بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين اللهم اغفر لمن اجتمعنا بسبب وارحمها برحمتك الواسعة واجعل لها قبرها روضة من رياض الجنة اللهم اجعلها في السعداء الآمنين وأدخلها الفردوس الأعلى واجعلها مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا وألهم أهلها الصبر والرشاد وأعظم لهم الأجر والثواب برحمتك يا أرحم الراحمين،
أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى قال لنبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام (إنك ميتٌ وإنهم ميتون) كان الكفار في مكة المكرمة من شدة كفرهم يدعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالموت ويتمنون موته ويحبون ذلك، وهذا زيادة في الكفر منهم فأنزل الله هذه الآية يخبر نبيه المصطفى عليه الصلاة والسلام بما دعا به الكفار وأنك يا رسول الله ميت لكن في الوقت المقدر لك فدعاءهم عليك لن يغير المشيئة ودعاءهم عليك لن يخرم عليك الأجل إنما في الوقت قدّر لك ستموت فيه فتنقلب بعد موتك يا حبيب الله إلى أعلى مرتبة في الجنة أعلى درجة ينالها الأنبياء والرسل هي لنبينا محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم وأنهم سيموتون هم أيضًا ومن مات منهم على الكفر فسينقلب إلى النار فليست العبرة إذًا بمجرد لحظة الموت إنما العبرة بما بعد الموت أين الخلود إما في جنة وإما في نار،
فالعاقل الذكي الذي يتعظ ويعتبر هو الذي يثبت على الإسلام يبقى على الإيمان إلى أن يرحل عن هذه الدنيا، مهما عظم عليه البلاء ومهما كثرت المصائب ومهما تداعت المحن لا بد لمن أراد الجنة الصبر والثبات على الإيمان قال عليه الصلاة والسلام أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، إذًا هذه الدنيا ليست هي الجنة وهذه الدنيا ليست منتهى الأمر إنما الدنيا مزرعة الآخرة فمن ثبت على الإيمان وصبر على البلاء فمنقلبه إلى الجنة لأنه مات مسلمًا لأنه مات مؤمنًا،
وأما المصائب والبلايا فإن صبر عليها المسلم فهي له أجر وله خير قال عليه الصلاة والسلام وإن عظم الأجر مع عظم البلاء، يعني كلما عظمت المصائب فصبرتم كان الأجر أعظم كان الثواب أكبر ولذلك يا إخواني ويا أخواتي انظروا في سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وسأذكر لكم أمثلةً سريعة عن شدة البلاء الذي نزل على الأنبياء وعن عظيم صبرهم وقوة ثباتهم وكم تحملوا إلى أن رحلوا عن الدنيا فمثلًا هذا نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام في وطنه العراق بينما قومه وأهله في
الموصل اتفقوا وأجمعوا على إرادة إحراقه بنار النمرود وأمر النمرود أن يحفر له الخندق العظيم ثم أمر أهل البلد أن يحفروا له في الليل والنهار وأشعل نارًا عظيمةً حتى كان من شأنها أن الطير إذا مر في جوها يقع مشويًا على الأرض ومن قوتها ما استطاعوا أن يأخذوا بيد إبراهيم عليه الصلاة والسلام لإلقاءه في تلك النار صنعوا له المنجنيق ووثقوه بالحبال وقذفوه إلى تلك النار فلما صار فيها ما أحرقته ولا أحرقت ثوبه ولا شعره ولا لحمه إلا الحبل إلا الميثاق هذا الذي احترق وخرج يمشي على رجليه سلمه الله ونجاه فترك العراق وجاء إلى أم بر الشام إلى بيت المقدس إلى فلسطين لطف الله بأهلها وفرج عنهم وسلمهم ونجاهم وجعلهم في أمن وأمان،
انظروا إلى إبراهيم كان يدعوا لعبادة الله الواحد الأحد يحسن إليهم ويعلمهم أن الله وحده الذي يستحق العبادة وأن الله لا مثيل له ولا شبيه وأن الله أزلي أبدي وأن الله تعالى ليس من حيث ما يقوله النمرود، يعني ليس مخلوقًا الله ليس جسدًا، النمرود إنسان مخلوق له بداية له نهاية جسم وأعضاء وجوارح إذًا ليس هو الإله خالق الكون والعالم لا شبيه له ولا مثيل له موجودٌ أزلًا وأبدًا بلا جهةٍ ولا مكان لكن كيف قابلوه وكيف عاملوه بالإساءة إليه حتى أرادوا قتله لكنه صبر لكنه ثبت إلى أن نصره الله وأيده وأظهره على الكافرين، وأعطاه تلك المعجزة الباهرة (يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم) هذا مثالٌ من قوة صبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام انظروا إلى قوة صبر موسى عليه الصلاة والسلام نبي رسول كريم عظيم أمر فرعون بعبادة الله أمره باتباع الإسلام أمره بترك الكفر كيف قابله فرعون بالإساءة كاد له وتآمر عليه وأراد قتله فلحقه بجيش جرار مليون وستمائة ألف مقاتل لحقوا موسى عليه السلام لقتله،
فتوجه موسى ومن معه من المؤمنين ناحية البحر بأمرٍ من الله بحر قلزم الذي يقال له البحر الأحمر الله أمر موسى أن اضرب البحر بعصاك، فضرب البحر بعصاه فانفلق البحر دخل موسى ومن معه من المؤمنين من أين من مصر أين خرجوا في الأردن دخل فرعون ومن معه عندما صاروا في أرض البحر التئم عليهم الماء فنزل عليهم كالجبال دمرهم الله وأهلكهم وفرعون الذي طغى وطغى وظلم وفجر وكفر وقال أنا ربكم الأعلى، ظهر منتفخًا كالجيفة على وجه الماء ماذا قال ربنا في القرآن (وإذ فلقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون) انظروا صبر موسى فنصره الله صبر إبراهيم فنصره الله وهكذا نبي الله نوح كان يضرب حتى يغمى عليه رسول كريم نبي عظيم عليه الصلاة والسلام يضرب بالحجارة والعصي حتى تصل إلى عظامه من شدة الضرب يغمى عليه يظنونه مات يحملونه ويضعونه أمام داره فإذا أفاق عاود الخروج إليهم لماذا يحسن إليهم يأمرهم بعبادة الله الواحد الأحد أن يتركوا الكفر ويتشهدوا لا إله إلا الله نوحٌ رسول الله ليدخلوا الجنة،
كيف عاملوه بالضرب وزوجته كانت تتآمر عليه مع قومها ماذا كانت النتيجة أمره الله أن يصنع السفينة طلع فيها والذين آمنوا معه وما آمن معه إلا قليل، تصوروا يا إخواني تسعمائة وخمسين سنة وهو يدعوهم إلى الإسلام الذين آمنوا معه على قول بعض المؤرخين سبعين وعلى القول الأكثر ثمانين وهناك أقوال أقل، طلعوا في السفينة مع نوح ماذا كانت النتيجة الله أمر الأرض فتشققت وصار ينبع الماء من الأرض كأمثال الجبال لما طفى على وجه الأرض أمرت السماء فصار ينزل الماء كأمثال الجبال
القطرة الواحدة كالجبل لماذا طلع بداية من الأرض لحكمة عظيمة لأجل أن لا ينزل الماء من السماء مع بعد المسافة وضخامة الحجم وثقل الوزن فيحطم الأرض لأجل أن لا يحصل ذلك طلع أولًا من الأرض فالتقى الماء على الماء فلم تخرب الأرض الله ماذا قال (فالتقى الماء على أمرٍ قد قدر) انظروا إلى الحكمة العظيمة فكانت النتيجة أن نجا الله نوحًا عليه السلام ومن معه في السفينة ابتلعت المياه من كان على وجه الأرض من الكفار حتى وصل الماء إلى فوق أعلى جبل على وجه الأرض خمسة عشرة ذراعًا فلم يبقى واحد من الكافرين هو ماذا دعا عليه السلام قال لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا أهلهكم الله ونجا نوحًا والمؤمنين انظروا لنتيجة الصبر هذا نبي الله زكريا الذي كان في بيت المقدس ذبح له ولده النبي يحيى،
يحيى عليه الصلاة والسلام نبي كريم مع النبوة نال الشهادة زكريا نبي كريم مع النبوة نال أجر الصبر على فقد الولد العظيم ابن نبي وبعد ذلك زكريا نفسه لم يسلم قتلوه نشرًا بالمنشار والعياذ بالله وأما يحيى فذبحوه ذبحًا ثم قطعوه بالفأس إذًا الآن لننظر نحن كم صبرنا كم تحملنا ما هو البلاء الذي نزل علينا مات لك واحد في يوم، أيوب عليه السلام مات له أربع عشرة ولدًا في يوم واحد، إذا قلت لي يا كرام ماذا نحن أمامهم نعم ماذا نحن أمامهم هم قدوتنا لنتعلم منهم لنثبت لنقتدي بهم في الصبر وإذا كنت تريد مثال قريب في عصرك وزمانك الآن انظر إلى أشخاص ليسوا من الأنبياء لكن صبرهم عجيب أين أهل غزة أهل فلسطين عائلات بأكملها تباد في يومٍ واحد كم من عائلات محيت من لوائح التشطيب في يوم واحد صبروا وتحملوا نساء وأطفال وكبار ورجال ومرضى يتحملون وها هو الآن في وقتك وفي عصرك والمسافة قريبة منا جيراننا،
فلنتعلم منهم الصبر يا إخواني الصبر طريقه الجنة للمؤمنين يا إخواني الصبر طريق النبيين الصبر طريق الأولياء الصبر طريق الصالحين الصبر طريق الفائزين الصبر يوصلك إلى المعالي أما الاعتراض على الله حاشا طريقة إبليس والكافرين إلى النار الذي يعترض على الله يتسخط على الله يشتم عزرائيل يسب الملائكة الصيام الصلاة الزكاة الحج الكعبة ليس من المسلمين الذي يشبه الله بخلقه ليس من المسلمين الذي ينسب لله الولد الأب الابن الزوجة القعود الجلوس المكان الحجم الشكل الأعضاء والجوارح كذب الله، الله ماذا قال في القرآن (وله المثل الأعلى) ما معنى وله المثل الأعلى أي أن الله ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات فربنا لا شبيه له ربنا لا مثيل له،
لذلك قال سيدنا الرسول عليه الصلاة والسلام لا فكرة في الرب وقال سيدنا وإمامنا الشافعي رضي الله عنه من اعتقد أن الله جالس على العرش فهو كافر، وأختم بفائدة قالها مفتي بيروت من مئة وخمسين سنة العلامة الفقيه المفتي الشيخ عبد الباسط بن علي الفاخوري رحمه الله في كتابه الكفاية لذوي العناية والكتاب مطبوعٌ وموجودٌ في الأسواق ماذا يقول في هذا الكتاب إن من وقع في الكفر غاضبًا أو لاعبًا أو مازحًا بأي كفرية من الكفريات خرج من الإسلام ولا يرجع إلى الإسلام إلا بالنطق بالشهادتين لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، اللهم اغفر لمن اجتمعنا بسببها وارحمها برحمتك الواسعة ووسع عليها في قبرها واجعل لها قبرها روضةً من رياض الجنة واغفر لها ولأبويها وللمؤمنين والمؤمنات اللهم اجمعنا بهم في الفردوس الأعلى، واغفر للمسلمين والمسلمات واحقن دماء المسلمين في فلسطين وفي السودان وفي كل أرض وبلد اللهم اختم لنا بخير وأفضل الكلام قولوا معي بصوت واحد أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، اللهم أوصل لهم وإلى عامة الأموات المسلمين ثواب الفاتحة.