بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس التاسع والخمسون

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الظلم مواجهة الظالمين

قال الله تعالى: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم) (الأنعام).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيت أمتي تهابُ أن تقول للظالم يا ظالم فقد تُودِّعَ منهم" رواه الحاكم في المستدرك.

اعلموا إخوة الإيمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثنا في هذا الحديث على مواجهة الظالم وزجره عن ظلمه ويبين لنا خطورة ترك هذا الأمر. فإن الناس إذا تركوا أن يحذروا من الظالم ويزجروه في وجهه فإن الله تبارك وتعالى يتخلى عنهم أي يقطع نصرته عنهم. والرسول تحدث عن أمته أنهم إذا وصلوا إلى حالة يهابون فيها أن يقولوا للظالم يا ظالم عندئذٍ تودع الله منهم أي تركهم ووكلهم إلى أنفسهم أي قطع عنهم نصرته.

وفي هذا الحديث دليل أن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يقال للظالم في وجهه "يا ظالم" لزجره ولتحذير الناس منه، لأن الظالم لما يعلم أن بعض الناس تواجهه أمام الناس بوصفه بما فيه يرتدعُ، وإن لم يرتدع هو كانت مواجهتنا له عظةً واعتبارً لغيره كي لا يفعل فعلته لأنه سيقول في نفسه "إن أنا فعلت مثله سيخرج لي واحد يحذر مني في وجهي ويفضحني أمام الناس" عندها يكف عن سلوك مسلك الظالم.

أنواع الظالمين

والظالمون أصناف منهم من يأكل أموال الناس بالغش والخيانة ومنهم من يأكل أماناتِ الناس ظلمًا ومنهم من يتصدر لتدريس الدين وليس هو من أهل العلم فيُحل ويُحرم على هواه دون الاستناد إلى مستندٍ شرعي هذا أيضًا ظالم لنفسه وظالم لمن عمل بعمله.

الكفر هو رأس الظلم

إن الكفر هو رأس الظلم وأشده وأخطره فقد قال تعالى: (والكافرون هم الظالمون) (البقرة). أي أن الكافرون بلغوا نهاية الظلم. وقال تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم) (لقمان). وأما ما سوى الكفر من ظلمٍ كأكل أموال الناس بالباطل أو ضربهم بغير حق فهذا قليل بالنسبة للكفر الذي هو أشد أنواع الظلم، وإن من يدعو إلى ضلالة كفرية أو يخطب في الناس ويدعوهم إلى الفتنة في الدين فإن ظلمه هو أشد وأكبر من آكل الأموال بالباطل. ومن قال لشخص ظالم بأي نوع من أنواع الظلم "أنت ظالم" بنية زجره ليرتدع أو بنية تحذير غيره منه فلا يكون هذا الناصح المحارب للظلم مسيئًا في حكم شرع الله بل له ثواب عند ربه. وهذا مأخوذ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".

الاقتداء بالإمام الشافعي

لقد كان الإمام الشافعي مُجاهرًا بالحق مجابًها للباطل والظلم شأنه في ذلك شأن الأئمة المهديين العلماء العاملين بنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاء ذات يوم رجل يقال له "حفص الفرد" فناقشه في مسألة العقيدة وكان هذا الرجل معاندًا مكابرًا يعتقد اعتقادًا منافيًا لشهادة أن لا إله إلا الله ويُشبه الله بمخلوقاته ثم لما أقام عليه الإمام الشافعي الحجة والدليل وظل على عناده قال له الشافعي رضي الله عنه "لقد كفرت بالله العظيم" وكان يسميه حفصًا المنفرد أي الشاذ عن العقيدة الحقة.

لا تلومن أهل الحق

هذا الإمام الشافعي رضي الله عنه الذي هو من أئمة الهدى كان من السلف الصالح توفي سنة مائتين وأربع هجرية، واجه هذا الشخص الضالّ وقال له في وجهه "كفرت بالله العظيم" فهل أحسن الشافعي في ذلك أم أساء لأن بعض الناس إذا عرفوا أن عالمًا عرف من شخص كفرًا فكفّره بحقٍ يعترضون ويقولون "انت تُفرّقُ الصف، أنت تكفر المسلمين" أما المنصفون فلا يقولون هذا بل يقولون "إن كان تكفيره بحق ولسبب شرعي فلا حرج عليه ولا لوم" ومن كفّر مسلمًا بلا سبب شرعي وبلا تأويلٍ فقد كفر هو.

أخي المسلم، إذا سمعت شخصًا يسب رب العالمين أو نبيًا من الأنبياء أو ملكًا من الملائكة أو استهزأ بالقرآن أو الصلاة أو الصيام أو استهزأ بالجنة أو النار كقول بعض الناس عن النار "غدأ نتدفأ فيها" فلا تستح أن تأمره بالشهادتين بنية الدخول في الإسلام وفي ذلك خير ولا حرج ولا لوم عليك إن أنت قلت له مع الحكمة. أنت وقعت في الكفر فيجب أن تعود إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين.

الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة

قال الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) (النحل). ودعوة الناس إلى الإسلام تكون بالأسلوب الحسن وبالحكمة فمن علمت منه ضلالًا وكان بحيث إذا كلمته بحضرة أناس يزداد تكبرًا وعنادًا فلا يصغي لكلمة الحق، ولو كلمته سرًا يصغي للحق ويرجع عن غيه وضلاله فإن هذا يُكلّم سرًا حتى يُصلح ما أفسده وإن كان قد علمه لبعض الناس حذرهم مما أوقعهم فيه من الضلال من قبل. وقد قال سيدنا الحسن رضي الله عنه "العار خير من النار". رواه الحافظ ابن حجر وأما من عُرف عناده وكان لا يرجع لو أقيمت عليه الحجة في وجهه فهذا يقال له من باب التحذير منه (أنت كذبت القرآن أو أفتيت بغير ما أنزل الله) كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول للظالم أنت ظالم، وإن هذا التحذير ليس مستنكرًا عند أهل العلم بل هو عين الحق).

وإن قال قائل "أليس جاء في سيرة لارسول أنه كان إذا أراد أن يحذر شخصًا من شيء يقول: ما بالُ أقوامٍ يفعلون كذا وكذا. من غير أن يسميهم. فالجواب على ذلك أن هذا إذا كان الشخص يكتفي بمجرد التحذير منه من غير تسميته أو إذا كنا نأمن أن لا يصل ضرره إلى الغير. أما إذا كان تعدّى ضرره إلى الغير بأن اقتدى به أناس في ضلاله فإننا نُصرِّحُ باسمه ونحذر منه إن لم يتب حفاظًا على دين الله، وهذا أولى من مداهنة الناس على حساب الشرع فقد أمرنا رسول الله أن نقول للظالم يا ظالم.

الساكت عن الحق شيطان أخرس

أخي المسلم، إن ترك مواجهة الشخص الظالم بالمرّة في جميع الحالات وهدم زجره عن الظلم ولم في وجهه أو نحو ذلك من العبارات يُعدّ إهمالًا وإعراضًا عن الحقيقة التي كان عليها رسول الله والصحابة والتابعين. وقد توعّد الله من يترك مواجهة الظالم لغير عذر بأن يقطع عنه نصرته.

فلا تخشَ أخي المسلم في الحق لومة لائم ولا سخط مخلوق.

إن صحَّ منكَ الرضا يا من هو الطلبُ *** فلا أُبالي بكل الناس إن غضبوا

قصدي رِضاك من الدنيا بأجمعها *** يا من إليه جميع الحُسن ينتسب