بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس والسبعون
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الزنا... ذنبٌ كبيرٌ ووباءٌ خطير
قال تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون الزانية والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) (سورة النور).
إن جريمة الزنا أخطر وأعظم من أن تستدر العطف أو تدفع إلى العفو عن مرتكب هذه الجريمة النكراء، فإن من عرف آثارها وأضرارها من تدنيس للعِرض والشرف وضياع للأنساب واعتداء على كرامة الناس، وتلطيخ لهم بالعار وتعريض للأولاد للتشرد والضياع، حيث يولد كاللقيط لا يعرف أباه، ولا يعرف حسبه ونسبه إلى غير ما هنالك من تشريد، فمن عرف ذلك أدرك حكمة الله تعالى في تشريع هذا العقاب الزاجر الصارم. وليس هذا فحسب بل يُعلن فيشهدُ فريقٌ من المؤمنين على هذه العقوبة لتكون زجرًا للزاني ولأفراد المجتمع من اقتراف مثل هذا المنكر الشنيع. وقد حرم الله الزنى لما فيه من أضرار عظيمة ومخاطر جسيمة تؤدي بحياة الأفراد والجماعات إلى التفكك والتنازع والتباغض وتقويض بنيان المجتمعات.
ما هو حد الزاني البكر وحد الزاني المحصن:
فرقت الشريعة الإسلامية بين حد الزاني البكر (غير المتزوج) وحد الزاني المحصن (المتزوج) فخففت العقوبة في الأول فكانت مائة جلدة، وغلظت العقوبة في الثاني فكانت الرجم بالحجارة حتى الموت وذلك لأن الجريمة التي يرتكبها رجل متزوج أو امرأة متزوجة عن طريق الفاحشة أشنع وأقبح من الجريمة التي يرتكبها من ليس متزوجًا لأنه سلك لقضاء شهوته طريقًا غير مشروع مع أنه كان متمكنًا من قضائها بالزواج المشروع فكانت العقوبة أشد واغلظ. هذا ويزيد في حد البكر تغريب سنة عن بلده إن كان حرًا ونصفها إن كان عبدًا.
الجلد ثابت بالنص القرآني:
وقد ثبت الجَلدُ بالنص القرآني القاطع في قوله تعالى: (الزانية والزني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) (سورة النور).
فقد ذكر الله سبحانه وتعالى الذكر والأنثى للتأكيد على أن الحد على الاثنين معًا ولو كان الزنا بالتراضي.
الرجم ثابت بالسنة النبوية:
وأما الرجم فقد ثبت بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وعمله وكذلك بإجماع الصحابة والتابعين فقد ثبت بالروايات وبطريق التواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام حد الرجم وأن الخلفاء الراشدين من بعده أقاموا الحد في عهودهم. ثم ظل فقهاء الإسلام في كل عصر وفي كل مصرٍ مجمعين على كونه حكمًا ثابتًا وسنة متبعة وشريعة إلهية قاطعة لا مجال للشك فيها.
حُرمة مقدمات الزنا:
فكما أن الزنا حرام فكذلك الأفعال التي تؤدي إليه حرام أيضًا وإن كانت هذه الأفعال خطرها دون خطر الزنا إلا أن ما يؤدي إلى المعصية معصية ومن مقدمات الزنا:
1 – النظر إلى عورات النساء: فلا يحل لرجل أن ينظر إلى جميع بدن المرأة الأجنبية (بشهوة أو بغيرها) إلا الوجه والكفين فيجوز أن ينظر إليهما بغير شهوة كما في حال البائع والمشتري والشهود عند القاضي للنكاح وغيره.
أما إذا لم تكن النظرة بقصد فلا مؤاخذة فيها فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: "يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية" رواه الترمذي وأحمد.
2 – مصافحة النساء: وكذلك من مقدمات الزنا مصافحة النساء من غير حائل ولو بدون شهوة حيث تلامس يدُه يدَها. والمصافحة في كثير من الأحيان تَجُر إلى القبلات ثم إن القبلات في كثير من الأحيان تجر إلى المضاجعة ثم إلى الزنا. والدليل على حرمة المصافحة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يُطعَنَ في رأسِ أحدِكم بخيطٍ من حديدٍ خيرٌ له من أن يَمَسّ امرأةً لا تحِلُّ له" (رواه الطبراني في الكبير).
3 – المفاخذة: ومن مقدمات الزنا المفاخذة والذي يفاخذ امرأة لا تحل له هو أقرب ما يكون إلى الزنا ولو كان لا يقام عليه حد الزنى لأن الزنى هو إدخال الحشفة في الفرج فيما حرم الله، أما المفاخذة فهي تلاصق العورتين من دون إدخال وهي حرام ويكفر من يستحلها.
4 – تعرض النساء للرجال: إن الزنى ينشأ غالبًا بتحريك من المرأة فخروجها سافرة متبرجة متزينة بنية التعرض للرجال مع ما عندها من حبائل الشيطان مدعاة إلى الزنى. أما خروج المرأة للعمل أو لصلة الرحم أو التنزه ساترة لكل بدنها إلا الوجه والكفين ولم يكن في نيتها أن تتعرض للرجال فليس ذلك حرامًا.
أما قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) (سورة النور) فمعناه لا يكشفن من أبدانهن إلا الوجه والكفين. أما ستر الوجه فقد قال بعض المتأخرين من الفقهاء: يجب عليها ستره إذا كانت شابة وخشيت الفتنة ولا يطلق على المرأة إذا خرجت متعطرة أنها زانية لمجرد هذا بل إذا قصدت فتنة الرجال فهذا من مقدمات الزنى وهذا هو معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة خرجت من بيتها متعطرة ليجد الناس ريحها فهي زانية" فقوله: (ليجد الناس ريحها) صريح فيمن قصدُها فتنة الرجال أنها عاصية. فاحرص أخي المؤمن على تحصين زوجتك وبناتك وإخوتك بالعفة والطهارة بوقايتهن من معاشر السوء ومجالس السوء وصاحب السوء كيلا تندم على تشجيعك لهن على مثل هذه الحياة البهيمية.
اللهم قنا عذاب النار بإبعادها عن كبائر معاصيك وصغائرها وثبت قلوبنا على طاعتك.