وإن قالوا نعم، أقروا بأنه شاء أن يكون كل شيء كما علم أن يكون"] انتهى كلامه ذكره في التأويلات. وذكر البيهقي في مناقب الشافعي بإسناده إلى الربيع المرادي: "سئل الشافعي عن القدر فقال:
ما شئتَ كان وإن لم أشأ ... وما شئتُ إن لم تشأ لم يكنْ
خلقتَ العبادَ على ما علمتَ ... ففي العلم يجري الفتى والمسِنّْ
على ذا مننتَ وهذا خذلتَ ... وهذا أعنتَ وذا لم تُعِنْ
فمنهم شقيٌ ومنهم سعيد ... وهذا قبيحٌ وهذا حسنْ
(43) ذكر أبو منصور الماتريدي في التأويلات في إثبات مغايرة الإرادة للأمر: إن الله أمر إبراهيم بالذبح وفداه بكبش فلا يجوز أن يكون أراد فعلَ حقيقة الذبح ثم يمنع عنه بالبدل لأنه ءاية البداء وعلامة الجهل، فكان الأمر لا بالذي به حقيقة الإرادة اهـ.
(44) قال الشيخ عبد الله الحبشي في (الدليل القويم على الصراط المستقيم) فإن قالوا كيف أمرَ اللهُ الكافرَ بالإيمان وشاء منه الكفرَ؟ قلنا كيف أمره بالإيمان وقد علم أنه سيكفر فإنه لا يؤمن أبد الدهر اهـ.
(45) ذكر الشيخ عبد الله الحبشي في (الدليل القويم على الصراط المستقيم) ما نصه: قد ثبت علمُ الله وقدرته بالبرهان. ومِن شرطِ العالم القادر أن يكون حياً فوضح وجوبُ الحياة له" اهـ.
(46) ودليل السمع والبصر الآيات والأحاديث كقوله تعالى: { وهو السميع البصير } وقوله صلى الله عليه وسلم في تعداد أسماء الله الحسنى (السميع البصير) وهو في حديث أخرجه الترمذي وحسنه. قال البيهقي في رد قول مَن يقول أن الله متكلم بمعنى خالق الكلام في غيره كالشجرة التي كان موسى عندها: "ولا يجوز أن
يكون كلامُ المتكلمِ قائماً بغيره ثم يكون هو به متكلما مكلما دون ذلك الغير. كما لا يجوز ذلك في العلم والسمع والبصر، وقال تعالى: { وما كان لبشرٍ أن يكلمَه اللهُ إلا وحيا أو مِن وراء حجاب أو يرسلَ رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء } فلو كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقاً في شيء مخلوق لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنى لاستواء جميع الخلق في
سماعه من غير الله ووجودهم ذلك عند الجهمية مخلوقاً في غير الله، وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين" اهـ.
(47) قال الإمام أبو حنيفة الذي هو من رؤوس السلف في الفقه الأبسط: ويتكلم لا ككلامنا. نحن نتكلم بالآلات من المخارج والحروف، واللهُ متكلم بلا ءالة ولا حرف. فصفاته غير مخلوقة ولا محدَثة، والتغير والاختلاف في الأحوال يحدث في المخلوقين. ومن قال أنها محدثة أو مخلوقة أو توقف فيها أو شك فيها فهو كافر" اهـ.
(48) قال الأشعري: "إن الله تعالى أسمعه الكلامَ القديمَ الذي ليس بحرف ولا صوت". وقال الغزالي: "إنه سمع الكلامَ الذاتي بلا صوت ولا حرف كما يَرى ذاتَه بلا كمٍ ولا كيفٍ المؤمنون في الجنة". وقال أبو حنيفة رضي الله عنه في كتاب العالم والمتعلم: "وخصه بكلامه إياه حيث لم يجعل بينه وبين موسى رسولاً"، وقال
أيضاً: "وسمع موسى كلامَ الله كما في قوله تعالى: { وكلّم اللهُ موسى تكليما } ". اهـ.
(49) قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر والوصية: "والقرءان كلام الله غير مخلوق، ووحيه وتنزيله على رسول الله. وهو صفته على التحقيق مكتوب في المصاحف، مقروء بالألسنة، محفوظ في الصدور غير حالٍ فيها. والحبر والكاغد والكتابة والقراءة مخلوقة لأنها أفعال العباد. فمن قال بأن كلام الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم"
اهـ.
(50) ومن أوضح دليل على أن القرءان بمعنى اللفظ المنزل غير كلام الله الذاتي قولهُ تعالى: { يريدون أن يبَدّلوا كلامَ الله } فإن الكلامَ هنا هو اللفظي لأنهم لا يقصدون تبديلَ كلام الله الذي هو صفة ذاته، فإن صفة ذاته لا تتغير. فوضح أن كلامَ الله له إطلاقان أحدهما اللفظ المنزل والثاني كلامه الذاتي الذي ليس حرفاً ولا صوتاً، بل
أزلي أبدي لا هو عين ذاته ولا هو غيره إنتهى كلام الشيخ الحبشي.
(51) قال الزركشي في تشنيف المسامع: "وهو من لوازم القول بخلق الأفعال كلها. وهي مسئلة القضاء والقدر التي لا يتم الإيمان إلا به، أن يعتقد أن كل شيء من الطاعة والعصيان والنفع والضر بمشيئة الله خلافاً للمعتزلة فإنهم يعتقدون أن الأمر مستأنف بمشيئة العبد مستقل به من غير سبق قضاء وقدر . ولذلك قيل لهم القدرية لأنهم
نفوا القدر . وجاء في الحديث: (القدرية مجوس هذه الأمة) اهـ رواه ابن حبان وأبو داود وذكر الاسفراييني في كتابه التبصير في الدين أن "القدرية ينقسمون إلى عشرين فرقة. وأن واصل بن عطاء الغزال وهو رأس المعتزلة وأول من دعا الخلق إلى بدعتهم وذلك أن معبداً الجهني وغيلان الدمشقي كانا يضمران بدعة القدرية ويخفيانها عن
الناس" اهـ.
(52) ذكر العسقلاني في شرحه على البخاري ما نصه: "ومسئلة التكوين مشهورة بين المتكلمين، وأصلها أنهم اختلفوا هل هو صفة قديمة أو حادثة، فقال جمع من السلف منهم أبو حنيفة: "هو قديم". وقال ءاخرون منهم ابن كُلاب والأشعري: "هو حادث لئلا يلزم أن يكون المخلوق قديما" وأجاب الأول بأنه يوجد في الأزل
صفة الخلق ولا مخلوق. وأجاب الأشعري بأنه لا يكون خلق ولا مخلوق كما لا يكون ضربٌ ولا مضروب. فألزَموه بحدوث صفات فيلزم حلول الحوادث بالله، فأجاب بأن هذه الصفات لا تُحدِثُ في الذات شيئا جديدا. فتعقبوه بأنه يلزم أن لا يسمى في الأزل خالقاً ولا رازقا، وكلام الله قديم وقد ثبت فيه أنه الخالق الرازق. فانفصل بعض الأشعرية
بأن إطلاق ذلك إنما هو بطريق المجاز وليس المراد بعدم التسمية عدمها بطريق الحقيقة. ولم يرتضِ هذا بعضُهم بل قال وهو المنقول عن الأشعري نفسه: أن الأسامي جارية مجرى الأعلام، والعَلَمُ ليس بحقيقة ولا مجاز في اللغة. وأما الشرع فلفظ الخالق الرازق صادق عليه تعالى في الحقيقة الشرعية. والبحث إنما هو فيها لا في الحقيقة اللغوية،
فألزموه بتجويز إطلاق اسم الفاعل على من لم يقم به الفعل. فأجاب بأن الإطلاق هنا شرعي لا لغوي لغوي" اهـ.
(53) قال البخاري في باب ما جاء في تخليق السموات والأرض وغيرها من الخلائق: "وهو فِعلُ الربِ تبارك وتعالى وأمرُه. فالرب بصفاته وفعله وأمره وهو الخالق هو المكوِن غير مخلوق. وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكوَن"اهـ وقال أبو حنيفة: "فالفعلية التخليق والإنشاء والإبداع والصنع وغير
ذلك. والله تعالى لم يزل خالقاً بتخليقه، والتخليق صفة في الأزل. وفاعلاً بفعله والفعل صفة في الأزل. فكان الله خالقا قبل أن يَخلُق ورازقا قبل أن يَرزق. وفعله صفته في الأزل، والفاعل هو الله غير مخلوق والمفعولُ مخلوق" اهـ. وقال البخاري في كتابه [خلق أفعال العباد]: "اختلف الناس في الفاعل والفعل والمفعول.
فقالت القدرية: الأفاعيل كلها من البشر. وقالت الجبرية: الأفاعيل كلها من الله. وقالت الجهمية: الفعل والمفعول واحد، لذلك قالوا: "مخلوق". وقال السلف: التخليق فِعْلُ الله، وأفاعيلنا مخلوقة، ففِعلُ الله صفته، والمفعول مَن سواه من الخلوقات" اهـ.
(54) وقال اللالكائي في شرح السنة: "أخبرنا عبد الله بن عبيد ثنا أحمد بن سليمان ثنا جعفر بن محمد ومحمد بن إسماعيل قالا ثنا صفوان بن صالح ثنا عمرو بن شعيب قال سمعت الأوزاعي يقول: "إن أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن كان نصرانياً فأسلم ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد"
اهـ.
(55) وهم أتباع جهم بن صفوان، ومع كل بدعه كان يحمل السلاح ويخرج على السلطان وينصب القتال معه. ورافق سريج بن الحارث في وقائعه، وخرج على نصر بن سيار حتى قتله سلم بن أحوز المازني في ءاخر أيام المروانية. وأكثر أتباعه بنواحي ترمذ وأهل السنة والجماعة يكفرونهم" اهـ. أنظر التبصير للاسفراييني والفرق بين
الفرق لأبي منصور البغدادي.
(56) ذكر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق أنهم عشرون فرقة منها ثلاث زيدية، وفرقتان الكيسانية، وخمس عشرة فرقة من الإمامية. فأما غلاتهم الذين قالوا بإلهية الأئمة، وأباحوا محرمات الشريعة وأسقطوا وجوب فرائض الشريعة كالبيانية والمُغيرية والجناحية والمنصورية والخطابية والحلولية ومَن جرى مجراهم فما هم من فرق الإسلام وإن
كانوا منتسبين إليه" اهـ.
(57) وذكر أهل التواريخ أن الذين وضعوا دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس وكان مَيلُهم إلى دين أسلافهم، ولكنهم لم يقدروا على أظهاره مخافة سيوف المسلمين. انظر التبصير للاسفراييني.
(58) قال الفقيه محمد بن أحمد ميارة المالكي في كتابه (الدر الثمين) ما نصه: "وانظر المسلم الذي ولِد في الإسلام إذا اتفق له أنه لم ينطق بالشهادتين قط، فإن كان لعجز كالأخرس فهو كمن نطق، وإن كان إبايةً وامتناعاً فهو كافر بلا شك، وإن كان لغفلة فقط فهل هو كمن امتنع فهو كافر قطعاً أو هو كمن نطق فهو مؤمن ونسب للجمهور
قولان" اهـ. وقال النووي: "من صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهو كافر مخلد في النار بالإجماع" اهـ وقال محمد بن يوسف السنوسي: "وأما الكافر فذكره لهذه الكلمة واجب شرط في صحة إيمانه القلبي مع القدرة، وإن عجز عن ذكرها بعد حصول إيمانه القلبي لمفاجأة الموت ونحو ذلك سقط عنه الوجوب" اهـ.
(59) ورد في فضل كلمة الإخلاص ما رواه مالك في الموطأ والترمذي عنه صلى الله عليه وسلم: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وعند الترمذي زيادة: (له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير). ويكفي في فضلها أن الكافر الأصلي إذا نطق بها انهدم جميع ذنوبه، فقد روى مسلم أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص لما أسلم: (ألم تعلم أن الإسلام يهدم ما قبله) وروى أحمد من حديث رفاعة الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أشهد عند الله لا يموت عبدٌ شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صدقاً مِن قلبه ثم يسدّد إلا سلك في الجنة، وقد وعدني ربي عز وجل أن يُدخِل من أمتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا
عذاب، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تتبوّؤا أنتم ومن صلح من ءابائكم وأزواجكم وذرياتكم مساكنَ في الجنة) قال الهيثمي: رجاله موّثقون.
(60) وقد قرر أهل المذاهب الأربعة أن الأنين والتأوه يفسد الصلاة. و(آه) من جملة ألفاظ الأنين وقد عدها الزبيدي في شرح القاموس اثنتين وعشرين كلمة. وما يروى أن الأنين اسم من أسماء الله فلا أصل له. أخرجه الرافعي في تاريخ قزوين بإسناد تالف وهو مناقض لقول الله في سورة الأعراف: { ولله الأسماء الحسنى
} فقد فسروا الحسنى بالدالة على الكمال فلا يجوز أن يكون اسمٌ من أسماء الله تعالى دالاً على خلاف الكمال. انتهى كلام الشيخ عبد الله الحبشي في كتابه الدليل.
(61) يجتمع النبي والرسول في أن كلاً منهما أوحي إليه بشرع. ويفترق الرسول عن النبي بأنه أوحي إليه بشرع جديد. والنبي يتبع شرع الرسول الذي قبله.
(62) أخرج ابن حبان من حديث أبي ذر أنه سأل رسولَ الله عن عدد الأنبياء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً) وأنه قال: كم الرسل منهم؟ فقال (ثلاثمائة وثلاثة عشر) وصححه، ولكن في سنده مَن هو مختلف في توثيقه. إنتهى كلام الشيخ عبد الله الحبشي في الدليل.
(63) إذ إن عند جمهور علماء التوحيد يشترطون للاحتجاج بالحديث في العقائد أن يكون الحديث مشهوراً وإن كان دون المتواتر.
(64) روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خلق اللهُ الملائكةَ من نور).
(65) روى البخاري ومسلم والدارقطني والبيهقي وغيرهم مجيء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر.
(66) قال الله تعالى: { إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه } .
(67) ثبت عن سعيد بن المسيب أنه قال إن الملائكة لا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون وأنهم ليسوا ذكوراً ولا إناثاً. نقله عنه الشيخ عبد الله الحبشي في دليله.
(68) رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد والحاكم وحسنوه، ولفظ الترمذي: (ساجد لله تعالى).
(69) جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في صورته التي هي ذات ستمائة جناح.
(70) قال الله تعالى: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسلَ رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء } .
ترجمة العلامة المحدث الشيخ محمد الحوت البيروتي
هو قدوة المحققين وعمدة المدققين وصدر العلماء العاملين والفضلاء الكاملين، بقية السلف الصالح الإمام المحدث الولي الكامل والتقي الفاضل الناسك الزاهد الورع العابد، صاحب المواهب الجليلة والمناقب الجزيلة السيد أبو عبد الله محمد ابن السيد درويش ابن السيد محمد الحوت البيروتي مولداً الشافعي مذهباً العلوي نسباً (نسبة إلى سيدنا علي رضي الله
عنه) من عائلة تقى وصلاح، ورهط فضل وفلاح.
مولده ونشأته
ولد في بيروت سنة تسع ومائتين وألف من الهجرة النبوية ونشأ في بيت والده السيد درويش، في بيت خرّج للمسلمين أكثر من عالم خدموا العلم والأمة. وما أن شب حتى انكب على الاغتراف من بحور العلم فحفظ القرءان الكريم اتقانا واستظهارا وترتيلاً على الشيخ علي الفاخوري. ثم تولع في طلب العلم والفنون فحفظ ألفية ابن مالك وحفظ كثيراً من
المتون.
وبأثنائها حضر من الديار المصرية العالم الرباني الشيخ محمد المسيري الاسكندراني فلازمه وأخذ عنه علم التوحيد وشرح الخلاصة النحوية وغير ذلك. وقرأ على مفتي بيروت العالم الفاضل الشيخ عبد اللطيف فتح الله. ثم رحل إلى دمشق الشام تتميما لمرغوبه ورغبة بإكمال مطلوبه فأخذ عن أجلاء علمائها الأعلام وكان أكثر تحصيله على علامة عصره
الشيخ عبد الرحمن الطيبي الشهير بالشافعي الصغير، وعلى مسند الديار الشامية الشيخ محمد الكزبري، كما إنه أدرك العلامة الكبير الشيخ عبد الرحمن الكزبري وغيره من العلماء العاملين أمثال الشيخ صالح القزاز والشيخ خليل الخشي والشيخ أحمد بيبرس. كما إنه قرأ على العلامة الشيخ محمد بن عابدين الحنفي صاحب الفتاوى المشهورة.
رجوعه إلى بيروت
ولما عاد إلى موطنه بيروت أشار عليه الشيخ علي الفاخوري أن يدرّس في الجامع العمري الكبير رغبة بنفع الخاص والعام لما شاهد أن كثيرا من الأهالي ببحار جهله قد عام فأخذ يدرّس في جوار مقام سيدنا النبي يحيى عليه السلام رجاءً منه بأن العلم بعد موته ببلدته يحيا. غير أن ما كان جرى في ذلك الزمان بين مفتي بيروت والنائب من القيل والقال وسوء
الأحوال كان من أعظم المصائب على الأهالي حتى أفضاه الأمر إلى ترك القراءة والتدريس معتزلاً في بيته حينا من الزمن لم يكن عند قومه شيئا مذكورا إلى سنة ست وأربعين فإنها تغيرت الأحوال وهؤلاء الرجال، وعاد إلى التدريس فأشرقت شموس مواهبه وبزغت أنوار مناقبه وتفجرت عيون علومه فأشفت العليل، وتدفقت ينابيع فنونه فأروت الغليل فشهد
بفضله الخاص والعام وأنعش قلوب الأنام بلفظ كالبحر الزاخر ووعظ كعقود الدر في نحور الحرائر.
تلاميذه
وقد تخرج على يديه أكثر علماء بيروت ومنهم الشيخ عبد الباسط أفندي الفاخوري مفتي ولاية بيروت وهو أكبر تلاميذ الإمام، والأستاذ قاسم أبو الحسن الكستي والشيخ توفيق خالد والشيخ عمر الأنسي والسيد حسين أفندي بيهم وغيرهم من أهل العلم والفضل.
مؤلفاته
له مؤلفات مفيدة ومصنفات فريدة في كافة العلوم والفنون وهي:
1- كتاب في أسماء رجال الإمام البخاري مرتب على حروف الهجاء.
2- ذكر رتبة الأحاديث التي جردها الإمام عبد الرحمن التميمي من البخاري.
3- كتاب في أخبار مأخوذة من كتاب الإمام أبي حفص عمر الأندلسي المرسي وهو الكتاب المعروف بـ (حسن الأثر فيما فيه ضعف واختلاف من حديث وخبر وأثر) وهو في جملته مبني على أبواب الفقه، وليس في الكتاب شيء من ذاتيات الحوت، إلا طائفة من تعليقات أحسن فيها الإحسان كله. ذكره العانوتي في كتابه (الحركة الأدبية في بلاد
الشام)، والزركلي في الأعلام. وقد وجد هذا الكتاب مخطوطا في مكتبة الأزهر الشريف.
4- كتاب في ذكر أسماء الرجال الضعفاء والمتروكين. وهو شرح لتراجم رجال البخاري. وقد ذكر المناسبة بين الترجمة والحديث اللذَين طالما حارت فيهما أفكار أولي الألباب وكلت في المطابقة بينهما أقلام جهابذة العلماء الأعلام. ذكره العزوزي في كتابه (إتحاف ذوي العناية) وقد وجد هذا الكتاب الذي هو بخط المؤلف في مكتبة عبد
الحي الكتاني تحت رقم 328 ك حديث، وقد ضمت للخزانة العامة بالرباط. وهذا من جملة الكتب التي حملها عبد الحي إلى بلاده.
5- كتاب في بيان الضعيف من أحاديث الجامع الصغير. وقد ذكر فيها الأحاديث الضعيفة المعللة بذكر الراوي المضعف أو المتروك أو الوضاع أو المتهم بالوضع ورتبها كالأصل على حروف الهجاء. وقد وجد هذا الكتاب الذي هو بخط المؤلف في دار الكتب المصرية تحت رقم 20357 ب، وقد فرغ من كتابته في شهر رجب سنة
1266 هـ.
6- رسالة مشتملة على أخبار موضوعة.
7- كتاب يشتمل على أحاديث تتعلق بأحكام مختلفة في المعفوات.
8- رسالة تحتوي على منثورات فقهية.
9- حاشية على شرح ابن حجر للأربعين النووية.
10- كتاب مطول في المعفوات.
11- كتاب موجز في الميراث. (ولعل هذا الكتاب هو الحاشية التي وضعها الشيخ محمد الحوت على شرح الرحبية لسبط المارديني، وقد وجد هذا الكتاب في مكتبة جمعية المقاصد الخيرية تحت رقم 109 ن، كتبت بخط الشيخ عمر الأنسي تلميذ المؤلف).
12- شرح بانت سعاد (مطول).
13- شرح بانت سعاد (موجز).
14- رسالة في أمر يزيد. (وقد وجدَت هذه النسخة في أحد بيوتات ءال الحوت).
15- رسالة في البيان. (ولعل هذا الكتاب هو الحاشية التي وضعها على كتاب مختصر المعاني والبيان للتفتازاني، وقد وجد هذا الكتاب في مكتبة جمعية المقاصد الخيرية تحت رقم 58).
16- رسالة في الإسناد والاشتقاق.
17- حاشية على شرح الأخضري للسلّم.
18- كتاب يحتوي على بعض الكلمات العربية التي يحتاج إليها كل طالب علم لدورانها في الكلام.
19- رسالة في الحساب.
20- رسالة في علم الفلك. (وقد وجدَت هذه الرسالة التي هي بخط الشيخ عمر الأنسي في مكتبة جمعية المقاصد الخيرية تحت رقم 109ن).
21- كتاب في تاريخ الصحابة.
22- كتاب في شرح بيتي الموصلي.
23- كتاب في التوحيد اسمه "الدرة الوضية في توحيد رب البرية". ذكره كحالة في معجم المؤلفين 9: 299 وفهرس الأزهرية 459: 1.
24- رسالة بخلق الأفعال.
25- عقيدته التي أملاها على تلميذه الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت الأسبق، وقد املاها عليه في جلسة واحدة.
26- كتاب الأحاديث المشتهرة المشكلة في الرتبة. وهو مصنف في الحديث المشهور على ألسنة الناس مما ينعت بالصحة حيناً وبالضعف أو الوضع حيناً ءاخر. وقد ذكر فيه الأحاديث التي ذكرها الشيخ عبد الرحمن بن الديبع اليمني التي جردها من مختصر المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة للسخاوي، فذكر رتبها وأقسامها
واعتمد في ذلك على شرح الجامع الصغير للمناوي ورتبها على حروف المعجم. وقد وجد هذا الكتاب الذي هو بخط المؤلف في دار الكتب المصرية تحت رقم 20361ب وقد فرغ من كتابته في شهر جمادى الأولى سنة 1265 هـ، وبهامش الكتاب تقييدات كثيرة بخطه. وقد رتبه ترتيباً أبجديا ولد الإمام العلامةُ الفاضل أبو زيد عبد الرحمن الحوت
وسماه "أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب".
27- كتاب الوضاعون وما وضعوا. وهو كتاب رتبه على حروف المعجم في كل حرف يذكر الأحاديث التي وضعها أولئك الوضاعون ففاق بذلك كل كتاب وضع في هذا الباب.
صفاته الخلقية
كان رضي الله عنه جامعا بين العلم والزهد وله اليد الطولى بتعليم العلوم الدينية، جليل القدر مسموع الكلمة يعزه أهل زمانه لعلمهم بتقواه وفضله. له مروءة تامة بعمل الخير والسعي فيه، يرغب الألفة بين العموم متصفاً بعلو الهمة ومكارم الأخلاق، يقول الحق ولا يخشى لومة لائم. وكان مكسبه من التجارة رغبة بالاستغناء عن الاحتياج للناس ومتقشفا
بملابسه اعراضا عن زهرة الدنيا، كان شافعي المذهب صوفي المشرب.
وكان طيب الله ثراه طويل القامة نحيف الجسم ابيض اللون خفيف اللحية والعارضين واسع الجبين أقنى الأنف أشهل العينين، سمحا كريما طيب النفس كثير الذكر والخشوع، جمّ التواضع فعالاً للخير برا بالطلبة حريصا على إفادتهم وتعليمهم، له نفس زكية لا تعرف الكبر، قوي الحجة ثابت الجأش.
كان ذا منطق عذب وحكمة بالغة، له لفظ أغلى من الدر إذا قال، وكان شديد التمسك بالسنة متولعا بدراستها، أنّى رأيته رأيت الخير والبركة والعلم والنور.
له نثر رائق وشعر فائق لم يُعثر إلا على اليسير منه لأنه كان مقلاً من الشعر لاستغراق وقته في الوعظ والإرشاد وإلقاء الدروس الخاصة والعامة. له تشطير هذين البيتين المشهورين يقول:
ومن عجبٍ أن الصوارم والقنا ... رحى كل حرب في الفلاة تدورُ
ولم أر من عيب بها غير أنها ... تحيض بأيدي القوم وهي ذكورُ
وأعجب من ذا أنها في أكفهم ... تميل لها الأرواح وهي تمورُ
كآل رسول الله أضحت سيوفهم ... تؤجج نارا والأكف بحورُ
وفاته
وفي ليلة الأربعاء لسبع ليالٍ خلت من شهر ذي الحجة الحرام من سنة ست وسبعين ومائتين وألف قضى نحبه بعد أن مرض برهة يسيرة.
وصلي عليه ظهرا في الجامع العمري الكبير ودفن بتربة الباشورة في مشهد شهده الكبير والصغير والأمير والحقير. وقد قال تلميذه الشيخ عبد الباسط الفاخوري: "لم أنظر له نظيرا لما حواه من الجموع على اختلاف الملل وتباين النحل فكان ذلك دليلاً بينا وبرهانا ساطعا على اعتبار العموم له، واعترافهم بتقواه وفضله.
وخلاصة القول أنه عاش كريما ومات عظيما فبكت عليه العلوم وأهلها وحزن لمصابه القريب والبعيد ورثاه جملة من أدباء عصره.
وقد نزل على الأمة بفقد هذا الإمام الجليل خطب عظيم ومصاب جسيم. فقام شعراء عصره على منابر نعيه معددين ءاثاره ومناقبه فقال العالم الفاضل والشاعر الشيخ قاسم افندي الكستي في رثاء شيخه:
أقيموا فروض الصبر واغتنموا الأجرا ... على حوتِ علمٍ أبحرَ الدمع قد أجرى
هو المرشد الحبر المسمى محمدا ... ومن هو بالعرفان من غيره أدرى
بمسراه ودعنا الفضائل كلها ... ونادى لسان الحال سبحان من أسرى
ورثاه العالم العامل والجهبذ الكامل الشيخ مصطفى أفندي نجا فقال:
مضى حوت بحر العلم وهو محمدُ ... وبالفضل ما زالت له الناس تشهدُ
نعم هذه ءاثاره وحديثها ... حديث صحيح طيب النشر مسنَدُ
هو العالم العلامة العلم الذي ... به لطريق الحق من ضل يُرشدُ
وقد رثاه أيضا ناصيف اليازجي فقال:
قف فوق رابية تُجاه المسجد ... وقل السلام على ضريح محمد
واتل الفواتح فوق تربته التي ... حُفّت بأملاك تروح وتغتدي
ما زال يسعى كل يومٍ باحثا ... في يومه عما يحاسب في غد
علم من الأقطاب أصبح مفردا ... في العالمين بفضله المتعدد
قد صح وضع الحوت في لقب له ... إذ خاض في بحر العلوم المزبد
صافي السريرة مخلص لله في ... عملٍ سليم القلب عذب المورد
متواضع فوق الكرامة كلما ... قامت عُلاه يقول للنفس اقعدي
لم تغرهِ الدنيا فكان نصيبه ... نَصَبَ العبادة لا نصاب العسجد
حزن القريب عليه ملتاعا كما ... حزن البعيد على الحديث المسند
لم تبق عين في البلاد عليه ولم ... تدمع ولا شفة له لم تُحمَدِ
بيروت نوحي في الأصائل والضحى ... حزنا عليه ولا أقول تجلّدي
قد غاب عنك وفيك بدر مشرق ... بدر التمام إزاءه كالفرقد
بدر يدور على العيون فتنجلي ... أبصارها وعلى القلوب فتهتدي
ما عيب قط بريبة إذ لم يزل ... طول الحياة لنفسه بالمرصد
يشكى إليه ليس منه فإنه ... عن كل سوء كان مكفوف اليد
يا أيها الميت الذي يبقى له ... في أرضنا ذكر ليوم الموعد
قد مُتَّ في الدنيا كأنك لم تمت ... والبعض مات كأنه لم يولَدِ
ومرقده الشريف في الجبانة العامة وهو مقصد للزوار، وبركاته الكثيرة كالشمس في رابعة النهار.
أولاده
أعقب عقباً صالحاً وذرية صالحة وهما:
العالم الفاضل الشيخ محمد أفندي.
والمحقق الكامل بقية السلف الصالح العامل على إقامة الشعائر وتشييد المساجد والمدارس وإحياء العلوم الشيخ عبد الرحمن نقيب السادة الأشراف في ولاية بيروت.
ولد في بيروت سنة 1846 وانتخب رئيساً لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، وله اليد الطولى في تعمير أغلب مساجد بيروت والأزهر. توفي سنة 1916. وكلاهما قد اقتفيا أثر والدهما ونهجا منهجه القويم بالعلم والعمل الصالح وفقنا الله لما فيه رضاه.
الترجمة من إعداد فضيلة الشيخ الدكتور كمال يوسف الحوت حفظه الله.
