بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وبعد، يقول الإمام البخاري رحمه الله في أول كتاب العلم باب العلم قبل القول والعمل، ثم احتج بهذه الآية (اعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) الله تبارك وتعالى قدم العلم بوحدانية الله أمر الله نبيه بمعرفته بمعرفة الله ثم أمره بالاستغفار لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات فمن هنا بين الإمام البخاري أن الله تعالى ما قدم قوله فاعلم أنه لا إله إلا الله على الاستغفار أي قبل ذكر الاستغفار إلا لأن العلم بالله أي معرفته مقدمة على كل عمل خير، أهم من كل عمل خير، معرفة الله أهم من كل عمل خير، لأن معرفة الله تبارك وتعالى هي أصل الدين أساس الدين ثم المعرفة ليست مجرد النطق بلا إله إلا الله أو أشهد أن لا إله إلا الله بل المعرفة عمل القلب فمن عرف الله تعالى بقلبه وأذعن أي رضي بأن الله تعالى واحد وهو المستحق لأن يعبد لا أحد سواه يستحق أن يعبد هذا عرف الله،

ثم هذه المعرفة لا تصح مع التشبيه له بشيء من خلقه، الذي يعتقد في قلبه ويتصور الله أنه كتلة نورانية ضخمة كبيرة عظيمة أكبر من الشمس والقمر وكل الأجرام النيرة ما عرف الله تعالى، لأنه تصور الله كشيء من خلقه هذا لم يعرف الله بعد، كذلك من يتصور الله كالبشر أي أنه شيء له وجه وصدر وما يتبع ذلك هذا لم يعرف الله، وكذلك الذي يتصور الله كالشمس أو كالقمر ما عرف الله، إنما يعرف الله من اعتقد أنه موجود ولم يشبهه بشيء، لأنه موجودٌ لا كالموجودات، لا كالأشياء التي شاهدناها ولا كالأشياء التي لم نشاهدها كالعرش والجنة، العرش والجنة ما شاهدناهما لكنهما من خلق الله تعالى، لهما شكل لكل منهما هيئة شكل ومقدار ومساحة فالله تبارك وتعالى مكون هذه الأشياء كلها،

مكون الإنسان ومكون الشمس والقمر مكون العرش وما سوى ذلك من الأجرام الكبيرة والأجرام الصغيرة فلا يشبه شيئًا من ذلك، والدليل على ذلك من جهة العقل أن الخالق لا يشبه مخلوقه، لأنه لو كان يشبه مخلوقه، ما استطاع أن يخلق هذا المخلوق، لو كان يشبه الإنسان ما استطاع أن يخلق الإنسان، لو كان يشبه الشمس أو القمر ما استطاع أن يخلق الشمس والقمر، هذا دليل على أن الله تبارك وتعالى لا يتصور، أي لا يشبه شيئًا، هذا الدليل من حيث العقل وأما من حيث القرآن فقول الله تعالى (ليس كمثله شيء) هذه الآية من فهم معناها عرف الحقيقة عرف الله تعالى من فهم معناها كما يجب ليس مجرد قراءتها باللسان، كثير من الناس يقرأونها باللسان لكنهم يتصورنه كالبشر،

يتصورونه شيئًا يجلس على العرش، له نصف أعلى ونصف أسفل، هؤلاء كأنهم لم يقرأوها لأنهم وإن قرأوها لفظًا لكن قلوبهم لم تفهم هذه الآية، لأن هذه الآية تنزيه كليّ ما معنى التنزيه الكلي، هذه الآية تنزه الله عن مشابهة أي شيءٍ عن مشابهة البشر وعن مشابهة سائر الأجرام العلوية أو السفلية، وعن اللون وعن المساحة هذا معنى هذه الآية مع أن لفظها وجيزٌ، لذلك سماها أهل الحق علماؤهم التنزيه الكلي، لأننا إذا قلنا الله تبارك وتعالى ليس كالإنسان لا يشبه الإنسان، هذا تنزيه جزئي، ليس كليًا، كذلك إذا قلنا الله تعالى لا يشبه المقر تنزيه جزئي، كذلك إذا قلنا الله تبارك وتعالى لا يشبه الشمس، فهذا تنزيه جزئي، إنما التنزيه الكلي هو ما تعطيه هذه الآية،

ليس كمثله شيء لأن كلمة شيء تشمل الإنسان والشمس والقمر والعرش والأرض والسموات والهواء وسائر الألوان والأشكال والمساحات والحدود، كلمة شيء كل هذا، فلما قال الله تعالى (ليس كمثله شيء) فهمنا من هذه الجملة أنه لا يشبه الإنسان ولا الملائكة ولا الجن ولا الهواء، أي الريح، ولا الشمس ولا القمر ولا غير ذلك من أفراد الكائنات، خذوا هذين الدليلين، الدليل الأول عقلي والثاني سمعي، أي منقول من القرآن الذي ذكرناه من تنزيه الله تبارك وتعالى على حسب ما تقتضيه الآية القرآنية والدليل العقلي هو معنى معرفة الله، ثم يبقى بعد ذلك معرفة الرسول عليه الصلاة والسلام معنى معرفة الرسول أن يعتقد الإنسان اعتقادًا جازمًا لا يخالطه شك وارتياب،

وتردد، بأن محمدًا نبي الله رسول الله صادق بكل ما جاء به أي في كل ما أخبر به عن الله تعالى، فهو صادق إن أخبر عن ما مضى من أحوال الأنبياء الذين قبله آدم ومن بعده، وإن أخبر عن الأمم التي أهلكهم الله تعالى لكفرهم وتكذيبهم أنبياءهم، وإن أخبر أن فعل ذلك حرام، أو أن قول كذا حرام فهو صادق وإن أخبر عما يحدث بعده عليه الصلاة والسلام في هذه الدنيا قبل يوم القيامة فهو صادق، وإن أخبر عما سيكون في القبر وفيما بعد القبر في الآخرة فهو صادق، الأمر كما أخبر هو وفي ذلك قال بعض العلماء، وكل ما أتى به الرسول فحقه التسليم والقبول، وعن هذا أي عن معرفة الله تعالى والإيمان به ومعرفة نبيه محمد والإيمان به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال إذا أصبح وإذا أمسى رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا،

كان حقًا على الله أن يرضيه، وفي رواية لهذا الحديث من قال رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا كان حقًا على الله أن يرضيه، معنى الحديث أن الذي يؤمن بالله ورسوله من غير ارتياب وبأن دين الله الحق هو الإسلام فقط ليس هناك دين رضيه الله لعباده سوى الإسلام من قال هذا على الدوام بأن يقول كل صباح وكل مساء بعد المغرب بعد غروب الشمس وبعد الفجر هذا كان حقًا على الله أن يرضيه أي أن له عند الله وعدًا لا يخلفه الله تعالى أن يرضيه بعد موته، أي أن يجعله بحالة حسنة وذلك بالنجاة من عذاب الله تعالى، فمن أراد العمل بهذا الحديث، يجمع بين اللفظين مرة يقول رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، ومرة يقول رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، يكون عمل بالروايتين، اللهم اختم لنا بخاتمة الخير وأكرمنا برؤية وجه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام والحمد لله رب العالمين.