وإذا علمت أنها تدل على افتقار ما سواه له تعالى فخذ منها القدرة والإرادة والعلم وكونه قادراً مريداً عالماً، لأن الكون لا يفتقر إلا لمن اتصف بهذه الصفات. وربما دخل الوجود مع الوحدانية في الشق الثاني .
ولما كانت كلمة التوحيد متضمنة للصفات الواجبة جعلها الشارعُ عنواناً على الإسلام بحيث لا يقبل إلا بها (58) وكذا بما دل عليها عند بعض العلماء .
وفي حديث ضعيف: (لا إله إلا الله حصني من دخله أمن من عذابي) ومعناه صحيح وإن كان في سنده مقال (59) . واعلم أن الشارع جعل قانوناً عربياً للكلمات العربية فلا بد من مراعاته من مدّ (لا) وإظهار همزة (إله) وهائه وتشديد (إلا) وإظهار مدة لفظ الجلالة والهاء، ولا تغيرها عن قانونها الشرعي ولا تغتر بما عليه
أهل العصر من الاختصار لبعض هيئة حروفها فإن الخير في الإحسان والإتقان، ولا خير فيما دخله خلل في القلب أو اللسان .
فإسقاط ألف (لا) يوجب ثبوت إله غيره تعالى، وإبدال ألف (إله) ياء أو إسقاط هائه يوجب تسميته تعالى بغير لفظ (إله)، وتخفيف (إلا) يفسد المعنى الذي وُضعت هذه الكلمة لأجله، وإسقاط هاء (الله) يوجب التسمية بغير الاسم المشروع، وكل ذلك خلل ومن رضي لنفسه بالخلل فهو مفرط في نفسه ومتبع هواها (60) . ولا بد
من مراعاة معنى الاستثناء بالقلب قبل التلفظ به ليتم لك نظام التوحيد.
واعلم أيها الذاكر أنك حالة ذكرك لربك فقدّر أنك وزير السلطان فانظر كيف يجالس الوزير الملك، وإذا نظرت أنك من أقل جنده فانظر كيف تجالسه وتخاطبه، وإذا عمي عليك الأمر وكنت جامد الذهن بعيد الفهم فانظر كيف أدبك في الصلاة فاجعل حالة الذكر كحالة الصلاة لأنها ذكر، فإذا تأملت ذلك ورسخ في قلبك، جعل الحقُ قلبَك طوراً لأسراره وأفاض عليك
أنواره ووسع صدرك لمعرفته وهيّأك لحكمته؛ واحذر تقليد أهل الغرور ومن يعتمد على عقله فحينئذ تكون كحمار الرحى يدور ثم يرجع لمكانه فيضيع سعيك وأنت في مكانك لم تبرح منه. والزم ثياب الذل في ذكرك تكن أقرب من غيرك لتلقي أنوار المعارف الربانية.
واعلم أنه تولع كثير من الناس بإدخال لفظ اللاهوت في كلامهم وهذا من ألفاظ أهل الكتاب يريدون به الإله، فلا ينبغي التمسك بما لم يرد في شرعنا ولا سيما أنهم قالوا: حل اللاهوت في الناسوت وأرادوا بذلك أن الإله حل في جسم عيسى وظهر بصورة الإنسان، فلا يليق التكلم بشيء نشأ عنه كفر.
واعلم أن جملة [محمد رسول الله] يجب معرفة معناها وأنه جاءنا من عند الله تعالى بالقرءان العظيم، ويجب الإيمان بكل الأنبياء لأن رسالته صلى الله عليه وسلم تضمنت رسالة غيره ونبوة الأنبياء (61) فيجب الإيمان بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والإيمانُ بالملائكة الكرام عليهم السلام والإيمان بالكتب السماوية وباليوم الآخر، وما يقع فيه من
الحساب بعد النشر والحشر وبالصراط والميزان والصحف والجنة والنار وبخلود أهلهما وبالحوض والشفاعة وبسلامة أهل الإيمان من الخلود في العذاب إن عذبوا، وبإظهار العدل في الخلق، وبرؤية المؤمنين لله كما يليق به تعالى، وبعذاب القبر ونعيمه والسؤال فيه عن التوحيد والرسولِ صلى الله عليه وسلم.
فكل هذه الأشياء جاءت بها الرسل فيجب الإيمان بها وهي من أمور الغيب جاء بها الصادق، فالإيمان بها واجب. ثم الإيمان بالأنبياء يوجب الإيمان بصدقهم وأمانتهم وعصمتهم وأنهم على أكمل حال ظاهر وباطن، لأن الله تعالى عالم وقادر فلا يرسل لعباده رسولاً يبلغ عنه حكمه إلا كامل العلم والمعرفة حسن الخُلُق والخَلق والصوت، حليماً رحيماً كريماً
شريف النسب معظماً في قلوب أمته ليرغبوا في الاتباع وتقوم حجة الله عليهم. فسيد الرسل أعظم الناس خلقا وخـُلـُقا وحلما وعلما وعقلاً وفهما ولطفا وكرما، وأوسعهم صدرا وقلبا. وكفانا بياناً لعظيم قدره كتاب الله العزيز المصرح برفعة شأنه لقوله تعالى: { وإنك لعلى خلـُق عظيم } أكد الحكم وأتى بلفظ (على) الدالة على تمكنه
كالمستعلي على الشيء، ونوّنه لتعظيمه ثم وصفه بعظيم للدلالة على أنه أمر لا يدرك. ففي هذه الآية من الإعلام برفعة مقامه ما لا يحيط به إلا من منحه وأعطاه ومنّ عليه وحباه فسبحان من اختاره واصطفاه.
وكقوله تعالى: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم } فوصفه بأنه من انفسهم وهم يدّعون كمال الشرف في النسب والحسب وعرّفهم بأنه من جملتهم ليس هو من جنسٍ لا يعرفونه أو مجهولاً يتهمونه، بل عرفوه بالصدق والعفاف والأمانة وكرم الأصل وشرف النفس، فلا يليق بهم الإعراض عنه.
ثم بيّن أنه يعز عليه مشقة أمته لفرط رحمته بالخلق ولكمال لطفه ورأفته فيحب لهم السلامة والنجاة من كل مكروه، وأنه حريص شديد الاعتناء بمنافعهم وهدايتهم ورشدهم وأنه رؤوف ورحيم بالمؤمنين، ومفهومه أنه شديد على الكافرين وهو كذلك، فإنه جامع لوصف الكمال من معاداة أعداء الله وموالاة أوليائه، وهذا وصْف الكمّل من الخلق لا تأخذهم في الله
لومة لائم.
وكقوله تعالى: { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم } الآية ومدحُ أتباعِه مدحٌ له لأنهم تلقوا تلك الأنوار من نوره واهتدوا بهديه فهو الواسطة في وصفهم بالكمال، فكمالهم ناشئ عن كماله. وقد وصف سبحانه وتعالى أصحابه بصفات الكمال وأخبر أنه تعالى ذكر ذلك لأهل الكتاب ونبههم على فضيلة اتباع هذا الرسول
المكرم وذلك زيادة في رفعة شأنهم وأن لهم عناية عظيمة من قِبَل الله تعالى.
وكقوله تعالى: { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } الصلاة من الله رحمة خاصة تدل على اللطف والإكرام. ثم في هذه ما لا يُدرك من تعظيمِه والإعلامِ برفعة قدره فإنه تعالى أكّد الحكم بأن وعَطـَفَ الملائكة على اسمه الكريم للدلالة على اندراج صلاتهم عليه في ضمن صلاته تعالى، وأخبر بجملةٍ
فعليةٍ تدل على تجدد ذلك، وعرّف النبيَ بأل فكأنه عَـلـَمُ بالنبوة، ثم أمر العبادَ بالصلاة عليه تبعاً لصلاته عليه وزادهم لفظ السلام المؤكَدَ بالمصدر، فإن أريدَ به الانقياد لأمره ونهيهِ فلأنهم المكلفون بطاعته، وعلى كلٍ فالمراد يشير لرفعة قدره وعظيم مجده وفخره.
وكقوله تعالى: { وإن تطيعوه تهتدوا } وقوله تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } وبالجملة ففضلـُه عليه الصلاة والسلام جلي ظاهر.
ثم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم معظمون موقرون يجب الإيمان بهم من غير حصر لعددهم لأن النصوص الواردة في عددهم أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً (62) أو مائتا ألف وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر أو خمسة عشر نصوص لم تصح فلا يعتمد عليها (63) كما أن الكتب لم يصح عددها
من مائة وأربعة أو أربعة عشر.
فنؤمن أن الله أرسل رسلاً وأنزل كتباً عدة، والمعلوم في كتاب أو سنة يجب تفصيله والمجمل يكفي فيه الإجمال.
ويجب الإيمان بالملائكة أي بوجودهم وأنهم أجسام نورانية (64) قادرون على (65) التشكل: { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } وأنهم محفوظون بحفظه تعالى. وما يرويه أهل القصص من خيانة هاروت وماروت فهو من الموضوع.
وأما إبليس فإنه من الجن لا من الملائكة (66) وإنما دخل في الأمر بالسجود لأنه كان مع الملائكة، فلفظ الملائكة من باب التغليب. ومن قال أنه ملك فهو محجوج بأن له نسلاً والملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة (67) ، فمن وصفهم بالأنوثة كفر لأنه قول المشركين القائلين بأنهم بنات الله تعالى وهم بنو مليح وفرَق من العرب لا كل
العرب. قال تعالى: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشـَهِدوا خلقـَهـُم ستـُكتـَبُ شهادتـُهم ويُسئلون } { وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عبادٌ مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون } وقال تعالى: { يخافون ربهم من فوقهم
} وقال تعالى: { لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } . فشهد الله بعصمتهم فهم أمناء على وحيه وسفراء إلى خلقه لم يركـّب فيهم شهوة. اصطفاهم لخدمته ووظف لهم وظائف كما حكى عنهم بقوله تعالى: { وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} وقوله تعالى {أتجعل فيها من يفسد
فيها } الآية، ليس هو للاعتراض وإنما على سبيل الاستعطاف والاسترحام لكراهتهم للمعاصي التي وقعت من الجن في الأرض قبل خلق ءادم عليه السلام. وقد جعلهم الله تعالى حفظة لبني ءادم وكتبة وخدماً في مصالح الأرزاق والأمطار والسحاب وغير ذلك وفي نفخ الأرواح في الأجنة وقبضها عند الموت، وذلك ليس لحاجة منه لهم بل هذا عبادة شرعت
لهم كما أقام بعضهم في السجود وبعضهم في القيام أو الركوع أو التسبيح. وهم أكثر خلقه، قال تعالى: { وما يعلم جنودَ ربك إلا هو } وفي السنة "أطتِ السماءُ وحُق لها أن تئط ما فيها قدر راحة إلا وفيها ملك ساجد أو راكع" (68) . وصورهم مختلفة ولهم أجنحة ورؤوس متعددة وصور عظيمة فسبحان من أحاط علماً بكل ذلك.
ولا مانع من أن يقدر بعضُ بني ءادم على رؤيتهم الملكية، أما الأنبياء فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على صورته مرتين (69) مرة في الأفق بين السماء والأرض فأرعب ومرة عند سدرة المنتهى. وفي غير ذلك كان يأتيه على صورة ءادمي وتارة يسمع صوته ولا يراه وتارة يُلقى الوحيُ في روعه أي قلبه من دون رؤية ولا صوت
(70) وتارة يسمع له صلصلة كالجرس وهذا النوع من الوحي كان أشد عليه من غيره وكانت تأخذه البرحاء عند الوحي بالقرءان قال تعالى: { إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً } وورد في شمائله عليه الصلاة والسلام أنه كان يتحدر جبينه عرقا وقت الوحي في اليوم البارد من ثقل الوحي، وورد أنه لما نزلت عليه سورة الفتح عند مرجعه من الحديبية
عام ستة من الهجرة في برك الغمام مكان قبيل عسفان وكان راكباً على ناقته العضباء فكادت تبرك به صلى الله عليه وسلم من ثقل الوحي زاده الله شرفاً وكرماً وأباح روضته الشريفة سحائب الصلوات وهواطل البركات ونظمنا في سلك محبيه وأهل وده وموالاة ءاله وأصحابه صلى الله عليه وعليهم أجمعين ءامين والحمد لله رب العالمين.
تم الكتاب.
الهوامــــــــــــش:
(1) الرين هو الطبع والدنس كما في الصحاح. وقال الراغب: "صدأ يعلو الشيءَ الجلي". وقال أبو معاذ النحوي: "الرين أن يسْوَدَّ القلبُ من الذنوب". وقال الحسن: "هو الذنب على الذنب حتى يسوَدَ القلبُ".
(2) وهو الهلاك. ذكره ابن منظور في لسان العرب.
(3) النسخ معناه رفعُ حكمٍ شرعيٍ سابقٍ بحكم شرعي لاحق. وليس في النسخ نسبة البداء إلى الله كما زعمت اليهود مع اعترافهم بأن الله تعالى أحلّ في شريعة يعقوب الجمعَ بين الأختين ثم نسخ ذلك بعده. فكيف يعيبون النسخ فيما سوى ذلك كنسخ استقبال النبي بعد الهجرة إلى بيت المقدس للصلاة سبعة عشر شهراً بالأمر بالرجوع إلى استقبال
الكعبة بقوله تعالى: { فولّ وجهك شطر المسجد الحرام } . ثم إن من المعلوم أنه لا يمتنع في الحكمة أن يأمر الحكيم مريضاً باستعمال دواء في وقت ثم ينهاه عنه في وقت ءاخر لتعلق صلاحه بذلك في الحالين. والله تعالى لا يتغير علمه بل هو عالم في الأزل باختلاف مصالح عباده لتغيّر أحوالهم، فالله تعالى يتصرف في عباده بنقلهم من
الصحة إلى المرض ومن الغنى إلى الفقر ومن الحياة إلى الموت وعكس ذلك، ولا يخرج ذلك من الحكمة. ثم من موارد النسخ (لعن اللهُ زوارات القبور) رواه أبو داود وصححه الحافظ، نسخ بحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها". فيجب الإيمان بصحة النسخ ووقوعه.
(4) ذكر الفقيه اللغوي مرتضى الزبيدي نقلاً عن الحافظ تقي الدين السبكي: "المُقدِمُ على تفسير الاستواء بالاستيلاء لم يرتكب محذوراً، ولا وَصَفَ اللهَ بما لا يجوز عليه". اهـ فتبين أن تفسير استوى باستولى ليس فيه تجسيم لله ولا نسبة نقص لأن الاستيلاء بمعنى القهر ولا عبرة لإنكار بعضهم لذلك، فإن كان إنكارُه من حيث اللغة فلا وجه له
ولا مستند. قال الشاعر:
فلما علونا واستوينا عليهمُ ... جعلناهمُ مرعى لنسر وطائرِ.
وإن كان من حيث المعنى فقوله محتجاً لإنكار التفسير باستولى أن استوى جاء في القرءان في سبع مواضع ولو كان بمعنى استولى لجاء في موضع، قال الحافظ تقي الدين السبكي: "وهذا الذي قاله ليس بلازم فالمجاز قد يطّرِدُ".
(5) ويكفي في تبرئة الإمام أحمد ما نقله الإمام أبو الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد وابن رئيسها عن أحمد، قال: "أنكر أحمدُ على من قال بالجسم وقال أن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف، والله سبحانه وتعالى خارج عن ذلك ولم يجيء في الشريعة
فبطل"، نقله البيهقي عنه في كتاب مناقب أحمد.
(6) ثبت عن الإمام أحمد أنه أوّل لما روى البيهقي في كتاب مناقب أحمد عن حنبل بن إسحق قال سمعت عمي أبا عبد الله -يعني الإمام أحمد- يقول: احتجوا عليّ يومئذٍ \يعني يوم نوظر في دار أمير المؤمنين، فقالوا تجيء سورة البقرة يوم القيامة وتجيء سورة تبارك، فقلت لهم: إنما هو الثواب. قال الله تعالى: { وجاء ربك }
إنما تأتي قدرته -أي أثر قدرتـه- وإنما القرءان أمثال ومواعظ". اهـ. وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح لا غبار عليه.
(7) نقل البيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن الإمام أبي سليمان الخطابي أنه قال: "إن الذي علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة فإن الصورة تقتضي الكيفية، والكيفية منفية عن الله وعن صفاته"اهـ.
(8) رواه اللالكائي عن أم سلمة رضي الله عنها وربيعة بن أبي عبد الرحمن.
(9) ذكر البيهقي في كتابه الأسماء والصفات نقلاً عن أبي سليمان الخطابي أنه قال: "وليس معنى اليد عندنا الجارحة إنما هو صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيّف وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار المأثورة الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة.
(10) كقوله تعالى: { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } . [سورة الرحمن].
(11) كقوله تعالى: { يخافون ربهم من فوقهم } والمعنى هنا فوقية القهر دون المكان والجهة..
(12) كقوله تعالى: { وهو معكم أينما كنتم } .
(13) قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر: "ورضاه وغضبه من صفاته بلا كيف". وقال أيضاً: "والتغيّر والاختلاف في الأحوال من صفات المخلوقين". اهـ.
(14) وهو ما لم تتضح دلالته، أو يحتمل أوجهاً عديدة واحتاج إلى النظر لحمله على الوجه المطابق.
(15) وهو ما لا يحتمل من التأويل بحسب وضع اللغة إلا وجهاً واحداً، أو ما عُرِف بوضوح المعنى المراد منه.
(16) ذكر التفتازاني في شرحه على العقيدة النسفية بعد أن ذكر أن الإيمان والإسلام واحد: "ويؤيده قوله تعالى: { فأخرجنا مَن كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } ".
(17) يجوز أن يقال: (الله موجود)، ذكر شارح القاموس الزبيدي في شرح الإحياء ما نصه: "والبارئ تعالى موجود فصح أن يُرى". فلا عبرة بقول من زعم أن كلمة (موجود) هي اسم مفعول تدل على المخلوق فقط.
(18) قال الشيخ عبد الغني النابلسي في الفتح الرباني ما نصه: "ونشهد أنه تعالى لم يحل في شيء من مخلوقاته، ولا حلّ فيه شيء من مخلوقاته. لأن الحلول إنما يُتصَوَرُ بين الشيئين اللذَين يجمعهما وصف واحد. ولا مناسبة بين العبد والرب في شيء من الأشياء ولا في مجرد الوجود. فكيف يُتصَوَر أن يحل أحدُهما في الآخر ويتحد
أحدهما بالآخر" اهـ. وذكر أيضاً في أقسام الكفر في تبيان كفر التشبيه: "أو أنه ملأ السموات والأرض أو أن له الحلول في شيء من الأشياء أو في جميع الأشياء، أو أنه متحد بشيء من الأشياء أو في جميع الأشياء أو أن الأشياء منحلة منه، وجميع ذلك كفر صريح والعياذ بالله تعالى" اهـ.
(19) "أما برهان قِدَمه تعالى فهو لو لم يكن قديماً لزم حدوثه فيفتقر إلى محدِث فيلزم الدور أو التسلسل وكل منهما محال، لكن حدوثه تعالى محال قطعاً فثبت قدمه تعالى"، انتهى كلام الشيخ الحبشي في دليله.
(20) ذكر محمد بن يوسف في شرح الكبرى ما نصه: "اعلم أن الملل كلها اجتمعت على حدوث كل ما سوى الله، حتى اليهود والنصارى وحتى المجوس ولم يخالف في ذلك إلا شرذمة من الفلاسفة وتبعهم على ذلك بعضُ من ينسب نفسه إلى الإسلام وليس له فيه نصيب. والاشتغال بتفصيل مذاهبهم يطول. ومذاهبهم ركيكة جداً لا يرضى
بمقالتهم مؤمن بل ولا مطلق عاقل إلا من سُلِبَ عقله وإيمانه فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله" .انتهت عبارته. وقد علق الشيخ عبد الله الحبشي على هذا بقول: "وهنا ينكشف تمويه أحدهم وينجلي تلبيسه بنسبة هذا الرأي الفيلسوفي الذي هوِيَه لنفسه إلى أئمة أهل الحديث وما هو إلا فِرية، فقد اتضح لكل ذي عقل سليم يفهم معنى العبائر فسادُه عقلاً
ومعارضته للمنقول. وإذا حوقِق هؤلاء القائلون بهذا الرأي في المناظرة وأُلزِموا بأن النوع لا وجود له إلا في ضمن الأفراد انقطعوا، ومن حقق النظر في رأيهم هذا علم أنه يرجع إلى القول بأزلية الأفراد لأن النوع لا وجود له إلا ضمن الأفراد" اهـ كلام الحبشي.
(21) روى البخاري وابن الجارود والبيهقي من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: "أتى أناس من أهل اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين فأنبئنا عن بدء هذا الأمر ما كان. قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات
والأرض" وفي رواية ابن الجارود: "عن أول هذا الأمر" وفي رواية البيهقي من طريق أبي معاوية: "كان الله قبل كل شيء". وقد ذكر الحافظ ابن حجر: "والمراد بكان في الأول الأزلية، وفي الثاني الحدوث" اهـ وقد روى ابن حبان وابن ماجه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل شيء خُلِق من
الماء". ولفظ ابن حبان: "إن الله تعالى خلَقَ كلَ شيء من الماء". فإذاً الماء أصل لغيره، والماء خُلِق من غير أصل. فبداية العالم من غير مادة ولا يحيل العقلُ وجودَ أصل العالم من العدم من غير مادة.
(22) ذكر السيوطي في شرح الترمذي ما نصه: "وأما حديث أولية النور المحمدي فلم يثبت" اهـ وأما قول ابن حجر المكي في شرح الأربعين النووية: "إن أولية النور المحمدي أولية مطلقة وأولية ما سواه من الماء والعقل والقلم فأولية نسبية" فباطل. والقاعدة الحديثية أن الضعيف إذا عارض الصحيح فلا حاجة إلى تأويل الصحيح
من أجل الضعيف، وابن حجر جعل الحديث الصحيح -حديث أولية الماء- تابعاً مرجوحاً لحديث أولية النور الذي هو غير ثابت، بل قال المحدث أحمد الغماري في [المغير على الجامع الصغير]: "إن حديث (أول ما خلق الله تعالى نور نبيك يا جابر خلقه من نوره قبل الأشياء) موضوع وهو جدير بكونه موضوعاً" اهـ. ومثله ما ذكر في
كتاب مولد العروس الملصق بابن الجوزي: إن الله قبض قبضة من نوره فقال كوني محمداً فكانت محمدا. فما أعظم ضرر هذا الحديث المفترى على بعض الجهال فقد اعتقدوا بسببه أن الله جسم نوراني وأن الرسول جزء منه، فكأن هؤلاء لم يسمعوا قوله تعالى: { قل إنما أنا بشر مثلكم } ، وهذا منشؤه ترك النص الثابت الصحيح من أجل
الخبر السقيم والموضوع. وقد شُهِرَ نسبةُ ذلك إلى عبد الرزاق مع أنه لا وجود له في مصنفه.
(23) نقل الزركشي في تشنيف المسامع عن صاحب الخصال من الحنابلة عن أحمد بن حنبل تكفير من قال أنه تعالى جسم لا كالأجسام.
(24) ذكر البيهقي في كتابه الأسماء والصفات نقلاً عن الأشعري: "إن الله تعالى لا مكان له".
(25) ونقل البيهقي أيضاً عنه أن الحركة والسكون والاستقرار من صفات الأجسام وأنه قال في حديث النزول: "إنه ليس حركة ولا نقلة".
(26) ذكر البيهقي في الأسماء والصفات في باب ما جاء في العرش فقال: واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء) وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان" اهـ.
(27) قد ثبت وجوبُ قِدَمِه تعالى وبقائه فانتفى عنه أن يكون صفة بل هو ذات موصوف بالصفات: القدرة والعلم وسائر صفاته. فلو كان صفة لزم أن يكون قدرة وإرادة وعلماً وكلاماً وحياة، وذلك ظاهر البطلان، إذ لا يعقل أن تكون القدرة هي السمع والبصر والحياة. قال النسفي: "وهي لا هو ولا غيره" اهـ.
(28) وهو أحمد بن عيسى الخراز البغدادي (أبو سعيد) صوفي من أقران الجنيد. توفي سنة 279 هـ أنظر معجم المؤلفين 2\ 38.
(29) حديث صحيح رواه البخاري.
(30) في تشنيف المسامع ما نصه: "فإن قيل وهل في العقل دليل أن صانع العالم واحد"؟ قيل: دلالة التمانع المشار إليه في قوله تعالى: { لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا } واعلم أن الوحدة تطلق في حق الإله من ثلاثة أوجه
-أحدها بمعنى نفي الكثرة المصححة للقسمة عن ذاته وهي تفسير الأحد الصمد.
-الثاني بمعنى نفي النظير عنه في ذاته وصفاته كما يقال للشمس واحدة بمعنى أنه لا نظير لها في الوجود. ووجود نظير الرب محال.
-والثالث بمعنى أنه منفرد بالخلق والإيجاد والتدبير فلا مساهم له في اختراع المصنوعات وتدبير المخترَعا".
(31) ذكر الشيخ الحبشي في (الدليل القويم على الصراط المستقيم) ما نصه تحت عنوان دليل عقلي: "أنه لو كان فِعلُ العبدِ بخلقه لكان عالماً به على وجه الإحاطة ضرورة أنه مختار والاختيار فرع العلم، لكنه لا يحيط علماً بفعله لِما يجد كلُ عاقلٍ عدمَ علمه حالَ قطعِه لمسافةٍ معينة بالأجزاء والأحيان والحركات التي بين المبدأ والمنتهى.
وكذا حالة نُطقِهِ بالحروف يجدُ كلُ عاقلٍ من نفسه عدمَ العلم بالأعضاء التي هي ءالتها والمحالِّ التي فيها مواقعها وعدمَ العلم بهيئاتها وأوضاعها. وكل ذلك ظاهر قرره الماتريدي" اهـ.
(32) ذكر الشيخ الحبشي نقلاً عن الخطابي ما نصه: "يتوهم كثير من الناس أن معنى القدر من الله والقضاء منه الإجبارُ والقهرُ للعبد على ما قضاه وقدّره وليس كذلك، وإنما معناه الإخبار عن تقدُّمِ عِلمِ الله بما يكون من أفعال العباد واكتسابها وصدورها عن تقديرٍ منه وخلقِه لها خيرها وشرها" اهـ. وقد روى ابن حبان من حديث حذيفة أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله صانعُ كلِ صانعٍ وصَنعتِه" فافهم رحمك الله.
(33) روى الإمام الشافعي والحافظ ابن عساكر عن عبد الله بن جعفر عن علي رضي الله عنه أنه قال للسائل عن القدر: " سر الله فلا تتكلف " فلما ألحّ عليه قال له: أما إذ أبيتَ فإنه أمر بين أمرين: لا جبر ولا تفويض.
(34) ذكر الزركشي في تشنيف المسامع ما نصه: إن الله فاعلٌ بالاختيار، فله تقديم الحادث وله تأخيره بحسب اختياره، والدليل عليه قوله تعالى: { وربُك يخلق ما يشاء } اهـ.
(35) قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر: وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبُهُم على الحقيقة واللهُ خالقُها. اهـ
(36) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل ابن أبي بشر إسحق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال ابن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري. ولد في البصرة سنة 260 هـ وقيل سنة 266 هـ وتوفي سنة 324 هـ ودفن ببغداد.
(37) كتب الحسن بن علي إلى الحسن البصري: لو جبر الخلقَ على الطاعة لأسقط عنهم الثواب، ولو جبرهم على المعصية لأسقط عنهم العقاب، ولو أهملهم كان ذلك عجزاً في القدرة ولكن له فيهم المشيئة التي غيّبها عنهم. ذكره أبو نعيم في حليته.
(38) الحكم العقلي ينقسم إلى ثلاثة: الوجوب والاستحالة والجواز. فالواجب العقلي: ما لا يتصور في العقل عدمُه وهو الله تعالى وصفاته. والمستحيل العقلي: ما لا يتصور في العقل وجودُه كوجود الشريك لله. والجائز العقلي: ما يتصور في العقل وجودُه تارة وعدمه تارة أخرى كسائر المخلوقات.
(39) قال بعضهم: "كما لا يقال عن الحجر عالم ولا جاهل" اهـ. وذكر الأستاذ أبو اسحق الإسفراييني في كتابه [الترتيب في أصول الفقه]: "أن أول من أخِذَ منه معنى المحال وتحقيقه إدريس عليه السلام حيث جاءه إبليس في صورة إنسان وهو كان يخيط وفي كل دخلة وخرجة يقول سبحان الله والحمد لله؛ فجاءه بقشرة وقال:
الله تعالى يقدر أن يجعل الدنيا في هذه القشرة. فقال: الله تعالى قادر أن يجعل الدنيا في سم هذه الإبرة" ونخس بالإبرة في إحدى عينيه وجعله أعور. اهـ.
(40) قال الشيخ عبد الله الحبشي في (الدليل القويم على الصراط المستقيم) الإرادة على وجهين: إرادة تكوين وإرادة محبة. فإرادة التكوين هي بمعنى المشيئة ومعناها التخصيص. وإرادة المحبة كقوله تعالى: { تريدون عرَضَ الدنيا والله يريد الآخرة } اهـ.
(41) روى أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم بعض بناته أن تقول: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن".
(42) قال الإمام أبو منصور الماتريدي: [وقال أبو حنيفة رحمه الله: "بيننا وبين القدرية الكلام في حرفين: أن نسألهم هل علِمَ اللهُ ما يكون أبداً على ما يكون؟ فإن قالوا لا، كفروا لأنهم جهّلوا ربَهم. وإن قالوا نعم، قيل: شاء أن يَنفَذَ علمه كما علِمَ أولاً؟ فإن قالوا لا، قالوا بأن الله شاء أن يكون جاهلاً ومن شاء ذلك فليس بحكيم.
