيضًا من شروط الناذر إن كان فعله للمنذور أما إذا نذر أن يصوم وهو لا يطيق الصوم فلا يصح النذر حينئذٍ، الركن الثاني المنذور يشترط فيه أن يكون قرب من القرب المستحبة النوافل التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى كنوافل الصلاة نوافل الصيام صدقة التطوع،

أما القرب الواجبة هذه لا يصح فيها النذر، لأنها أصلًا واجبة أصالة بإيجاب الشرع لها، كالصلوات الخمس وصوم رمضان والزكاة الواجبة، فلو نذر أن يفعل ذلك، لا معنى للنذر فيها لأنها أصلًا واجبة بإيجاب الشرع لها، ومن هنا يتبين لها أن النذر لا يصح في المعصية لو نذر إنسان مثلًا أن يصوم يوم العيد لا يصح النذر امرأة حائض أو نفساء نذرت أن تصوم في وقت حيضها، أو نفاسها أو أن تصلي أيضًا لا يصح، أو إنسان نذر أن يتصدق بمال لا يملك، شيء لا يملكه، لا يصح، وقد قال عليه الصلاة والسلام لا نذر في معصية الله ولا في ما لا يملكه ابن آدم رواه مسلم، أيضًا لا يصح النذر في المكروهات، لأن النذر هو في القرب، يقصد بذلك التقرب إلى الله سبحانه وتعالى والنذر يبتغى فيه وجه الله سبحانه وتعالى ومرضاته والمكروه ليس كذلك،

أيضًا لا يصح النذر في المباح، والمباح هو ما يستوي فيه الفعل والترك ولا يترتب على فعله أو تركه ثواب ولا عقاب كالقيام والقعود أيضًا لا يصح النذر فيه، الركن الثالث هو الصيغة، ويشترط في الصيغة أن تكون بلفظٍ يشعر بالالتزام، كقوله لله عليّ كذا، أو نذرت كذا، أو علي كذا، لفظ يشعر بالالتزام، أما لو نذر بقلبه نوى بقلبه لا يصح، فلا بد أن يتلفظ ويكون هذا اللفظ مشعر بالالتزام، أسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.