بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، فهذا كتاب الدرة الوضية في توحيد رب البرية للشيخ المحدث السيد محمد الحوت البيروتي. وهو من علماء بيروت المشهورين بل شيخ علمائها. ويليها ترجمته رحمه الله.

متن الكتاب

قال الشيخ مُحمد الحوت:

الحمد لله المنفرد بالإيجاد والإعدام، المتوحد بالتأثير والإبداع وخلق الأعراض والأجسام، المنزه عن الحلول والاتحاد بشيء غيره من جميع الأجرام، القاهر فوق عباده، المنعم على أهل وداده المتفضل بإرشاده فلا وجوب عليه ولا إلزام، الذي أبدع بلا مثال واتصف بكل كمال، يليق به، وقدّر الأرزاق والآجال، ودبّر الليالي والأيام، المحيط علماً بالكليات

والجزئيات، المتصرف بالعلويات والسفليات، المهيمن على جميع الجهات، فلا حصر له تعالى بخاص ولا عام. الذي تنزه عن الكيف والكم وعن الفرح والحزن والغم وعن الألم والذوق والشم، وتردى بالكبرياء والعظمة على الدوام، المتعالي عن الأين، المتحجب عن رؤية العين، المحسن بكشف الغطاء يوم رفع الرين (1) ليراه المحبون للإعزاز

والإكرام.

فسبحان من تعزز عن الإدراك وتعاظم عن الإشراك وتحجب عن الرسل والأملاك، فاستوى في الحجب عن حقيقته جميع الأنام.

أحمد من قدّر الأمور في القدم وأخرج الكائنات من العدم، وقضى وأمر وحكم، واتصف بالقدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، وتعالى عن المكافأة والمماثلة، وعن المشابهة والمشاكلة وعن المضاهاة والمعادلة، ليس كمثله شيء فلا تتخيله الأوهام.

وأصلي وأسلم على رسوله الأعظم ونبيه الأكرم وخليله الأفخم الذي رقاه لأعلى مقام سيدنا محمد المصطفى وءاله وصحبه أولي الوفا وعترته الكرام الشرفا، المحفوظين من الإصرار على الآثام، متعنا الله باتباعه وجعلنا من أتباعه وأحيانا على سنته وأماتنا على ملته وجعلنا من حزبه المفلحين ومن أصحاب اليمين، يوم تتميز الرسل عن غيرهم بالمنابر والأعلام،

صلاة يفوق نشرها ويفوح عطرها ويدوم برها ويستمد منها بركات ذي الجلال والإكرام.

وبعد، فهذه درة نفيسة في علم التوحيد لا على طريقة الجدل ولا مدخل فيها للخلل وهي لنفع المبتدئ إن شاء الله تعالى.

إعلم هداك الله وبصّرك في ءالائه أن هذا العالم علامة على خالقه وأن كل أثر يرشد إلى مؤثره، قال تعالى: { وفي الأرض ءاياتٌ للموقنين وفي أنفسكم } وقال تعالى: { أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق اللهُ من شيء } وقال تعالى: { ولئن سألتهم مَن خلق السموات والأرضَ ليقولنّ الله } وقال تعالى: {

إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير } وقال تعالى: { وفي الأرض قطعٌ متجاوراتٌ وجناتٌ من أعناب } الآية وقال تعالى. { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } وقال تعالى: { ما خلْقكم ولا بعثُكم إلا كنفسٍ واحدة } وقال تعالى: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } الآية وقال

تعالى: { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتًا } الآية وقال تعالى: { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها } الآية وقال تعالى: { ألا يعلم مَن خلق وهو اللطيف الخبير } ومعناه ألا يعلم الخالقُ ما يخلقه أو ألا يعلم هو مَن خلقه.

وقال تعالى: { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } وقال تعالى: { وخلق كل شيء فقدّره تقديرا } وقال تعالى: { والله خلقكم وما تعملون } وقال تعالى: { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } وقال تعالى: { يا أيها الناس ضُرِب مَثلٌ فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له }

الآية وقال تعالى: { لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا } وقال تعالى: { قل لو كان معه ءالهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } وقال تعالى: { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كلُ إلهٍ بما خلق ولعلا بعضهم على بعض } الآية وقال تعالى: { واسئل من أرسلنا مِن قبلِك مِن رسلنا أجعلنا من

دون الرحمن ءالهة يعبدون } وقال تعالى: { إن كلُ مَن في السموات والأرض إلا ءاتي الرحمن عبدا } وقال تعالى: { و هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم } أي هو معبود فيهما.

وقال تعالى: { قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين } وقال تعالى: { إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده } وقال تعالى: { قل أرأيتم إن جعل اللهُ عليكم الليلَ سرمداً إلى يوم القيامة مَن إلهٌ غيرُ الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون } الآيات وقال تعالى: { وله ما

سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم } وقال تعالى حكاية عن إبراهيم: { الذي خلقني فهو يهدين } الآية وقال حكاية عن موسى: { كلا إن معي ربي سيهدين } وقال تعالى حكاية عن عيسى: { إن تعذبهم فإنهم عبادك } الآية وقال حكاية عن ءادم وحواء: { قالا ربنا ظلمنا أنفسنا } الآية وقال حكاية عن يونس:

{ فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت } الآية وقال حكاية عن يعقوب: { إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله } وقال حكاية عن أيوب: { أني مسنيَ الضرُ وأنت أرحم الراحمين } وقال حكاية عن شعيب: { وما توفيقي إلا بالله } وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين: { قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو

مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون } .

ولما تعلل أهل مكة بالخوف لو ءامنوا ردَ عليهم بما يدل على سعة علمه وبديع كلمه وعظيم قدرته قال تعالى: { وقالوا إن نتّبعِ الهدى معك نـُتخطف من أرضنا أوَلم نـُمَكـّن لهم حرماً ءامنا يُجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون } وقال تعالى: { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدى والقلائد

ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم } وقال تعالى: { والسماءَ بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون } وقال تعالى: { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات

رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون } وقال تعالى: { وما بكم من نعمة فمن الله } وقال تعالى: { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } .

إذا تأملت ما في هذه الآيات البينات من الأسرار ونظرت ما فيها من سواطع الأنوار وما تضمنته من الدلالة على مالك الملك والملكوت أغناك ذلك عن النظر بغير كتابه فإن من لم يكن هُداهُ مِن قِبَلِه تعالى لا ينفعه براهينُ عقله، قال تعالى: { ومن لم يجعلِ اللهُ له نوراً فما له من نور } .

فعليك أخي بكتاب الله تعالى فإنه مشحون بالتوحيد وهو الدليل القاطع.

واعلم أن العقل لا يستقل بنفسه في الدلالة على الصانع المدبِر وإن اتسع فهمُه وتعاظم علمُه بل لا بد معه من معونة الله تعالى مع مقارنة اتباع الكتب المنزلة وإلا ضاع سعيه وقد ركب متنَ عمياء وخبط خبط عشواء وهوى في المهاوي المهلكة وهو لا يشعر، فكتاب الله تعالى هو حبل الله المتين مَن تمسك به أوصله إليه ودله عليه بواسطة الألطاف الإلهية فإنه

تعالى جعله طريق الهدى والسبيل المنجي من الردى (2) متعنا الله باتباعه.

واعلم أنه إذا ورد نصان ظاهرهما تناقض فلا بد من جمعٍ بينهما لتعمل بهما ولا تفرق بين ءاياته إلا إذا ورد نص ينسخ المتأخر للمتقدم فيكون العمل بالأخير، والنسخ (3) لا يكون في أمر يتعلق بالاعتقاد بل هو خاص بعلم الفروع كصلاة وصوم وحج ونحوها وكذا لا يكون النسخ في الخبر إذا كان المقصود منه الإخبار، وأما إذا كان خبراً يراد به أمر أو

نهي فيدخله نسخ لأن المراد به الحكم دون الخبر. أما الخبر المحض فلا يتعلق به نسخ لأنه لو نسخ للزم كذب في خبره تعالى وهو محال فالنسخ يتعلق بالأحكام فقط فافهم ذلك.

فبناء على ما تقرر من وجوب الجمع بين النصوص فإذا سمعت قوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } وقوله تعالى: { يخافون ربهم من فوقهم } مع قوله تعالى: { فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } ومع قوله تعالى: { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ومع قوله تعالى: { وهو معكم أينما كنتم }

ومع قوله تعالى: { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } ومع قوله تعالى: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } الآية.

فإن كنتَ واسعَ القلب فسيح الصدر عظيم الذوق والإدراك رددت عِلمَ جميعِ ذلك له تعالى ونزّهته عن المعنى الحسي المفهوم من ظاهر الرأي كما كان عليه قرن الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وهذا المذهب الأسلم والطريق الأقوم؛ وإن كنت لست من فرسان هذا الميدان فارجع إلى التأويل كما عليه أئمة معتبرون وهم مَن جاء بعد القرون الثلاثة تقريباً لفهم القاصر

وتطميناً لقلبه دفعاً للخواطر، وقد أوّلَ الخلفُ الاستواءَ بالقهر والاستيلاءِ على العرش وما دونه من الخلق كلهم، فهو منزَهٌ عن الاستقرار والجلوس ونحوهما (4) .

قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ولا دم مهراقِ.

فأراد أنه استولى عليه دون استقر. ولما فهمت اليهود من مثل هذه الآية في التوراة أن المراد الاستقرارُ الحسيُ قالوا إنه تعالى تعب من خلق السموات والأرض في ستة أيام فلما فرغ استلقى يوم السبت على العرش واتخذوه عيداً وراحة، وهذا من شؤم فهمهم كما فهِم مثلَ فهمهم جماعة من الحنابلة المتأخرين فوقعوا في ورطة التجسيم (5) وحملهم

على ذلك أن سيدنا الإمام أحمد يمنع التأويل (6) ، فيا ليتهم حيث قلدوه في منع التأويل كانوا قلدوه في وجوب التنزيه لكنهم تبعوه في بعض وخالفوه في بعض.

قال الشاعر: حفظتَ شيئاً وغابت عنك أشياءُ.

متعنا الله باتباع كتابه العزيز وحمانا مما يوقع في الهوى.

والتأويل مذهب المعتزلة، ولا يلزم من كونه مذهب المعتزلة أن يكون ممنوعاً فإنه جرى عليه كثير من أهل السنة من المذاهب الأربعة مع أن الأئمة كلهم من السلف، لا من الخلف.

ومذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أحكم. وقد سئل سيدنا الإمام مالك رضي الله عنه عن الاستواء فأجاب بقول: "الاستواء غير مجهول والكيف (7) غير معقول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعاً". (8) وسئل سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه فقال: "ءامنت بالله واتهمت نفسي" وسئل سيدنا

الإمام أحمد رضي الله عنه فقال: "الاستواء كما يقول لا كما يخطر". فكل منهم أجاب بالتسليم، ومن أين لنا قلوب مثل هذه القلوب المملوءة بالأنوار ويؤول القرب والمعية بقرب الرحمة والتصرف كل شيء بحسبه.

وقد أوِلَتِ اليد (9) بالقدرة وقد جاء في كلام العرب اليد بمعنى النعمة وبمعنى القوة، وأوِلَ الوجهُ بالذات (10) أو بالوجود، والجانب بمعنى الحق، والفوقية (11) بمعنى التعالي في العظمة، والعين بالحفظ، والمعية بمعنى معية العلم (12) أو معية الحف، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فهذه الآية قاطعة في منع المشابهة

لشيء من الأشياء لأن الشيء واقع في سياق النفي وهو نكرة تعم فلا يبقى شيء فليس له شبيه أصلاً.

ثم إنهم اختلفوا في هذا التركيب من حيث العربية فقيل ان الكاف مزيدة لدخولها على لفظ "مثل" والكاف بمعنى مثل، وقيل الكاف أصلية و"مثل" مقحم أي مزيد، وقيل "المثل" بمعنى الصفة ولا زيادة، والمعنى: ليس كصفته شيء على حد قوله تعالى: { وله المثل الأعلى } فُسِرَ بالصفة العليا. وأما قول من قال ليس مثله مثل

شيء وهو أبلغ في نفي المثل فليس بجيد إذ ذلك يثبت المثل والمقصد نفيه وحينئذ يجب الجمع بين هذه الآية وبين النصوص التي في معناها حدوث وتغير كالغضب والعجب والمحبة والرحمة والضحك (13) فيؤوَل كل لفظ من هذه الألفاظ بعاقبته ومآله فعاقبة الغضب الانتقام وعاقبة العجب الرضى وعاقبة المحبة الرضى والإثابة وعاقبة الرحمة الإحسان

وعاقبة الضحك الرضى.

سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ءايات من كتاب الله تعالى ظاهرها شبه التعارض كقوله تعالى: { فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون } مع قوله: { يومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان } الآية وعن قوله تعالى: { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصمّا } وكقوله تعالى: { هذا يوم لا ينطقون

} الآية مع قوله تعالى: { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } ومع قوله تعالى: { وإذ يتحاجون في النار } الآية وقوله تعالى: { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم } وما أشبه ذلك من الآيات فقال للسائل هون عليك فإن القيامة مواقف شتى ومعناه أنهم بحسب المواقف يكون الجمع بين الآيات ففي موقف يُسألون

ويتكلمون، وفي موقف ءاخر يُمنعون من ذلك، وحينئذ فلا تناقض في خبره تعالى إذ الجمع واجب.

فإن قيل: كيف جوّز الخلفُ التأويلَ مع قوله تعالى: { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله } مع أن السلف كانوا يتعمدون الوقف على لفظ الجلالة؟ فالجواب عنه: المذموم تتبع المتشابه لقصد وقوع الناس في الفتنة والريب والشك بخلاف مَن أوّل المتشابه عند الحاجة للتأويل لإصلاح

الحال ودفع الشبه عمن لا يقدر على التسليم فليس ذلك لطلب الفتنة بل لدفعها عن الناس، وقد قال تعالى: { والله يعلم المفسدَ من المصلِح } وفي السنة: "إنما الأعمال بالنيات".

والجواب عن وقوف السلف على لفظ الجلالة إنما كان بحسب علمهم وقوة إيمانهم فلا يرغبون التأويل ولا حاجة لهم به، وقد وقف مَن بعدَهم على قوله تعالى: { والراسخون في العلم } ثم يبتدئون بقوله تعالى: { يقولون ءامنا به كل من عند ربنا } أي كل من المتشابه (14) والمحكم (15) من عند الله يجب به الإيمان.

وأيضاً فمن جوّز تأويل المتشابه لا يجزم بأن هذا هو مراد الله تعالى وإنما هو تقريب للفهم مع جواز غيره، وهذا في كل تأويل لأنه قد يكون للآية جملة من المعاني لأن الحق تعالى محيط بما يتضمنه كل كلام وما يصلح له، انتهى.

إذا علم ما تقرر فاعلم أنه يجب على كل مكلف معرفته تعالى لقوله تعالى: { فاعلم أنه لا إله إلا الله } فالمعرفة فرض عين على كل مكلف وهو البالغ العاقل، الذي بلغته دعوة الإسلام، والمعرفة هي جزم القلب الموافق للحق عن دليل فلا يكفي الظن في أمر التوحيد لقوله تعالى: { وان الظن لا يغني من الحق شيئا } فلا بد من عقد القلب،

ولذلك سمي اعتقاداً وعقداً كأنه ربط قلبه بذلك الأمر وعقده عليه؛ والعرب تسمي الأمر المحتم عقداً ومنه قوله تعالى: { ولا تعزموا عقدة النكاح } .

قال الشاعر: قومٌ إذا عقدوا عقداً لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا.

وهذا العقد لا بد أن يتقدمه نظر في المصنوعات ليستدل على خالقها.

اختلفوا في أول واجب فقيل: معرفة الله، وقيل: النظر الموصل للمعرفة.

واختلفوا في إيمان المقلد، والمشهور صحة إيمانه. وكذا المشهور أن إيمان العوام ليس تقليداً بل عن نظر واستدلال لكنهم لا يقدرون على كيفية الدليل ودليلُهم مجمَلٌ من دون تفصيل، وذلك فإن الصحابة كانوا لا يسئلون عن الدليل عند إسلامهم لأن الإيمان والإسلام يتنوران بالممارسة على الأسباب المنتجة لهما.

والإيمان تصديق الرسول بكل ما جاء به من عند الله تعالى بأن ينسب النبيَ إلى الصدق في إخباره عن الله تعالى ويمتثل ذلك باطنا.

والإسلام هو الاستسلام في الظاهر بأخذ أحكام الشرع بالرضى والقبول وينقاد بظاهره لأحكام الشرع كلها، قال تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما } فشرط لصحة الإيمان الانقياد في الظاهر والباطن والتسليم ودفع الحرج عن النفس.

ثم الإسلام والإيمان يتغايران لفظاً وهما متلازمان في نفس الأمر (16) لأنه لا يوجد مسلم حقيقة إلا وهو مسلم وعكسه بخلاف المنافق فإنه مؤمن في الدنيا فقط لأجل إجراء حكم الإسلام عليه وأما في الآخرة فهو أشد ضرراً ممن أظهر الكفر لأن ضرر النفاق في الدنيا على أهل الإسلام أشد من ضرر الكافر لأنا نقاتل الكافر دون المنافق حيث لا نعلم

حقيقة أمره، والكافرُ حاله ظاهر.

ثم اختلفوا في أن الإيمان يزيد وينقص والمشهور أنه يزيد وينقص بظهور الأدلة والأعمال الصالحة فيشرق في القلب كالشمس بدون حجاب ومع وجود حجاب.

واختلفوا في قول العبد أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، فمِن مانع مِن ذلك لكون إن تفيد الشك، ومِن مجيز لأن الأشياء لا تقع إلا بالمشيئة أو نظراً لما يؤول له الأمر، واتفقوا على جواز ذلك بقصد التبرك باسمه تعالى، وهذه مباحث فيها كلام كثير.

القاعدة الأولى: الوجود .

من قواعد التوحيد اعتقاد وجود الحق تعالى. وهي صفة نفسية لا يعقل الذات إلا بها، ووجوده تعالى بذاته لا من مادة وعنصر وليس موقوفاً على أمر ءاخر.

والوجود نوعان: وجودٌ قديم وهو واجبٌ وهو وجودُ الحق تعالى. قال تعالى: { ذلك بأن الله هو الحق } أي الثابت الوجود المحقق (17) . والوجود الثاني وجود جائز ممكن وهو وجود مَن عداه، وذلك كل الأكوان.

ثم وقع في كلام المتأخرين من المتصوفين ما لم يتكلم به أحد من السلف وهو قولهم بوحدة الوجود وأن الوجود واحد وهو وجود الحق تعالى، وهذه العبارة كفر فلذا وجب الإعراض عن القول بها ولا يُتمسك بمن قالها لأنا مقتدون به صلى الله عليه وسلم وبأصحابه، ولا يقال فلان معتبَر وقد تكلم بها، لأنا نقول لم نؤمر بالاقتداء به وإنما أُمِرنا بالاقتداء بالسلف بعد

رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرجوع لما عليه السلف سلامة والخوض في قول غيرهم سبب للندامة. ثم هذا القول المذكور المعَبَرعنه بوحدة الوجود (18) أُريدَ به اتحاد الحق بالخلق وأنه لا شيء سواه ويقولون: الكل هو وأنا من أهوى ومَن أهوى أنا وفي كل شيء له ءاية تدل على أنه عينه. فهذا القول كفر وقد غلب أهله النصارى فإنهم

خصوا الحلول بعيسى وهؤلاء عمموا في كل شيء دفع اللهُ شرَهم عن الأمة وعمهم باللطف والرحمة.

إذا فهمت ما تقرر لك من ذلك فاعلم أنه تعالى منزَهٌ عن الحلول والاتحاد بشيء من الكون وأن الخالق تعالى مخالف للخليقة. وأول مَن أظهر هذا المذهب أبو سعيد القرمطي من أهل البحرين، وفعل أبو سعيد هذا وأخوه أبو طاهر بأهل الإيمان من القتل والاغتيال على بلاد الإسلام ما لم يفعله كافر من أهل الحرب حتى بلغ أن أبا طاهر قتل الحُجاجَ بمنى يوم

النحر وجعلهم مكان الأضحية وقد عجّل الله له العقوبة وأنزل الله تعالى عليه وعلى بعض أصحابه بلاء كالطاعون فهلك عن قرب هو وجملة من جنده بذلك الداء، ثم اقتلعوا الحجر الأسود وأخذوه لبلادهم فبئس الاعتقاد وبئس المذهب وبقي هذا الاعتقاد وانتشر مع كثير من الناس.

القاعدة الثانية: القِدَم (19) .

يجب له تعالى القِدَمُ فهو قديم أزلي، والقدم عبارة عن عدم الأولية (20) أو عن عدم سَبْق الحدوث، وذلك أنه لا مبدأ لوجوده ولا يدخل في وجوده زمان ولا مكان فإنه السابق على الزمان والمكان. وليس القدم بمعنى طول الأزمنة كما في قوله تعالى: { حتى عاد كالعرجون القديم } بل معناه كما تقرر، وحينئذ يجب اعتقاد حدوث العالم بأسره

ولا عبرة بقول الفلاسفة القائلين بقدم العناصر وهي الماء والتراب والرياح والنار، لأنها وإن كانت أصلاً للحوادث (21) لكنها متغيرة وكلُ متغيرٍ حادثٌ، فالقديم حقيقة هو الخالق الموجِد لكل شيء. قال تعالى: { وخلق كل شيء } والعناصر من جملة أفراد الشيء فهي حادثة. وقد عُلم مما تقرر انقسام الوجود إلى حادث وقديم، فالقدم

صفة الخالق، والحدوث صفة الخلق.

واعلم أنه يقع في تعبير من يتساهل في العبارة أنه صلى الله عليه وسلم نور (22) من القدم أو من الأزل، أو كان نوراً من القدم من العماء ونحو هذه العبارات، فهذا التعبير باطل مردود على قائله فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم من جملة خلق الله وهو سيدهم، وما يرويه أهل القصص من أن موسى سأل ربه منذ كم لك في الألوهية [الـخ] فهذا كذب

محض لأن رسل الله تعالى لا يجهلون ما يجب له تعالى. وكذا قولهم أبرز الحقيقة المحمدية من محض النور، فالله منزه عن صفات الحوادث فلا تأخذ بظواهر مثل تلك الكلمات التي تكتب من دون تأمل فمقام الحق لا يمثل فافهم.

القاعدة الثالثة: البقاء .

يجب له تعالى صفة البقاء وهي عبارة عن عدم انتهاء الوجود أو عبارة عن عدم اختتام الوجود، وليس ذلك بمحدود. وكل من ثبت قدمه يستحيل عدمه لاستحالة التغير على القديم، وهذا بقاء واجب له تعالى . وأما ما تقرر في الشريعة من دوام الجنة والنار والعرش فهذا البقاء ليس بالذات بل لأن الله شاء لهم البقاء فهم باعتبار ذاتهم يجوز عليهم الفناء،

ووجوده تعالى لم يتغير فبقاؤه واجب لذاته لا لغيره . وبقاؤنا إنما كان لوعد الله ولا يخلف الميعادَ .

ثم نعيم الجنة باقٍ بالإجماع لا ينقطع، وأما عذاب أهل النار المؤمنين منهم فهذا ينقطع بالإجماع ويدخلون الجنة برحمة الله تعالى، وأما عذاب أهل الكفر فقيل ينقطع وهو قول شاذ لا يعول عليه لقوله تعالى: { ونادوا يا مالك ليقضِ علينا ربُك قال إنكم ماكثون } وقوله تعالى: { كلما خبت زدناهم سعيرا } وقوله تعالى: { كلما نضجت

جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب } وقوله تعالى: { خالدين فيها ما دامت السموات والأرض } .

واستدلال هؤلاء بقوله تعالى: { لابثين فيها أحقابا } بأن الحقب ثمانون سنة ليس في محله لأنه يجب رجوع معناه إلى الآيات الدالة على التأبيد جمعاً بين كلمات الله تعالى. وكذا لا دلالة في حديث "يأتي على جهنم زمان ينبت في قعرها الجرجير" لأنه ضعيف.

اللهم عاملنا بعفوك ولطفك وأجرنا من خزيك وعقابك.

القاعدة الرابعة: المخالفة للحوادث .

مخالفته تعالى للحوادث وهي عبارة عن نفي المماثلة فليس بنار ولا نور ولا روح ولا ريح ولا جسم (23) ولا عرَض ولا يتصف بمكان (24) ولا زمان ولا هيئة ولا حركة ولا سكون (25) ولا قيام ولا قعود ولا جهة ولا بعلو ولا بسفل ولا بكونه فوق العالم أو تحته (26) ، ولا يقال كيف هو ولا أين هو ولا ما هو ولا لماذا فعل

كذا أو حكم بكذا. والعمدة في هذه العقيدة قوله تعالى: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } لا يُسئَلُ عما يفعل وهو يُسئلون.

ومما يدلك عقلاً على عدم إدراكه وعدم الإحاطة بكنهه أنك إذا تأملت في تدبير روحك لجسمك وأنت هي وهي أنت وعجزت عن إدراك حقيقتها وعن كيفية تصرفها في جسمك وأين قرارها منك حالَ نومك ومن أين تأتيك عند يقظتك وكيف يدخلك الألم والفرح والحزن والغضب والحلم واللطف والرحمة وما شاكل ذلك من العوارض وأنت جازم بوجودها، علمت

عظمة الخالق لها والمدبرِ. ثم إذا نظرت إلى عدد أصحاب الأرواح وتصرفه فيهم كتصرفه فيك وتأملت في سعة عقلك وإدراكك للأشياء وكيف ينمو جسمك ولا تشعر بنموه ولا تدري من أين يأتيك الطول والعرض في أعضاء جسمك وكذلك كل جسم نامٍ وتأملت في حواسك وكيف اختص السمع بالأذن والبصرُ بالعين والنطقُ باللسان والذوقُ بالحلق والشم

بالأنف والإدراكُ بالقلب مع أن كل جسمك فيه لحم وعظم وعصب، وتأملت الرياح وعدمَ رؤيتها مع تحقق وجودها واختلاف طباعها وتأملت الماءَ وإيجاده على الدوام وأين قراره وخزائنه والمطر والسحاب والبرق والرعد والنبات وكيفية رزق الخلق وتغذيتهم وإخراج ما يضرهم من فضلاته وغير ذلك مما لايحيط به عقلٌ، علمتَ وأيقنت بعجزك عن معرفة حقيقته

تعالى لأن العجز عن إدراك المصنوع مع مشاهدته أو مشاهدة أثره أعظم دليل على العجز عن إدراك مَن صنعَ ذلك وأنه عظيم فوق جميع ذلك. فسبحان من أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً. ربنا ءاتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رَشدا.

واعلم أن بعض أهل الرفض قد مثلوه تعالى بخلقه، وذلك أنه صح أن جبريل كان يتمثل بصفة دحية الكلبي وبصفة أعرابي يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، وتمثل لمريم بشراً سوياً كما نطق به الكتاب العزيز، ومع هذه الحالة هو جبريل بعينه لم يتغير عن المَلكية، قالوا إذا قدر المخلوق على أن يتطور ويتلون بأشكال مختلفة فالخالق القادر على ذلك أقدر بأن

يظهر في صورة مخصوصة أو في صورة الكون، فجسّموا وشبهوا وجوّزوا الحلول ومرقوا من الدين كالسهم من الرمية وقالوا بألوهية علي وجعفر واتسع الخرق معهم إلى الفاطميين فاعتقدوا فيهم الربوبية ولا سيما الحاكم بأمر الله منهم، فإنه توغل في هذا الشأن. وهذا جهل عظيم بقياس مَن ليس له مثل على من له مثل، فإن جبريل جسم نوراني حادث

يقبل التغير والتنقل، والخالقُ تعالى ليس له عنصر ولا مادة ولا دلّ دليل على هذه الدعوى الباطلة سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وأول من ابتدع لهم مذهب الرفض عبد الله بن السبأ كان يهودياً أسلم نفاقاً قصداً لإدخال الشبه على أهل الإسلام وقد نال منهم منالاً عظيماً وهو أول من أظهر للناس حب علي وتفضيلَه على الصديق، ولما علم علي بحاله

نفاه من الكوفة ثم ما زال يزين للناس فضلَ علي وحبَه حتى أوقعه في بغض الأصحاب ثم في ربوبية أهل البيت. وكذا حصل نظيره لبعض أهل الاعتزال كالنظام والجاحظ فإنهما كانا من غلاة المعتزلة وهم من المجسمين، وقد محق الله تعالى أصحابَ هؤلاء المذاهب الباطلة وأبادهم، ومَن بقي منهم كُتب عليه الذلة. وإنما بينتُ لك هذا لتعلم المفسدَ مِن