حفظ اللسان
الْحَمْدُ للَّهِ قَاهِرِ الْمُتَجَبِّرِ وَمُذِلِّهِ، وَرَافِعِ الْمُتَوَاضِعِ وَمُجَلِّهِ، لا يَعْزُبُ عَنْ سَمْعِهِ وَقْعُ الْقَطْرِ فِي أَضْعَفِ طَلِّهِ، وَلا يَغِيبُ عَنْ بَصَرِهِ فِي الدُّجَى دَبِيبُ نَمْلِهِ، رَفَعَ مَنْ شَاءَ بِإِعْزَازِهِ كَمَا حَطَّ مَنْ شَاءَ بِذُلِّهِ، اخْتَارَ مُحَمَّدًا مِنَ الْخَلْقِ فَكَأَنَّ الْكُلَّ خُلِقُوا مِنْ أَجْلِهِ “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الحق ليظهره على الدين كله” أحمده على أَجَلَّ الإِنْعَامِ وَأَقَلَّهُ، وَأَشْهَدُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ شَهَادَةَ مُصَدِّقِ قَوْلِهِ بِفِعْلِهِ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ لنقض الكفر وحله،
فقام معجزه ينادي: “فائتوا بسورة من مثله” صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَاصِلِ حَبْلِهِ، وَعَلَى عُمَرَ الَّذِي كَانَ يَفْرَقُ الشَّيْطَانُ مِنْ ظِلِّهِ، وَعَلَى عُثْمَانَ مُجَهِّزِ جيس الْعُسْرَةِ وَعَاقِدِ شَمْلِهِ، وَعَلَى عَلِيٍّ أَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ وَمُقَدَّمِ أَهْلِهِ. اللَّهُمَّ يَا مَنْ جَمِيعُ الْخَلائِقِ مُفْتَقِرُونَ إِلَى فَضْلِهِ، يَا مُنْعِمًا بِالْجَزِيلِ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، سَامِحْ كُلا مِنَّا فِي جَدِّهِ وَهَزْلِهِ، وَانْفَعْنِي وَالْحَاضِرِينَ بِمَا اجتمعنا لأجله.
أما بعد:
الأدلة من القرءان والحديث بأهمية حفظ اللسان
فقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)} سورة ق. وفي الآية تحذير من الله لعباده من أن يتكلموا بما يخالف الدين، وأن كل كلمة يقولها العبد يكتبها الملك فينبغي على العبد أن يحفظ لسانه فإنه إذا تكلم كتب إما له وإما عليه.
فينبغي على كل مكلّف أن يحفظَ لسانَه عن الكلام إلا كلامًا تظهرُ المصلحة فيه، ومتى استوى الكلامُ وتركُه في المصلحة فالسنّة الإِمساك عنه، وقد أمرنا القائد الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم بحفظ اللسان في أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرا أوْ لِيَصْمُتْ"، وقد قال الإِمام الشافعي رحمه اللّه: "إذا أراد الكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلَّم وإن شكَّ لم يتكلم حتى تظهر".
وعن أبي موسى الأشعري قال: قلتُ يا رسولُ اللّه، أيُّ المسلمين أفضلُ؟ قال: "مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ" متفق عليه. وروى البخاري في الصحيح عن سهل بن سعد رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "مَنْ يَضْمَنْ لي ما بينَ لَحْيَيْهِ وَما بينَ رِجْلَيْهِ أضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ".
وكثير من المهالكِ مِن كثرة الكلام، وقد روى الطبراني أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ارتقى الصفا فأخذ بلسانه وقال: "يا لسان قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم"، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أكثر خطايا ابن ءادم من لسانه" وروى الترمذي، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال: "مَنْ صَمَتَ نَجا"، وقال عليه الصلاة والسلام: "عليك بطول الصمت إلا من خير فإنه مطردة للشيطان عنك وعون لك على أمر دينك"، وقال عليه السلام فيما رواه الطبراني:
"إِنَّكَ لَمْ تَزَلْ سَالِمًا مَا سَكَتَّ، فَإِذَا تَكَلَّمْتَ كُتِبَ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ"، وروى الترمذي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "لا تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فإنَّ كَثْرَةَ الكَلامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى قَسْوَةٌ للْقَلْبِ، وَإنَّ أبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ تَعالى القَلْبُ القَاسِي"، وروى الترمذي أيضًا عن عقبة بن عامر رضي اللّه عنه قال: قلتُ يا رسولَ اللّه ما النجاة؟ قال: "أمْسِكْ عَلَيْكَ لِسانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ على خَطِيئَتِكَ"، وروى أيضًا عن أُمِّ حبيبة رضي اللّه عنها عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "كُلُّ كَلامِ ابْنِ ءادَمَ عَلَيْهِ لا لَهُ،
إِلاَّ أمْرًا بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أوْ ذِكْرًا للّه تَعالى". وروى أيضًا عن معاذ رضي اللّه عنه قال: قلت: يا رسول اللّه، أخبرني بعمل يُدخلني الجنة ويُباعدني من النار، قال: "لَقَدْ سألْتَ عَنْ عَظِيمٍ وإنَّهُ لَيَسِيرٌ على مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وَتَصًومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ" ثم قال: "ألا أدُلُّكَ على أبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِىءُ الخَطِيئَةَ كما يُطْفىءُ المَاءُ النارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ" ثم تلا { تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)}" سورة السجدة.
ثم قال: "ألا أُخْبِرُكَ برأسِ الأمْرِ وَعمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنامِهِ؟" قلت: بلى يا رسول اللّه، قال: "رأسُ الأمْرِ الإِسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهادُ" ثم قال: "ألا أُخْبِرُكَ بِمَلاكِ ذلكَ كُلِّهُ؟" قلت: بلى يا رسول اللّه، فأخذ بلسانه ثم قال: "كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا" قلت: يا رسول اللّه، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا معاذ (ومعناه انتبه لما تقول) وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إِلا حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟" وروى الترمذي أيضًا عن سفيان بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: قلت: يا رسول اللّه،
حدّثني بأمر أعتصم به، قال: "قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ" قلت: يا رسول اللّه ما أخوف ما يخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: "هَذَا" وروى أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "منْ حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ" يهلك أكثر الناس بسبب ألسنتهم وكثير من الناس يهلكون أنفسهم بسبب ألسنتهم لا سيما عند الغضب والمزح وكما قال الشاعر:
احفـــــــظْ لسانَـــــك أيُّهـــا الإِنســـانُ *** لا يلدغنَّــــــــــك إنــــــــه ثُعبـــــــــانُ
كم في المقابرِ من قتيلِ لسانِه *** كانت تهاب لقاءَه الشجعانُ
فحفظ اللسان يا عبد الله أمر مهم وأكثر ما يكون سببًا في هلاك الناس في الآخرة ألسنتهم، وقد جاء في الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أصبح ابن ءادم فإن أعضاءه تقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا" بماذا يكون حفظ اللسان وحفظ اللسان يكون عن كل ما حرم الله قوله، ومن ذلك الغيبة والنميمة والبهتان والكذب والفتوى بغير علم واليمين الكاذبة وألفاظ القذف وشهادة الزور والشتم واللعن.
الكفر وأنواعه
ولا سيما أكبر المحرمات وأخطرها وهو الكفر بأنواعه الثلاث، القولي كمسبة الله أو نبي من أنبياء الله أو ملك من الملائكة الكرام، أو مسبة دين الإسلام أو أي لفظ فيه استخفاف بالله أو ملائكته أو رسله أو شئ من شعائر دينه.
والفعلي كإلقاء المصحف في القاذورات.
والاعتقادي كاعتقاد المثيل أو الشبيه لله، كاعتقاد أن الله جسم له أعضاء أو أنه روح أو أنه نور بمعنى الضوء أو اعتقاد أن المولى عز وجل يسكن في جهة من الجهات كاعتقاد أنه يسكن السماء أو يجلس على العرش أو أنه في كل مكان بذاته والعياذ بالله، فربنا تعالى منزه عن صفات المخلوقين، فهو موجود لا شك في وجوده موجود بلا كيف موجود بلا مكان، مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك ليس كمثله شئ وهو السميع البصير.
وقد قال العلماء إن من صدر منه شئ من أقسام الكفر فعليه الرجوع فورا إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين بقول (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله)
الأدلة على الكفر القولي
ولا يعذر الشخص بالغضب أو الجهل أو المزح، والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} سورة التوبة.
وقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي وحسنه: "إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا" أي مسافة سبعين عامًا في النزول وذلك منتهى جهنم وهو خاص بالكفار من وصل إليه لا يخرج من النار إلى أبد الآبدين.
وفي رواية عند البخاري ومسلم: "إِنَّ العَبْدَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيها يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أبْعَد مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ" وفي رواية عند البخاري قال: "لا يُلْقِي لَها بالًا" والحديث دليل على أن من نطق بكلمة الكفر لا يُعذر بالغضب والهزل وإن لم يقصد، فكثير من الناس لا يبالون ولا يهتمون بضبط ألسنتهم وحفظها عن الكفر فيسارعون إلى التسخط على الله عند أي حادث يقع لهم أو مصيبة تحل بهم، وهم في الحقيقة يوقعون أنفسهم في الكفر الذي هو أكبر ذنب يقترفه العبد وهو الذنب الذي لا يغفره الله لمن مات عليه.
فماذا يجني هؤلاء المتهورون الهالكون حين يسبون الله أو يستهزؤون بأنبياء الله أو أي أمر معظم في الدين !! ثم يقولون ما قصدنا !! ما انشرحت صدورنا لما قلنا !! كنا غاضبين !! وكل هذا ليس عذرًا لهم، فهؤلاء خاسرون إن لم يتوبوا إلى الله بالرجوع إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين.
أقوال الصالحين في خطر اللسان
فاللسان أيها الإخوة الكرام خطره شديد، وأكثر العداوات سببها اللسان، وأكثر الخصومات سببها اللسان، وأكثر أسباب التباغض والتقاطع من اللسان، وكثير من الكفر يكون بسبب اللسان، والذي يكثر من الكلام الذي لا خير فيه يكون أكثر عرضه لهذا،
والنفس لها شهوة كبيرة في الكلام الذي تهواه من غير تفكير في عاقبته، فاللسان كما قال الإمام الغزالي رحمه الله: "جِرمه صغير وجُرمه كبير". وقال الإمام ابن حبان: "يا ابن ءادم أنصف لسانك من أذنيك واعلم إنما جعل لك لسان وأذنان لتسمع أكثر مما تقول". وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "من كثُر ضحكه قلت هيبته ومن أكثر من شئ عرف به ومن كثُر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياءه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه". وقال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه: "ما من شىء أحقُّ بالسجن من اللسان"، وقال غيرُه: "مَثَلُ اللسان مَثَلُ السَّبُع إن لم تُوثقه عَدَا عليك" وعن الأستاذ أبي القاسم القُشيري رحمه اللّه في رسالته المشهورة قال: "الصمتُ سلامةٌ وهو الأصل، والسكوتُ في وقته صفةُ الرجال، كما أن النطق في موضعه أشرفُ الخصال".
وقد قيل: "الزم الصمتَ فإنَّه يكسبكَ صفوَ المحبةِ، ويؤمِنُكَ سوءَ المغبةِ، ويُلبسكَ ثوبَ الوقارِ، ويكفيكَ مئونةَ الاعتذارِ، واصبر على إخوانكَ، وأصلح لهم شأنهم بالخفاء، وتذكر أن لك عيبًا يُفتضح إن لم تَستر عليهم". وقيل: "السَّلامَةُ في إِطالةِ الصَّمتِ والهَلاكُ في تَركهِ"، وقال ابن المبارك رحمه الله تعالى: "اتركْ فُضُولَ الكَلامِ تُوَفَّق للحِكْمَة". وكان رجل يُجَالسُ أحد الصالحين ويُطِيْلُ الصَّمْتَ، فَسُئِلَ عَنْ طُوْلِ صَمْتِهِ؟ فَقَالَ: أَسْمَعُ فَأَعْلَمُ، وأَسْكُتُ فَأَسْلَمُ.
وقال أحد الصالحين: "الكَلَامُ فِيْما يَعْنِيْكَ خَيرٌ مِنَ السُّكُوتِ عَمَّا يَضُرُّكَ، والسُّكُوتُ عَمَّا لَا يَعْنِيك خَيرٌ مِنَ الكَلَامِ فِيْما يَضُرُّكَ. وإِمْلَاءُ الخَيْرِ خَيرٌ مِنَ الصَّمْتِ، والصَّمتُ خَيْرٌ مِنْ إِمْلَاء الشَّرِّ. وقال بعض الحكماء: "إنَّما خُلِقَ للإنسان لسانٌ واحدٌ، وعينانِ، وأُذنانِ، ليسمعَ ويُبْصِرَ أكثرَ مما يقول".
لسانُكَ لا تذكرْ به عَورَة امرئٍ *** فَكُلُّـــــكَ عَــــوراتٌ وللنَّـــاسِ ألسُــــنُ
وَعَينُكَ إِنْ أَبْدَت إِليكَ مَعَايِبًا *** فدعــها وقُلْ يَا عَينُ للنّاسِ أَعْيُنُ
فالصَّمْتُ مِن الصَّبْرِ، ولا يكون الـمُتَكَلِّم أورعَ مِن الصَّامِتِ، إلَّا رجلٌ عالمٌ يتكلم في موضِعِه ويَسْكُتُ في موضِعِه. وقيل: "الابتسامةُ كلمةٌ طيبةٌ بغير حُروفٍ"، وقال أحد الحكماء: "مَنْ قَالَ ما لَا يَنْبَغِي، سَمِعَ مَا لَا يَشْتَهِي". وقيل: ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه أصابَ البر: السَّخَاءُ، والصَّبْرُ على الأَذَى، وطِيْبُ الكَلام. وقيل: "وخيرُ الكلامِ ما دَلّ على هُدًى، أو نَهَى عَنْ رَدَى"، وقيل: "خصلتان تقسيان القلب: كَثرةُ الأَكلِ، وكثرةُ الكَلَامِ"، وقيل:
" كَمْ مِنْ وَجْهٍ مَلِيْحٍ، وَلِسَانٍ فَصِيْحٍ، غَدَا يَوْمَ القِيَامَةِ في النَّارِ يَصِيْحُ". وقيل: "لا شىء يخترقُ القلوبَ كلُطْفِ العِبَارة، وبذل الابتسامة، ولين الكلام، وسلامة القَصْدِ، ونَقَاء القَلب، وغَضّ الطَّرْفِ عن الزَّلَّات". قال بعض الفصحاء: "أمسك لِسَانَك إلَّا عَنْ حَقٍّ تُوَضِّحُهُ، أَوْ بَاطِلٍ تَدْحَضُهُ، أَوْ حِكْمَةٍ تَنْشُرُهَا، أَوْ نِعْمَةٍ تَذْكُرُهَا". وقال أحد الصالحين: "لَوْ أَنْ صَاحِبَ خَبَرٍ جَلَسَ إِلَيْكَ لِيَكْتُبَ كَلَامَكَ لَاحْتَرَزْتَ مِنْهُ، وَكَلَامُكَ يُعْرَضُ عَلَى الله تَعَالَى فَلَا تَحْتَرِز !!".
وقال أحد الصالحين: "مَنْ أَطَالَ صَمْتَهُ اجْتَلَبَ مِنَ الْهَيْبَةِ مَا يَنْفَعُهُ"، وقال مَعْروفٌ الكَرْخِي رحمه الله تعالى: "كَلَامُ الْعَبْدِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ خِذْلَانٌ مِنَ الله عَزَّ وَجَلَّ". وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: "رُبَّ كَلِمَةٍ جَرَى بها اللسَانُ، فَهَلَكَ بِهَا الإنسان". قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: "إنَّما الفَقِيه الذي أَنْطَقَتْه الخشية، وأسْكَتَتْه الخشية، إنْ قالَ قالَ بالكتاب والسنة، وإنْ سَكَتَ سَكَتَ بالكتاب والسنة"، وقال عبدُ الله بن مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه:
"لِسَانُكَ سَيْفٌ قَاطِعٌ يَبْدَأُ بِكَ، وَكَلَامُكَ سَهْمٌ نَافِذٌ يَرْجِعُ عَلَيْكَ، فَاقْتَصِدْ فِي المَقَالِ، وَإِيَّاكَ وَمَا يُوْغِرُ صُدُوْرَ الرِّجَالِ". وقال أحد الصالحين: "الصَّمْتُ أَمَانٌ مِنْ تَحْرِيْفِ اللَّفْظِ، وعِصْمَةٌ مِنْ زَيْغِ المَنْطِقِ، وسَلَامَةٌ مِن فُضُولِ القَوْلِ، وهَيْبَةٌ لِصَاحِبِهِ". وقال أحد الصالحين: "المعْرِفَةُ إِلَى السُّكُوتِ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى الكَلَام. وقِيلَ: إِذَا كَثُرَ العِلْمُ قَلَّ الكَلَامُ، وإِذَا كَثُرَ الكَلامُ قَلَّ العِلْمُ". "حِفْظُ اللِّسَانِ أَشَدُّ عَلى النَّاسِ مِنَ حِفْظِ الدِّينارِ والدِّرْهَمِ"، والقلم أحد اللسانين فلا تكتب إلا حقًا وصدقًا.
ومـا مـــن كاتــب إلا سيفنى *** ويُبقي الدهر ما كتبت يداهُ
فلا تكتب بكفك غير شىء *** يسرك في القيامة ان تراه
قال أحد الصالحين: الدنيا سرورها مشوب بالحزن، وءاخر الحياة فيها الضعف والوهن، فانظر إليها نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر إليها نظر العاشق الوامق.
وصدق من قال: الدنيا أولها ضعف وفتور، وءاخرها موت وقبور.
والزهدُ على ثلاثةِ أوجهٍ: الأولُ: تركُ الحرامِ وهوَ زُهدُ العوامِّ. الثاني: تركُ الفُضُولِ من الحلالِ وهو زُهدُ الخواصِّ. الثالثُ: تركُ ما يشغلُ العبدَ عن اللهِ وهو زهدُ العارفينَ. فالزاهد يترك الدنيا ولا يبالي من أخذها، والزُّهدُ تركُ ما يَشغلُ عن اللهِ تعالى. فازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس.
قال أحد الصالحين: الدنيا شوك فانظر أين تضع قدمك. وقال أحدهم: الدنيا لا تغني عن الآخرة، الآخرة أمام الكل، من استعد لها ومن لم يستعد لها لا بُدَّ أن يصير إليها. وقال بعضهم: الذي يكون في الدُّنيا متقلبًا في الراحات من غير أن يصاب بالبلاء قليلُ الخير في الآخرة عند الله، فالذي أراد الله به خيرًا يبتليه في هذه الدنيا بالمصائب الدنيوية ويحفظه من مصائب الدين، قال صلى الله عليه وسلم: "من يردِ اللهُ بهِ خيرًا يُصِب منهُ" رواه البخاري. وقال بعضهم: الذي يتحمَّلُ أذى النَّاسِ، ويكفُ أذاهُ عنهُم مثلُه كمَثَلِ المتنَفِّلِ بطاعةِ اللهِ بلا فُتورٍ.
السفرُ سفرانِ: سفرٌ بالبدنِ وهو الانتقالُ من بقعةٍ لبقعةٍ، وسفرُ القلبِ: وهو الارتقاءُ من حالٍ لحال. اعلموا أن الصبر بجميع أنواعه ضياء للقلوب. والصبرُ عبادةُ الصالحينَ. والصبر عند الصدمة الأولى، عند أول المصيبة.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على امرأةٍ تبكي على قبرٍ فقال: "اتقي اللهَ واصبري" ولم تكن هذه المراةُ تعلمُ أن من يُحَدِثُهَا هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم ! فقالت: إليكَ عني فإنكَ لم تُصب بمصيبتي. فقيل لها إنهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فأتت بابَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فلم تجد عندَهُ بوَّابينَ، فقالت: لم أعرِفكَ، فقال: "إنما الصبرُ عندَ الصدمةِ الأولى" رواه البخاريُّ ومسلم.
فعليكم بالصبر فإن الصَبرُ مُفتاحُ الفرجِ، والذي يصبِرُ يَتَرَقَى فِي الدَرَجَاتِ.
الطيبونَ لَا تتغيرُ صفاتهُم حتَى لَو تغيرَتْ أحوالهُم، فالكريمُ يظلُ كريمًا حتَى لَو افتقرَ، والمتسامِحُ يظلُ متسامحًا حتَى لَو ظُلِمَ.
اللهم احفظنا بحفظك وعافنا واعفُ عنا ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين إنك بعبادك لطيف خبير. وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.