بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين قال شيخنا رحمه الله رحمةً واسعة، أما بعد فقد رُوّينا في صحيح البخاري في كتاب العلم، قال البخاري رضي الله عنه بابٌ: العلم قبل العمل لقوله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) قاله رضي الله عنه أي قاله البخاري، في صحيحه في كتاب العلم، وهو أول كتابه الجامع الصحيح هذا الكتاب المشهور بين المسلمين المعروف بالجامع الصحيح أول كتابٍ فيه هو كتاب الإيمان ثم كتاب العلم، قال رضي الله عنه بابٌ:

العلم قبل العمل، لقوله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) استدل بهذه الآية فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك على أن العلم قبل العمل وذلك لأن الله تبارك وتعالى بعد أن خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله فاعلم، أتبع ذلك بالاستغفار، الاستغفار اللساني عملٌ من الأعمال كقول أستغفر الله، أو اللهم اغفر لي، هذا عملٌ من الأعمال،

وأما قوله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله) فهو إثباتٌ لإيجاب معرفة الله قبل كل شيء، المعنى أن معرفة الله هو أول الواجبات، لأنه أساس الدين، أي فإن الأعمال لا تقبل إلا بعد معرفة الله الأعمال كائنة ما كانت لا تقبل إلا بعد معرفة الله، بعد المعرفة تصح كل الأعمال من صلاة وصيام وزكاة، وبر الوالدين، وخدمة الناس رحمة وشفقة عليهم سائر الأعمال لا تكون مقبولة معتبرة عند الله إلا بعد العلم، وهذا العلم الذي هو شرطٌ لقبول الأعمال هو معرفة الله، معرفة الله هو أساس الأعمال هو أساس الدين، ومعرفة الله تعالى ليس مجرد الاعتراف باللسان بقول لا إله إلا الله، إنما معرفة الله هو أمرٌ قلبي يعبر عنه اللسان، فالمعرفة التي هي لا بد منها للإيمان هي أن يعتقد الإنسان اعتقادًا جازمًا لا يخالطه شكٌ في وجود الله تعالى،

من غير تشبيه له من صفات البشر، ولا غير البشر، أي من غير تشبيه له بخلقه، لأن الدليل العقلي والدليل الشرعي قد قاما على أن معرفة الله تعالى لا تكون مع التشبيه بخلقه، أما العقل فيقضي بأن الخالق لا يشبه مخلوقه، يعني من حيث العقل الخالق لا يشبه مخلوقه، هذا العقل يقضي به، كذلك العقل يقضي بأن الشيء لا يخلق مثله، وهذا أيضًا يقضيه العلق، الجسم لا يخلق الجسم، الحجم لا يخلق الحجم، بما أن الله تبارك وتعالى هو خالق كل شيء، هذا يفيد أن الله تعالى لا يشبه شيئًا، لأنه هو خلق كل شيء ولا يجوز أن يكون مشبهًا لشيء هو خلقه سبحانه وتعالى، والنقل القرآني كذلك يقضي بأن الخالق لا يشبه مخلوقه، قال الله تعالى (ليس كمثله شيء) هذه الجملة تحوي التنزيه كله،

تتضمن تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين على الإطلاق، هي بعض الناس لوجازة لفظها حيث إنه لا تعديد فيها للجزئيات التي هي شرح لتنزيه الله تعالى يمرون عليها ولا يفهمون ما فيها، لأنها تحوي كلمات قليلة وليس فيها تعديد الجزئيات، أن الله تعالى ليس كمثل البشر ليس كمثل الجن ليس كمثل الضوء، ليس كمثل الظلام، بما أنها ما فيها هذا التعديد، هي كلمات قليلة، لا يفهمون ما فيها، لا يفهمون ما تحوي هذه الآية ليس كمثله شيء من المعاني، كم من أناس يقولونها بألسنتهم ليس كمثله شيء، ولا يعتقدون معانيها، بل يعتقدون خلاف معانيها، فالآية جامعة شاملة كافية لكن أفهام الناس تختلف، أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يفهمون من هذه الآية التنزيه المطلق،

أي أن لا يشبه البشر بوجه من الوجوه ولا يشبه الجمادات ولا يشبه النيرات، ولا يشبه الظلمات، لا يشبه شيئًا من العالم، هكذا كانوا هم يفهمون من هذه الكلمة الوجيزة، لذلك أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حين كانوا يسمعون الآية المتشابهة وقد عرفوا هذه الآية لا يعتقدون في الله تعالى ما لا يليق به، لأنهم فهموا من هذه الكلمات ليس كمثله شيء أن الله لا يشبه شيئًا من العالم، لا يشبه أي شيءٍ من هذا العالم، فهموا منها التنزيه الكلي، فصاروا إذا سمعوا (الرحمن على العرش استوى) أو (ءأمنتم من في السماء) أو (وهو معكم أينما كنتم) أو (والله من وراءهم محيط وهو أقرب إليهم من حبل الوريد) كل هذا إذا سمعوه لا يفهمون منه أن الله تبارك وتعالى يشبه شيئًا من الخلق،

بعد أن عرفوا ليس كمثله شيء، لذلك هذه الآية تسمى الآية الجامعة للتنزيه وهي أوضح وأعظم آية وأصرح آية في تنزيه الله عن مشابهة الخلق، بما أنهم كانوا يعرفون العربية بالسليقة دون دراسة علم النحو والصرف، فكانوا يفهمون موارد الألفاظ، هذا اللفظ لأي شيء يستعمل في لغة العرب، هذا اللفظ ماذا يعني في لغة العرب، فيفهمون حين يقرأ عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم، هذه الآية أن الله تعالى لا يشبه شيئًا من خلقه، بعد هذا إن سمعوا أي آيةٍ من الآيات المتشابهات، لا يعتقدون في هذه الآية ما يخالف ليس كمثله شيء، لا سيما وأنهم عرفوا ما ورد في القرآن الكريم (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب) عرفوا ذلك،

أم الكتاب أي المرجع والأصل الذي يرجع إليه في تفسير كل الكتاب، فلا يخرجون في تفسير أي آية في فهم أي آية عن مقتضى هذه الآية المحكمة وعن مقتضى كل الآيات المحكمات فهموا ذلك، عرفوا ذلك، لذلك في عصر الصحابة في عصر السلف الصالح في القرون الثلاثة الأولى القرن الذي كان فيه الرسول عليه الصلاة والسلام هذه المئة والمئة التي تليها والمئة التي تليها، كان غلب على العلماء أنهم لا يدخلون في تأويل الآيات المتشابهات تأويلًا تفصيليًا، لأنهم عرفوا أن الناس فهموا من هذه الآية ليس كمثله شيء أن الله لا يشبه شيئًا من خلقه، وبعد هذا إن سمعوا أي آيةٍ متشابهة لا يعتقدون بسبب سماعهم لها معنًى لا يليق بالله تبارك وتعالى أو إذا سمعوا شيئًا من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا لا يعتقدون من سماعهم لهذا الكلام المتشابه من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام لا يفهمون معنًى لا يليق بالله تبارك وتعالى مثلًا كقول النبي صلى الله عليه وسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد،

هذا إذا سمعه الصحابي من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لا يفهم أن الساجد يكون أقرب حسًا إلى الله، وهو ساجد، لأن الله تبارك وتعالى الأرض بالنسبة إلى ذاته كالعرش ليس العرش أقرب إلى ذات الله من الأرض لأن الله سبحانه وتعالى لا مناسبة بينه وبين شيئًا من خلقه يعني لا مشابهة بينه وبين شيء من خلقه، لأن المناسبة إنما تكون بين المتماثلات، بين المتشابهات، هكذا كانوا هم يفهمون من هذه الكلمة الوجيزة، ثم من سوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراتب في فهم معنى هذه الجملة، من الناس من يفهمون منها التنزيه المطلق، أي أن الله لا يشبه شيئًا بوجه من الوجوه،

أما بالنسبة للبشر فأول صفاته الحدوث، أول صفة البشر الحدوث، وهو أنه لم يكن موجودًا ثم صار موجودًا وهذا البشر صفاته صارت فيه، يعني الله تعالى أحدث البشر أحدث الإنسان وأحدث فيه خلق فيه الصفات التي فيه، معنى ذلك أن صفات البشر قامت به بعد أن لم تكن قائمة به وهذا يدل على حدوثه، يدل على أنه حادث لأنه تغير،

أما حين نقول الله تبارك وتعالى له علمٌ قائمٌ بذاته، معناه ثابتٌ له، كما أن الله ذاته أزلي كذلك علم الله أزلي، حين نقول سمع الله قائمٌ بذاته أي ثابتٌ له، ليس شيئًا طرأ له بعد أن لم يكن، كذلك حين نقول كلام الله صفته قائمٌ بذاته أي ثابت له، شيء ثابت لله سبحانه وتعالى، ليس شيئًا طرأ بعد أن لم يكن ليس شيئًا قام بذاته بعد أن لم يكن قائمًا بذاته، لا هذا من صفات المخلوقين، قيام الصفة بالشيء بعد أن لم تكن هذه الصفة قائمة به هذا معناه أنه تغير معناه أنه حادث، نقول الله تعالى صفاته هذه السمع البصر الكلام الإرادة القدرة، الحياة، قائمة بذاته، أي ثابتة له، ليس معنى قولنا أنها قائمة بذاته أنها قامت أي صارت بعد أن لم تكن،

لا، هذا في المخلوق نقول، قام بي البصر، قام بي السمع، قام بي الكلام، الكلام الذي يقوم بي يظهر بعد أن لا يكون موجودًا، أسكت فلا أكون متكلمًا ناطقًا عند الصمت، أكون ناطقًا إذا نطقت بهذه الحروف بهذه الكلمات، بهذه اللغة، التي أنا أتكلم بها، فأول صفات البشر الحدوث، أي لم يكن ثم كان، وهذا شيءٌ يعرفه من نظر بقلبه النظر الصحيح يعني هذا يعرفه الشخص الذي استعمل عقله كما ينبغي فنظر نظرًا صحيحًا، كل واحدٍ منا يعلم، أنه لم يكن ثم كان، كل واحد عاقل يعلم يقول أنا لست أزليًا أنا لم أكن ثم صرت موجودًا ويدل على ذلك تغيري، لأنني أتغير من حالٍ إلى حال يحصل فينا تغير، أليس نكون في ضعف ثم نصير في قوة ثم نعود إلى الضعف بعد القوة،

هذا تغير، يدل على أنني لم أكن ثم صرت موجودًا، وما لم يكن ثم كان، فلا بد له من مكون، فيستنتج كل واحد منا إذا فكّر بأمر نفسه أنه لا بد له من مكون كونه وخلقه وأوجده، الله تعالى أمرنا أن ننظر في أنفسنا أن نتفكر في أنفسنا، ثم يعلم هنا أن مكونه لا يشبهه بوجه من الوجوه لأنه لو كان يشبهه ما استطاع أن يخلقه، إذا واحد عنده عقل سليم، نقول له الإنسان ل يستطيع أن يخلق شيئًا كل شيء يشبهه شيء لا يجوز أن يكون خالقًا لهذا الشيء، فالإنسان ليس خالقًا لنفسه وليس خالقًا لفعله وليس خالقًا لغيره، لا يجوز أن يكون خالقًا لأنه هو في حد ذاته مخلوق، يقوله ذو العقل الصحيح ذو السليم إن مكوني الذي أوجدني من العدم إلى الوجود لا يشبهني بوجه من الوجوه لو كان يشبهني ما استطاع أن يخلقني لأنه لو كان يشبه مكون الإنسان الإنسان لصح أن يكون هذا الإنسان نفسه ويكون أمثاله وأشباهه لكن هذا مستحيل،

فتبين وظهر أن مكون الإنسان لا يشبه الإنسان بوجه من الوجوه وكذلك سائر العالم، وهذا فيه ردٌ على الذين يقولون الله له ولد أو يقولون الأب والابن وروح القدس، يقولون هذا إله واحد هذا الكلام باطل لا يقبله العقل السليم، لو جازت الألوهية لأب له ولد لجازت الألوهية عقلًا لكل أبٍ له ولد، وهذا مستحيل وما أدى إلى المستحيل فهو مستحيل، الولد مخلوق والوالد مخلوق فليس هذا إلهًا وليس هذا إلهًا، ثم الإله واحدٌ لا يجوز أن يكون شيئًا متعددًا ولا يجوز أن يكون شيئًا مركبًا، لو أنه كان شيئًا مركبًا لاحتاج لشيئًا ركّبه، والمحتاج إلى غيره لا يكون إلهًا، إذا واحد قال لك ما الدليل على أن جسمك مخلوق أو حادث، تقول له هذا الجسم مركب،

والمركب يحتاج لمن ركبه، وهذا الجسم شغل حيزًا من الفراغ له مساحة له مقدار من الحجم، والشيء الذي له مقدار من الحجم يحتاج إلى من حده على هذا الحد بدل غيره مما يجوز عليه عقلًا، لماذا هو على هذا الحد الذي هو عليه بتقدير مقدّرِ، لأنه الله شاء وقدّر وعلم أنه يكون على هذا الحد على هذا المقدار على هذه المساحة، فكان كما شاء الله تبارك وتعالى، فإذًا المقدر بالمساحة الذي له حجم الذي يشغل حيزًا من الفراغ يحتاج لمن حدّه بهذا الحد لمن جعله على هذا المقدار، بدل غيره مما يجوز عليه عقلًا، يعني هذا الإنسان من حيث ذاته في العقل، يجوز عليه أن يكون أكبر من هذا حجمًا، أو أصغر، أن يكون وسطًا بين هذا أو أكبر أن يكون أقل من هذا مما هو عليه،

كيف صار هذا الإنسان بهذا الحجم وكذلك سائر الأجرام، إن كانت لطيفة أو كثيفة، كيف صارت على الحد على المقدار الذي هي عليه بدل غيره مما يجوز عليها، بتقدير الله سبحانه وتعالى، والذي هو مقدّر لا يجوز أن يكون مقدرًا لنفسه، الذي هو محدودٌ لا يجوز أن يكون حدّ نفسه جعل نفسه على هذا الحد، لثبوت أن الشيء مستحيل أن يكون خالقًا لنفسه في العقل، لأنه لو قيل زيد خلقه نفسه لأدى هذا إلى الباطل لأدى هذا إلى المحال، والشيء الذي يؤدي إلى المحال اللفظ الكلام الذي يؤدي إلى المحال هو محال، لأن معنى قول الشخص زيدٌ خلق نفسه، معناه شيء مستحيل، معناه أنه زيدٌ لكونه خالقًا لنفسه كان موجودًا قبل أن يكون موجودًا هل يعقل أن يكون الشيء موجودًا قبل أن يكون موجودًا لا،

وباعتبار كونه مخلوقًا لأنه قال العالم خلق نفسه بنفسه أو الإنسان خلق نفسه بنفسه، أو زيد خلق نفسه بنفسه، باعتبار كونه مخلوقًا يكون هو مخلوقًا بذاته على زعمهم، الذي خلقه قبل أن يكون موجودًا، هذا محال وما أدى إلى المُحال فهو مُحال، لأن الخالق من ضررورة العقل أنه لا بد أن يكون موجودًا قبل الشيء الذي يخلقه حتى يوجده إن كان غير موجود يُوجد كيف هذا، هذا شيءٌ مستحيل المعدوم يُوجد، لا، لا بد أن يكون موجودًا، فكيف يقال زيد خلق نفسه بنفسه وهو كان معدومًا قبل أن يوجد، هذا يؤدي إلى المُحال وهو القول أن زيدًا كان موجودًا باعتبار كونه خالقًا لنفسه على ما قال هؤلاء قبل أن يكون موجودًا وهذا مُحال، من نظر بعقله فيها يعلم أن مكون هذا العالم لا يشبهه بوجه من الوجوه فالعقل والنقل أي الدليل القرآني يقضيان بأن مكون العالم لا يشبه العالم وأما من غلظ طبعه وكان فهمه سقيمًا ما عنده فهم صحيح،

فاعتقد أن مكون العالم يشبه العالم فلا يلومنّ إلا نفسه، ما له عذر، لو قال أنا هكذا نشأت وأنا هكذا علموني، أو هكذا في المدرسة درسوني، أو في الجامعة هكذا درسوني، فلا يلومنّ إلا نفسه، لماذا، لأنه هو ضيّع نفسه الله أعطاه العقل وهو ما استعمله كما ينبغي فاعتقد الباطل الذي لا يقبله العقل السليم فلا عذر له، يكون هو ضيّع هذا العقل الذي هو موهبة من الله، ليميز به الإنسان بين الصحيح والباطل، هذا معنى العقل، صفة جعلها الله تعالى في الإنسان ليميز بها الإنسان بين الحق والباطل، بين الحسن والقبيح، فهو مطلوب منه أن يستعمل هذا العقل ليميز به هذا التمييز الذي ينفعه، إن هو أهدره ضيعه أهمله فلا يلومن إلا نفسه، وأي باطل تشبيه الله تعالى بالعبد نفسه أو بشيء من هذه الأجرام العلوية أو السفلية هذا باطل ظاهر كالذين يقولون الله جسم له استقرار فوق العرش،

أو له محاذاة للعرش، أو له صعودٌ حقيقي أو له نزولٌ حقيقي، أو له جوارح أو له أعضاء كل هؤلاء ضيعوا العقل ضيعوا قيمة البرهان العقلي، الدليل العقلي في وجوب تنزيه الله عن مشابهة البشر وغيرهم من أنواع العالم وأجناسه هو أن الخالق المكون للشيء يستحيل أن يكون مشابهًا له، احفظوها هذه الجملة، هو أن الخالق المكون للشيء يستحيل أن يكون مشابهًا له، لذلك الله تبارك وتعالى حضّ في آيات عديدة على التفكر في مصنوعاته أي مخلوقات الله تعالى، حتى إن القرآن الكريم أرشدنا إلى التفكّر في ما أودعه الله تعالى فينا، في هذا الجسم البشري، حتى هذا الذي فينا أُمرنا في القرآن أن نتفكر فيه، كما أرشدنا إلى التفكر بالعالم العلوي والعالم السفلي قال الله تعالى (وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون) يعني ينبغي أن نتفكر في أنفسنا أفلا تبصرون،

يعني ينبغي أن نتفكر كيف أننا نأكل طعامًا يكون غير سائغٍ فإذا مضغناها سوغه الله تعالى جعله سائغًا يصلح أن يدخل في الجسم، ثم بعد أن يدخل في الجسم هذا الطعام يصير شيء في المعدة حتى يستفيد منه الإنسان ثم هذا الغذاء يستحيل شيء منه ينتفع منه الإنسان شيءٌ يستحيل إلى البول شيء يستحيل إلى الغائط وهذا لو بقي فينا لهلكنا، الله سبحانه وتعالى سهّل لنا في حال الصحة خروجه من البدن حتى لا يؤذينا فيخرج منا هذا الغائط الذي لو بقي فينا لضرنا ويخرج منا البول الذي لو بقي فينا لضرنا ضررًا كبيرًا، لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافني، يعني أحمد الله تعالى الذي مككني من أن أخرج هذا الذي يكون فيّ من بول وغائط الذي لو بقي فيّ لهلكت،

كان ليضرني ضررًا شديدًا، هذا ينبغي أن يتفكر فيه الإنسان، تلاحظون أن الإنسان يصيبه الله يعافينا جميعًا هذا المرض في الكلى وتتعطل الكلى حين يُعمل له ما يسمى غسيل الكلى، كم من آلة يستعمل له حتى يفعل هذا ليستفيد من ذلك وقتًا قصيرًا، مع أن الكلى حجمها صغير وتعمل هذا العمل في البدن ويستطيع الإنسان بقدرة الله تبارك وتعالى أن يحيى سليمًا ولو بكلية واحدة، لكن إذا تعطلت كليتاه يحتاج إلى أن يذهب ليعمل هذه الأشياء ليخرج الدم ويدخل الدم كل هذا يكون في جسمه تعمله هذه القطعة الصغيرة من اللحم، وهذا القلب الذي يعمل يدخل الدم ثم يخرج يفكر الإنسان وبدون إرادة منه، أن تكون نائمًا وهذا القلب يعمل، من دون إرادة منك أنت لا توجه قصدك نحو قلبك ولا تصدر له الأمر اعمل في هذه الست ساعات التي أنامها عملًا يحفظ بدني،

ويحفظ الدم يجري في عروقي، هل أنت توجه له ذلك (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) يجب أن يستعمل العقل على حسب ما أمر الله تبارك وتعالى إلى الحد الذي يحصل به ما يلزمنا لأن الإمام أبا الحسن الأشعري قال من فروض الأعيان معرفة الدليل العقلي على وجود الله من فروض الأعيان، لما يقول من فروض الأعيان، يعني يجب أن نستعمل عقلنا بحيث نعرف هذا الدليل العقلي الإجمالي على وجود الله تبارك وتعالى المعنى أن هذه الأرض فيها دلائل على وجود خالقٍ لها، بإحداثه لها حدثًا، ولولا إحداثه لم تحدث نفسها، كذلك هذا الإنسان يعلم أنه لم يكن ثم كان، وما كان بعد أن لم يكن لا بد له من مكوّن، فتكون النتيجة أنا لا بد لي من مكوّن هذا الدليل العقلي الواجب على كل مكلفٍ أن يعلمه،

أنا كنت بعد أن لم أكن، وما كان بعد أن لم يكن لا بد له من مكون فالنتيجة أنا لا بد لي من مكوّن، أو مثلًا الأرض تتغير من حالٍ إلى حال وكل متغير لا بد له من مُغير، النتيجة أن الأرض لا بد لها من مغير يغيرها من حال إلى حال، وهي لا تغير نفسها، بالدليل الذي ذكرناه فيما لو قال قائل خلق زيد نفسه، النتيجة أنا لا بد لي من مكوّن ويعلم بعد إيراد هذا الاستدلال أن مكونه موجودٌ لا يشبهه لأن العقل يقضي أن الجسم لا يخلق الجسم وأن الشيء لا يخلق شبيهه، لا يخلق مثله، كذلك لو واحد نظر في الأرض في النبات الذي يخرج من الأرض، الليمون الحامض أليس له طعم حامض والبرتقال أليس له طعم نقول عنه حلو والرمان منه حلو ومنه حامض يكون وكل من هذه الأشياء تسقى بماءٍ واحد،

التوت الذي طعمه مر والذي طعمه حلو يسقى بماء واحد والليمون الذي هو طعمه حامض يسقى بماء واحد، والبرتقال الذي طعمه حلو يسقى بماء واحد كيف صار هذا إلى المرارة وهذا إلى الحلاوة وهذا إلى الحموضة، كيف صار هذا، والماء الذي ينزل في الأرض يسقي العروق التي في الأرض واحد ماء واحد، بخلق الله سبحانه وتعالى الماء لا يخلق شيئًا، نحن الآن نعطش فنشرب، لأننا نعطش فيروينا هذا الماء، سيدنا عيسى عليه السلام الآن يعيش في السماء الثانية لا يجوع ولا يعطش، مع أنه بشر مثلنا من حيث التركيب الجسماني هو بشر، له قلب وله رئة وله كلية وفيه دم وعصب ولحم وعظم، كيف يعيش مستغنيًا عن الطعام والشراب، وهو ليس من الملائكة، الله أغناه عن ذلك،

أم أيمن الحبشية بركة رضي الله عنه الرسول قال هي أمي بعد أمي، هذه هاجرت كانت ملكًا لأم الرسول أو لأب الرسول صلى الله عليه وسلم ثم صارت للرسول ثم حضنته بقيت معه إلى آخر حياته، هذه رضي الله عنها صارت ولية صالحة، هاجرت لما صارت الهجرة هاجرت وحدها من مكة إلى المدينة لأن الهجرة كانت واجبة، هي قالت كنت في مسيري من مكة إلى المدينة، وتعرفون في ذلك الوقت لا قطار ولا سيارة، إما الدابة وإما المشي، وثمانية أيام يقضي الشخص بهذا المشي ليقطع من هناك إلى المدينة المنورة، قالت عطشت عطشًا شديدًا تعرفون حر بلاد الحجاز لا سيما في الصيف، قالت فسمعت حفيفًا سمعت صوتًا فوق رأسي، فنظرت فإذا بدلو أبيض متدلٍ فأخذت فشربت منه فما عطشت كل حياتي قالت كنت أطوف حول الكعبة في الهجير في وقت الحرارة الشديدة لا أجد عطش،

وهي مثلنا من حيث التركيب الجسماني، لحم وعظم وعصب كيف كانت لا تعطش، لأن كل شيء بخلق الله، الماء لا يخلق الري، وهذا الثوب لا يخلق الدفء ولا يخلق البرودة، سيدنا علي رضي الله عنه الرسول دعا له قال اللهم أذهب عنه الحر والقر، اللهم قه الحر والقر، وكان سيدنا علي في الحر الشديد يلبس الصوف ويطوف حول الكعبة، ولا يجد حرارة مزعجة منه لأن الله تبارك وتعالى ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم جنبه الحر والبرد، يعني معناه الثوب لا يخلق البرودة، ولا يخلق الدفء الذي يخلق هو الله، بعض الناس يقول لك كيف إذا أغلقت المرطبان وفيه زيتون أو فيه شيء آخر، يطلع سوس أو يطلع دود والمرطبان مغلق، يقول كيف هذا، تقول الذي خلق الأصل خلق الفرع،

ليس الحب الحمص هو خلق السوس أو الزيتون هو خلق الدود، الجواب سهل، الذي خلق الأصل خلقه هذا الذي خرج منه، الله خالق كل شيء سبحانه وتعالى، هم يظنون أنهم على زعمهم أنهم وجدوا شيئًا عجيبًا غريبًا ليقولون للمسلمين، الجواب سهلٌ الذي خلق الأصل هو الذي خلق الفرع الذي خلق هذا الحب خلق هذا الشيء الذي خرج منه، خلق الحمص خلق ما خرج منه سبحانه وتعالى ثم إن الله تبارك وتعالى ليبتلي عباده أنزل آيات في القرآن الكريم وظاهرها غير مرادة لله تبارك وتعالى إنما أنزلها ابتلاءًا لعباده لأنه يعلم أن بعض العباد لا يحملون هذه الآيات على ظواهرها، بل يضعونها في مواضع تليق بها من التنزيه وأن بعضهم يضعونها في غير مواضعها، هذا الجواب إذا إنسان سألك لماذا جعل الله تبارك وتعالى آيات القرآن بعضها متشابهة وبعضها محكمة،

لما لم تكن كلها من المحكمات، الجواب هذا مما ابتلى الله تعالى به عباده، الله يبتلي عباده بما شاء من أنواع الابتلاءات وعليهم أن يسلموا له، ولا يجوز لهم أن يعترضوا عليه أليس العبد الطائع يبتلى بالمرض، أليس بعض الأنبياء قتلهم بعض الكفار، أليس بعض الأولياء قتلهم بعض الكفار، بلاء هذا، سيدنا عثمان أليس كان وليًا كبيرًا وذبح ذبحًا، سيدنا زكريا أليس كان نبيًا ونشر بالمنشار، سيدنا يحيى أليس كان نبيًا وقطع رأسه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أليس أوذي وضرب وكسرت رباعيته وشج وجهه الشريف ووقع عن فرسه، صلى الله عليه وسلم وهو أفضل خلق الله، الله تعالى يبتلي عباده بما شاء من أنواع الابتلاءات إبليس أليس منذ كفر وهو يعمل في الوسوسة للناس،

أليس وسوس إلى آدم وحواء من غير أن يدخل في آدم، الله قال فوسوس لهم الشيطان، وهو دائمٌ في هذا يبقى يوسوس للناس، ماذا يقال عن هذا ابتلاء من الله لعباده، والله يبتلي عباده بما شاء من أنواع الابتلاءات، لا يجوز لهم أن يتسخطوا عليه ولا يجوز لهم أن يعترضوا عليه، من جملة الابتلاءات أن بعض آيات القرآن متشابهات، بعض الآيات محكمات، فبعض الناس يحملونها على ما يليق بها، ينزلها المنزلة التي تليق بها فيسلمون، وبعض الناس يحملونها على غير ما يليق بها فيشبهون الله بخلقه فيهلكون، ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، أولئك الذين وضعوها في مواضعها، ولم يحملوها على ظواهرها، سعدوا ونالوا مراتب عالية عند الله لأنهم حملوا هذه الآيات على ما يليق بها،

ما حملوها على خلاف هذا التنزيه المطلق، ليس كمثله شيء، لأن ليس كمثله شيء، يعطي تنزيه الله عن مشابهة خلقه بأي وجه من الوجوه، الله منزهٌ عن مشابهة الخلق فلا يتزحزح المؤمن الموفق حينما يقرأ تلك الآيات التي ظواهرها يوهم خلاف ما تعطيه هذه الآية من التنزيه المطلق، لا يتزحزح مهما قال المشبه مهما أورد عليك من آيات متشابهات، مهما ما أورد من أحاديث متشابهة، لو لم تسمع بها من قبل، لا تزحزح ماذا تقول، قال الله تعالى ليس كمثله شيء، إذا قال لك ما معنى الآية المتشابهة ما معنى الحديث المتشابه، ماذا تقول له، الله قال ليس كمثله شيء، فهذه الآية معناها لا يخالف الآية المحكمة، وهذا الحديث معناه لا يخالف هذه الآية المحكمة،

سواء أنا عرفت المعنى أو لم أعرف، أنا ثابت على أن الله ليس كمثله شيء، لأن المشبهة يحاولون بإيراد آيات متشابهة وبإيراد أحاديث متشابهة على الناس لجرهم إلى اعتقادهم، فالمؤمن الموفق الذي رزقه الله الفهم الصحيح ماذا يقول، ليس كمثله شيء، مهما قال لك ماذا تقول، ليس كمثله شيء، إذا قال لك ما معنى إن كنت لم تطلع على معناها قل له أنا لست عالمًا لكن أنا أحفظ وأعرف ليس كمثله شيء، وأعرف أن هذه الآية التي أوردتها أو هذا الحديث الذي أوردته له معنًى يليق بالله سبحانه وتعالى لا يتعارض مع قوله ليس كمثله شيء، تكون أنت حفظت نفسك وثبت ولم تتزحزح عن اعتقاد المسلمين، توفق بين هذه الآية وبين تلك الآيات، فلا يزيغ عن الصواب،

فإذا سمع بآية (الرحمن على العرش استوى) وآية (إليه يصعد الكلم الطيب) لا يفهم منها أن الله مستقرٌ على العرش أو أن الله بمحاذاة العرش، وكذلك حين يقرأ أو يسمع (إليه يصعد الكلم الطيب) لا يفهم أن الله مستقر في مكانٍ تصعد إليه الملائكة بأعمال العباد إنما يقول هذه الآية وآية الاستواء على العرش كلتاهما لهما معنى غير المعنى المتبادر إلى الذهن الذي هو مشابهة للخلق، يقول المراد بهما غير هذا المعنى فيكون اكتسب أجرًا كبيرًا بإعمال ذهنه بالتوفيق بين الآيات بين آية ليس كمثله شيء التي تعطي التنزيه المطلق، وبين ما سواها كآية الاستواء على العرش، وآية صعود الملائكة بأعمال العباد إلى السماء، إليه يعني إلى السماء، إلى محل كرامته،

يعني أضيفت إلى الله، لأنها مكان لا يعصى الله فيه فهي محل كرامة الله، مكان يصعد إليه الملائكة بأمرٍ من الله، لتسجيل الأعمال الصالحة التي يعملها العبد، إليه يصعد الكلم الطيب، يعني حين تقول لا إله إلا الله، هذا كلم طيب كلام حسن، هذا أعلى الكلام الحسن، الملائكة تسجله، وتصعد به إلى مكان في السماء يسجل حتى تلقاه في الآخرة في يوم الحساب، هذا المعنى اللائق الذي تفسر به الآية، ليس أن يقال الله يسكن السماء والملائكة تصعد إلى الله لتسجل هذه الأقوال الصالحة هناك حيث يسكن الله، السكنى في المكان لا تجوز على الله تبارك وتعالى ثم السماء حادثة والله أزلي، كيف يكون الأزلي قائمًا في حادث، هذا لا يجوز، السماء حادثة،

الرسول قال كان الله ولم يكن شيء غيره، يعني في الأزل لم يكن إلا الله، فكيف يقول عاقلٌ الله الذي هو أزلي يسكن في السماء التي هي حادثة، العاقل يقبل هذا، وهذا يتعارض مع ليس كمثله شيء، ولا يجوز أن تحمل الآية على معنًى يتعارض مع ليس كمثله شيء، هذا يقوله الموفق الذي رزقه الله تعالى الفهم الصحيح ووفقه إلى أن لا يقع فيه جعل آيات القرآن يعارض بعضها بعضًا، لأن على مقتضى كلام المشبهة المجسمة، آيات القرآن تتعارض هذه تعارض هذه، لأن بعض الظواهر أليس بعض الظواهر يفيد أن الله في جهة فوق وبعض الظواهر يفيد أن الله في جهة تحت، (فأينما تكونوا فثم وجه الله) يعني هذا أليس ظاهره يوهم أن الله في جهة الأرض حيثما توجه الإنسان يكون الله في مقابله،

هكذا الظاهر، لكن هي ما معناها قبلة الله، فثم وجه الله قبله الله، إذا كنت في الصلاة النافلة في السفر ماشيًا أو راكبًا الدابة وأردت أن تصلي غير الفريضة من النوافل كبرت توجهت إلى القبلة دخلت في الصلاة ثم توجهت إلى وجهة السفر إلى الشرق إلى الغرب، إلى أي جهة فصرت تصلي النافلة وأنت تمشي على هذه الحال، الله يقبل منك ذلك، في صلاة النافلة في السفر ماشيًا أو على الدابة أما ظاهرها فيوهم أن الله في أي جهة من جهات الأرض، حيثما توجه المسافر وهذا لا يجوز على الله، (وهو معكم أينما كنتم) ظاهرها ماذا يوهم أن الله معنا بذاته حيثما كنا، نحن أين نكون، في الأرض، ظاهرها يوهم أن الله في الأرض، وتلك ظاهرها يوهم أن الله في السماء،

فلا تلك تحمل على الظاهر ولا هذه تحمل على الظاهر، بل كلٌ يحمل على معنًى يليق بالله ولا يتعارض مع آية ليس كمثله شيء، وكذلك هناك أحاديث نبوية الله تعالى أوحى بها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ليبلغها، كما أوحي إليه، مثل ما أوحي إليه بلغها، الرسول عليه الصلاة والسلام أوحي إليه أن يقول ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا، فقال ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا، لما أوحي للرسول أن يقول لأن الذي يأمر الملائكة بالنزول إلى السماء الدنيا هو الله، فأوحي إلى الرسول أن يقول ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا، يعني في الثلث الأخير من الليل، فيقول هذا الملك الذي ينزل بأمرٍ من الله مبلغًا عن الله، إن ربكم يقول هل من داعٍ فأستجيب له هل من سائل فـأعطيه وهل من مستغفرٍ فأغفر له،

حتى ينفجر الفجر، إذا واحد قال لك لماذا الرسول قال ينزل ربنا والذي ينزل هو الملك، لأن الله أوحى إليه أن يقول ذلك، فقاله، إذا قال لك لماذا أوحى الله إلى الرسول أن يقول هذا اللفظ المتشابه، لأن الله يبتلي عباده بما شاء من أنواع الابتلاءات، والحمد لله أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوحى الله إليه أن يقول لفظًا فسرً به هذا الحديث، فكان تفسير هذا الحديث من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يفيد أن الذي ينزل هو الملك إن الله يمهل حتى إذا مضى الشطر الليل الأول أمر مناديًا فينادي، من هو هذا المنادي ملك، مثل لما أوحي للرسول أن يقول صلى الله عليه وسلم ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، ابتلاء من الله سبحانه وتعالى،

هذا حديث متشابه، أوحي للرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، من هم أهل السماء، الملائكة، ففسر الرسول حديثه بحديثه وكلٌ بوحي من الله، فإذا واحد سألك لماذا ما قال هذا فقط وانتهى، الله تعالى خلق الملائكة وخلق الشياطين، هل لقائل أن يقول يا رب لماذا خلقت الشياطين وهم يوسوسون لنا، لماذا ما اقتصرت على خلق الملائكة فقط، ليس لقائل أن يقول ذلك، يفعل الله ما يشاء، والرسول ماذا قال عليه الصلاة والسلام إن أحدكم وُكل به قرينه من الجن يعني الشيطان، وقرينه من الملائكة، قرينه الذي هو من الجن الشيطان إلى أي شيء يدعونه إلى الشر، وقرين من الملائكة يدعونه إلى الخير، ليس لقائل أن يقول يا رب لماذا ما خلقت فقط الملائكة الذين يدعوننا إلى الخير وبدون خلق الشياطين الذين يدعوننا إلى الشر،

ليس لقائل أن يقول ذلك، يفعل الله ما يشاء، خلقنا يتصرف بنا كما يشاء، ليس لنا أن نعترض عليه، يجب علينا أن نطيعه، ومن هذه الأحاديث التي لا يجوز حملها على ظواهرها، بل يجب ترك حملها على الظواهر حديث ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول هل من مستغفر فأغفر له، إلى آخر الحديث، رواه البخاري ومسلم، هذا الحديث يفهم منه الموفق أن هذا النزول الذي نسبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الله ليس نزول حركة ونقلة، إنما هو أمرٌ آخر يليق بالله تعالى ليس من صفات البشر، في أي حديث متشابه له معنًى وهذا المعنى هو مرادٌ لله تبارك وتعالى وليس من صفات البشر، لو أنا لم أطلع على هذا المعنى أو لم أتوصل لهذا المعنى، ماذا أقول في كل حديث متشابه وفي كل آية متشابهة هذا النص له معنًى يليق بالله ليس من صفات البشر،

هذا الموفق هكذا يقول، فإذا أراد أن يعرف المعنى المراد منه يسأل أهل العلم، وإما أن يقول الموفق أيضًا هذا النزول نزول الملك بأمر الله، فإن الملك حين ينزل إنما ينزل بأمر الله فينادِ مبلغًا عن الله، هذا الملك ما نزل إلا بأمر الله بعض المشبهة يقولون كيف تقولون ملك، الملك يقول هل من داع فأستجيب له ويقول هل من داع هل من مستغفر فأغفر له هل من سائل فأعطيه، الملك يقول مبلغًا عن الله، إن ربكم يقول هل من داعٍ فأستجيب له، المشبه المجسم يفكر أنه ربح على زعمه كيف تقولون ملك، الملك يقول هل من داعٍ أستجيب له، الملك يقول مبلغًا عن الله، يقول إن ربكم يقول، هل من داعٍ فأستجيب له، نزل الملك ليبلغ عن الله تعالى، فصح نسبته إلى الله تبارك وتعالى لأنه هو الآمر،

هذا معروف في لغة العرب نسبة الفعل إلى من أمر به، لأن هذا معروف في تخاطب العرب، أن هذا إسنادٌ مجازي، يسمونه إسنادًا مجازيًا، ينزل ربنا أي ينزل ملك ربنا بأمر ربنا، يقال له مجاز الحذف عند علماء البيان، يوجد مجاز تشبيه ومجاز الحذف مجاز التشبيه لا يجوز في حق الله، مجاز الحذف هذا الذي يجوز كما في هذه الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ينزل ربنا، يعني ينزل ملك ربنا، يقال له مجاز الحذف عند علماء البيان، حُذف لفظ الملك لأنه يُفهم، العقل الصحيح يفهم أن ظاهره غير مرادٍ لأنه لا يجوز على الله النزول الذي هو من صفات البشر وسبحان الله والحمد لله رب العالمين وصلوات الله وسلامه على نبيه محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين،

انظروا يا أحبابنا هذا الدرس من جواهر علم العقيدة يعني كل الجمل التي فيها كل هذه الجمل جواهر من جواهر العقيدة، فينبغي أن يستخرج مثل هذا الدرس، وأن يقيد وأن تحفظ عباراته وأن تدرس هذه العبارات، تلاحظون الفقهاء إذا وجدوا نصًا للشافعي في مسألة ماذا يقولون، يقولون نص الشافعي على كذا ويذكرون نص الشافعي، أو إذا وجدوا نصًا للإمام أبي حنيفة أو للإمام أحمد فيأتون بهذا النص، وإذا وجدوا في المسألة حديثًا للرسول صلى الله عليه وسلم فيرتفعون، يقولون وفي المسألة حديثٌ للرسول ويأتون بحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإن وجدوا نصًا قرآنيًا أيضًا يرتفعون ويقولون قال الله تعالى ويذكرون الآية لأننا مهما اجتهدنا بالنسبة لنا أيظن أحدنا سيأتي بتركيب ولفظ أفصح من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم،

يعني أعلى من بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أكيد لا، ولا يظن أحدنا بنفسه أنه سيأتي ببيان أعلى من بيان الشافعي أو أعلى من بيان أبي حنيفة أو أعلى من عبد الله بن محمد الهرري رحمه الله، فلذلك عبارات أمثال هذه العبارات التي قالها أمثال هذا الرجل الصالح، ينبغي أن تحفظ وأن ترتيب وأن تعلم وتدرس حتى يستفيد الناس منها، التركيب هذا الانسياب في شرح الشيخ رحمه الله منذ بدأ الذي جاء في صحيح البخاري، ثم بعد ذلك ما أورده من أن الآيات في القرآن الكريم بعضها من المتشابه وبعضها من المحكم، طريقة جميلة جدًا ومفيدة ومعلوم لكم قبل هذا ذكرنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال إن الحق يجري على لسان عمر، العلماء قالوا الملك أحيانًا يتصرف بالإنسان الصالح فيجري الملك يتصرف به،

فيجري على لسانه كلامًا حِكمًا جواهر العلم جواهر الحكم، فهذه الكلمات أحيانًا تكون بتصرف هذا الملك الذي هو من أولياء الله، فتكون أنت ضبطت عبارات العلماء وحفظت عبارات العلماء، وأخذت هذه العبارات المباركة وتركيبها قوي، وأفدت الناس بها، واستفدت لنفسك، لأجل هذا العلماء يعتنون بتسطير ما يذكره أهل العلم الكبار كأمثال الشيخ عبد الله رحمه الله فمثل هذا أتمنى من كل الذين سمعوه أن يستخرجوا نسخًا لأنفسهم وأن يعتنوا بحفظ هذا وبتحفيظه للأولاد من صغرهم، كان الشيخ رحمه الله يقول لبعض الشباب الذين عنده احفظ متن الصراط المستقيم، ثم يطلب منه أن يُسمعه المتن بأن يقول العبارات كما هي موجودة في متن الصراط المستقيم، حتى إن شابًا مرة وكنت حاضرًا جاء الشيخ رحمه الله وقال له قد حفظت كتاب الصراط المستقيم فقال له الشيخ رحمه الله،

قل خاتمة الخاتمة، خاتمة الخاتمة هي آخر الكتاب بعد أن عمل الشيخ خاتمة بدا له أن يعمل كلامًا سماه خاتمة الخاتمة بعد الخاتمة، فقال له لا هذه ما حفظتها فقال له ارجع واحفظها معنى كلامه أنني طلبت منك أن تحفظ الكتاب فاحفظه من أوله إلى آخره، حتى تعتني بعبارات العلماء هذا القصد من ذلك، فأنتم احفظوه الله يبارك فيكم وحفظوه أولادكم حتى يبقى هذا العلم محافظًا عليه، لأن الشيخ عبد الله عاصرناه وكان هو عاصر في هذا الوقت الذي كان فيه، أهل التجسيم أهل التشبيه والمعتزلة والأحزاب الذين يكفرون المسلمين بلا حق وجهلة المتصوفة، وكان كلامه في دروسه ومجالسه في إفادة العلم الذي فيه رد على كل هؤلاء الطوائف الفاسدة وهذا شيءٌ يحتاج إليه، نهلل.