المصلح، نسأله سبحانه وتعالى أن يحفظنا بحفظه من كل سوء في الدنيا والآخرة.

القاعدة الخامسة: القيام بالنفس .

قيامه تعالى بنفسه ومعنى ذلك أنه تعالى غنيٌ عن موجِدٍ يوجدُه ويُخصّصُه، هو رب كل شيء وخالق كل شيء. فهو الغني بذاته عن كل شيء لأنه لو كان له موجِدٌ لاحتاج موجدُه لمن يوجده وهكذا حتى يدور الأمر ويتسلسل وكلاهما محال. قال تعالى: { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد } الآية. فهو الغني عن كل

شيء وإليه يفتقر كل شيء. ومن جملة استغنائه أنه تعالى ليس صفة يقوم بغيره (27) كما أن البياض والحركة والسكون قائمات بالأجسام فليس هو بجسم يملأ الفراغ ولا عرَض يقوم بغيره كقيام الصفة بموصوفها، بل هو الغني عن كل شيء الذي لا يحتاج لشيء ولا يتكمل بشيء، فهو فاعل مختار لا يجب عليه لخلقه شيء، بل كل ما يفعله من أفعاله

بالعباد فهو بالاختيار. وما يلائم العبدَ فهو من فضله عليه وما لا يلائمه فهو من عدله به. لا يُسئَلُ عما يفعل وهم يُسئلون، لا معقبَ لحكمه ولا رادّ لما يقضيه في الخلق.

أحكامه في خلقه كلها مقرونة بالحكمة، منها ما يدركه الخلقُ أو بعضُهم ومنها ما لا يعلم سرَه إلا هو، فيكون أمراً تعبدياً كالطهارة بالماء دون غيره والوقوفِ بعرفة وأمثال ذلك.

وبالجملة فالعبد تحت قهره تعالى وهو القاهر فوق عباده. فصفة العبد العجزُ والجهلُ والفقر والضعف، وصفة الحق تضادُّ صفة العبد، فصفته تعالى الغنى والقدرة والعلم وغيرها من صفات الكمال. قال (28) أبو سعيد الخراز: "مَن عرف نفسه عرف ربَه" وليس هذا حديثا ومعناه أنك إذا عرفت نفسك بالجهل عرفت ربك بالعلم، وهكذا

بقية الصفات. وقول العارفين: "إذا أراد قُربَك منه سلبَ عنك وصفَك وكساك مِن وصفِهِ لتكون أهلاً لخطابه".

ليس المراد منه أن صفة الحق تقوم بالعبد لأن هذا عين الحلول الذي نطق به النصارى، وقد حكم اللهُ بكفرهم، وإنما معناه أنه تعالى يطهّرُ العبدَ من الوصف الذميم كالغضب والبخل ويجمّلُهُ بآثار صفاته العلية كالحلم والعفو والكرم فافهم ذلك.

وقول السيدة عائشة في صفة خلقه: "كان خُلُقهُ صلى الله عليه وسلم القرءانَ يحلل حلالَه ويحرّم حرامه" (29) أي كان متخلقاً بأوامر القرءان ونواهيه. وقول بعض العارفين أنها تحاشت أن تقول كان متخلقاً بأخلاق الله تعالى فقالت ذلك، فهذا التعبير غير جميل وإن كان يؤول بما تقدم لكن فيه إيهام لفَهْمِ مَن لم يفهم.

القاعدة السادسة: الوحدانية .

وهي عبارة عن نفي التعدد في الذات والصفات والأفعال فتنفي هذه الصفة الكمَ المتصلَ في الذات والصفات والمنفصلَ فيهما وفي الأفعال، وهي غير صفة الأحدية (30) فإن الأحدية تدل على تفرد الذات فقط ولا ينظر معها إلى الصفات، وأما الوحدانية فتدل على تفرد الذات مع وصفها بما يليق. والكم عندهم هو التعدد والمقدار فينتفي بالوحدانية

التركيبُ والشريكُ وهما كمٌ متصل ومنفصل، وينتفي تعدد الصفة واتصافُ غيره بصفته وهما كم متصل ومنفصل. وينتفي فعلُ غيره بمعنى أنه لا تأثير لشيء في شيء من الأكوان. وفي هذه المسئلة قد اختلف الناس على مذاهب فمذهب الفلاسفة أن الأشياء تؤثر في بعضها بطبعها وقتها كالنار في الحطب والسكين في الحبل وهذا كفر صريح.

ومذهب المعتزلة أنها تؤثر بقدرة وقوة أوجدها الله فيها ولولا ذلك لم تؤثر وهو فاسد لأنه يلزم منه أن قدرة الله تعالى لا تنفذ في ايجاد شيء إلا بالسبب فيكون مقهوراً محصوراً وهو باطل، ويلزم منه تعدد المؤثر ولا يؤثر إلا الإله القادر - فتكون الآلهة متعددة، وعلى هذه العقيدة قالوا: العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية.

وذلك باطل (31) لقوله تعالى: { والله خلقكم وما تعملون } وقوله تعالى: { وخلق كل شيء فقدّره تقديرا } (32) .

ومذهب البعض أن الأسباب مخلوقة بخلق الله تعالى وهو المؤثر وحده، لكن الربط بينها وبين ما قارنها عقليٌ لازم لا ينفك أبداً بمعنى أنه متى وجِدَتِ النارُ مع حطب حصل الإحراق بقدَر الله تعالى، وهؤلاء ينكرون معجزاتِ الرسل بلازم مذهبهم وخرقَ العادات، وهو جهل بما ثبت بالنصوص القطعية كإخماد النار على إبراهيم وفلق البحر لموسى وإحياء الموتى

لعيسى. وإن أنكروا هذا كفروا لتكذيب كتاب الله تعالى.

ومذهب أهل السنة متوسط بين هذه المذاهب (33) وهو أن الحق تعالى هو المؤثر ولا يحتاج لسبب، وله خرق العادات فهو الفاعل المختار (34) ويوجِدُ المسبَبات عند وجود الأسباب. فهو المتصرف في السبب والمسَبَبِ، وما يقع على أيدي العباد من الأفعال فهي مخلوقة له تعالى وليس للعبد فيها إيجاد ولا تأثير إلا الكسب (35) وهو

المَيلُ الاختياري كما قال تعالى: { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } فأثبت للعبد كسباً لا خلقاً ورتب عليهم الحكم ثواباً وعقابا. وإدراك سر الكسب وحقيقته أمر غامض ولذا ضرب به المثل فقيل: "أخفى مِن كسب الأشعري" (36) .

والكسبُ وإن كان فهمُه خفيا إلا أنه تسمية ربانية فيجب الوقوف عندها وذلك من الأمور التعبدية التي لا تدرك. ولم يرد نص في تسميته فعل العباد خلقا، فقول المعتزلة مردود لأنهم قد سموه برأيهم فيُرَدُ عليهم بعد أن سماه الله تعالى كسباً. كما يُرَدُ قولُ الجبرية بأن العبد لا كسب له أصلاً ولا اختيار له في فعلٍ بل هو كريشة في الهواء تقلبها الرياح، وهو

باطل (37) بعد أن خاطب اللهُ الخلقَ بأفعالهم ومدح منها ما وافق حكمَه وذم منها ما خالفه، ورتب الثواب والعقاب على فعل العبد دون الأقدار.

فظهر توسط مذهب الأشعري وغيره من أهل السنة. وكتاب الله حجة لهم قال تعالى: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } .

وكذا يرد قول القائلين بتصرف بعض الناس بطريق الباطن بعد قوله تعالى لأكمل خلقه: { ليس لك من الأمر شيء } { إنك لا تهدي من أحببت } والعجب كل العجب كيف خصوا بالتصرف وقد نفى عن أكمل الرسل، وأعجب مِن هذا مَن نبذ كتابَ الله وراء ظهره وتمسك بأقوال هؤلاء وهو يسمع قوله تعالى: { كتاب الله عليكم } فإن

الميلَ عن كتاب الله تعالى قبيح، لكنه مِن أهل العلم أقبح إذ هم النور الذي يستضاء به فإذا دخلوا في الظلام أظلم بهم الكون. فعُلِمَ مما تقرر أن التصرف لله وحده وأن العبد لا يملك من أمره شيئاً ولا من أمر غيره بالأولى وقد قال تعالى لنبيه ليخبر قومه (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرتُ من الخير وما مسني

السوء) الآية. فالتوحيد ردَّ كلَ الأمر لله تعالى لكن لا بد من النظر للأسباب التي نصبها فافهم. ولا يخفى عليك أن سيد الخلق أعرف بربه مِن كل أحد ومع ذلك حفر الخندق عام الأحزاب وظاهر بين درعين يوم أحد وكان يهيء الطعام لعياله ويتزود لأسفاره فافهم ذلك ولا تظن أن التوحيد الكامل في رفض الأسباب بل هو مع مباشرتها حسب إذن الشارع

مع العلم بأنه هو نصبها لنا وأنه المتصرف فينا وفيها، هذا أكمل وأتم لأنه مقام الرسل الكرام.

ولا نظر لقول المخالفين [ان كل فرقة ممن تقدم ذكره تقول نحن على السنة والجماعة ولا تعلم المحق من المبطل] لأنا نقول السنة والجماعة ليست مجرد اللفظ وإنما هي سلوك طريق الرسول صلى الله عليه وسلم والكتاب والسنة يعلمهما أهلهما فمن أخذ بهما بدون تأويل فاسد يخرجهما عن قانون العربية فهو مِن أهل السنة، ومَن أوّلَ النصوصَ برأيه على

خلاف ما قاله المفسرون فقد أخطأ طريق الحق.

واعلم أن هذه الصفات الخمسة يسمونها صفات السلب لأن كل صفة منها تدل على نفي نقيضها، والسلبُ هو النفي.

القاعدة السابعة في صفات الذات.

وهي القدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام وهي سبعة وتسمى صفات المعاني لأنها تدل على أمور تدرَك في المخلوق. فقدرة زيد ظاهرة للناس وكذا علمه ومشيئته، ولما كانت ظاهرة في الحادث لا تنفك عنه سموها صفات الذات وصفات المعاني. وإضافتها بيانية أي صفاتٌ هي صفات المعاني. وهذه الصفات السبع نفاها المعتزلة

فراراً من تعداد القدماء وقالوا لو ثبتت لزم أن يكون الإله مركباً من ثمانية أشياء وقد كفر النصارى بالتثليث فكيف بثمانية. وقالوا هو قادر بذاته ومريد بذاته وعالم بذاته وحي بذاته وسميع بذاته وبصير بذاته ومتكلم بذاته وليس له هذه الصفات.

وجوابه أن المحال إنما هو تعداد الذات، لا ذات واحد اتصف بصفات. ومن المعلوم عند كل أحد أنه لا يقال لزيد عالم إلا إذا اتصف بصفة العلم وهكذا. وقد دلت النصوص على ثبوت قدرته وعلمه. وهذه الصفات الذاتية ليست عين الذات حتى يحصل تركيب، ولا غير الذات حتى يحصل تعدد القدماء. وذلك كالواحد من العشرة لا عينها والأحسن

في تمثيله أن علم زيد لا عينه ولا غيره وكذا الباقي فافهم لأن التمثيل بواحد من عشرة يوهم التركيب كما قال به النصارى أنه مركب من ثلاثة أقانيم -جمع أقنوم بمعنى الصفة- وهي العلم والحياة والكلمة، وجعلوا عيسى هو الكلمة. قال تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } أي واحد منها وهذا هو قولهم بالتثليث لعنة الله عليهم.

وهؤلاء فرقة منهم.

واعلم أن الصفة الذاتية هي التي لا تقع خبراً عن الاسم فلا يقال زيد عِلمٌ ولا قدرة، والصفة المعبَر عنها بالحال من حيث اللفظ كالقادر والعالم فهي وصف للاسم، تقول: زيد عالم.

وأول صفات الذات في العدد:

القدرة وهي صفة وجودية قديمة أزلية يؤثر الله بها في الإيجاد والإعدام يُخرِجُ بها مِن العدم إلى الوجود ومن الوجود إلى العدم. ولا تتعلق إلا بالممكنات الجائزات وهي جميع الخلق (38) . فلا تتعلق بالواجب تعالى ولا بالمستحيل كالشريك لأنه يلزم على ذلك تحصيل الحاصل أو قلب الحقائق. فإيجاد واجب الوجود وإعدام واجب العدم تحصيل

حاصل، وإعدام الواجب وإيجاد المستحيل يوجب قلبَ حقيقتهما لصيرورتهما حينئذ من جملة الممكن، وكلُ ذلك مستحيل عقلاً. فبناءً على ما تقرر تعلم منعَ قولِ مَن لا يستحيي: [هل يقدر على خلق الولد] -بزعمهم هل يستطيع أن يجعل له ولدا- فمثل هذا لا يقال (39) فإن القدرة لا تتعلق بمستحيل ولا بواجب. وأما قوله تعالى:

{ لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا ان كنا فاعلين } فهي جملة شرطية ونتيجتها: لكنا لم نرِدْ فلا يقع ذلك لأنه محال.

وأما قوله تعالى: { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } معناه كما قيل: لو فرض ذلك كنت أول مَن يؤمَر به أو أول عالم بذلك لأنه أول الأمة علماً وعملاً، لكن هذا العلم لم يكن فليس لله ولد سبحانه عما يقولون.

واعلم أن القدرة لها تعلق قديم بمعنى أنه في الأزل صالحة لكل ممكن أن تتعلق به، فكل ما أراد الله إيجاده أوجده وكل ما أراد الله إعدامه أعدمه، فلا يخرج عن قدرته ممكن ما، إذ لو خرج فرد من الممكنات لكان مستغنياً عن الواحد القهار وذلك محال. فالممكن يجوز عليه الوجود والعدم على حدٍ سواء فترجيحُ أحد الطرفين على الآخر لا بد له من فاعل

مختار: { والله خلقكم وما تعملون } .

واعلم أن حقيقة صفاته تعالى لا تدرك كما أن ذاته لا يُدرَك. وقول العامة: "أنظر لقدرة الله تعالى" فذلك إشارة لآثارها من الأكوان كالسماء وما فيها والأرض وما عليها وما بينهما، وليس المراد حقيقة القدرة فافهم ذلك. وكذا يقال في مثل قول الجزولي: "وبما حمل كرسيُك من قدرتك" أي من ءاثارها. وقد أرشدنا سبحانه وتعالى

إلى هذا بقوله تعالى: { فانظر إلى ءاثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها } الآية.

واعلم أنه وقع في عباراتهم في مسئلة الحساب أنه يحاسب الخلق محاسبة واحدة في وقت واحد وتتسع قدرته تعالى لحساب الخلق، وهذه العبارة غير جميلة لأن فيها إيهاماً أن قدرته تعالى زاد تأثيرها في وقت الحساب، والقصد بذلك أنه يُظهِر للخلق سعةَ قدرته تعالى ويكشف لهم الغطاء عن قلوبهم فإن تصرفه تعالى في الكون واحد في الدنيا والآخرة وحال حياتهم

وحال موتهم وقبل إيجادهم وبعده، إذ هو الحافظ لهم والممد لهم في كل حال والحافظُ للنُطَفِ في الأصلاب وللتراب في القبور وللرزق والنمو وجميع التصاريف. فالكون المقدَرُ على حاله يتقلب من قدر إلى قدر كما قال عمر رضي الله عنه عمّن له غنم وأمامه واديان: "إن هبط الخصب كان بقدر الله وإن هبط غيرَه كان بقدره" وقال: "نفرّ مِن

قدَرِ الله إلى قدرِ الله" فكيف ما تقلب العبدُ فهو في قدرٍ فالأمر منه تعالى ورجوعُه إليه.

الصفة الثانية من المعاني: الإرادة (40) وهي المشيئة (41) وهي صفة أزلية قديمة يخصص بها تعالى الممكنَ ببعض ما يجوز عليه. ويجوز على كل ممكن الوجودُ والعدمُ والمقادير والألوان والهيئات والجهات والأزمنة والأمكنة. فكَوْنُ الممكن مخصوصاً ببعض أفراد هذه الأشياء دون بعض من ءاثار مشيئته يعالى، لأنه فاعل

مختار. قال تعالى: { وربك يخلق ما يشاء ويختار } { وما تشاؤن إلا أن يشاء الله } { ولو شئنا لرفعناه بها } فكل شيء ينشأ عن إرادته من دون تغيير ولا تبديل، والإرادة مرتبَة عقلاً على العلم (42) .

واعلم أن الإرادة غير الأمر (43) وغير الرضى فليس بينهما تلازم لأنه يأمر ويريد كإيمان الرسل، ولا يريد ولا يأمر كالكفر منهم، ويريد ولا يأمر كالمعاصي، ويأمر ولا يريد كالكفر ممن حتم كفره: أمره بالإيمان ولم يرده منه فلم يقع. ولا يقال كيف طلب منه الإيمان ولم يُرِدْهُ وحتم عليه الكفر؟ (44) لأنه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون

وقد سبق وعدُه: { لأملأنّ جهنم من الجِنة والناس أجمعين } .

وقول المعتزلة بالتلازم بين الأمر والإرادة والرضى مستدلين بقوله تعالى: { ولا يرضى لعباده الكفر } وقوله تعالى: { قل إن الله لا يأمر بالفحشاء } فهو في غير محله لأنه لا يرضى لهم الكفر مذهباً وشرعاً ولولا أنه أراد لهم الكفر والمعاصي ما وقع ذلك منهم. والأمر يتعلق بفعل المكلف، والإرادةُ ترجع له تعالى لا دخل للمكلف في

إرادة الله تعالى.

واعلم أنه تعالى يفعل بالاختيار لا بإكراه ولا بالطبع.

الصفة الثالثة من المعاني العلم وهو صفة قديمة قائمة بذاته تعالى تتعلق بالواجب والجائز والمستحيل لأن العلم صفةُ كشفٍ وتجلي لا صفة تأثير، فيعلم ما هو عليه وما يجب له وما يستحيل ويعلم الكونَ بما فيه تفصيلاً ويعلم استحالة الشريك والولد. كيف وقد كرر في كتابه العزيز أدلة توحيده حتى قال: { أفمن يخلق كمن لا يخلق } { ألا يعلم من

خلق } { وأحاط بما لديهم وأحصى كلَ شيءٍ عددا } { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض } الآية.

وربما عَظُمَ في عينك هذه الإحاطة فارجع لقوله تعالى: { ما خلْقُكُم ولا بعثكم إلا كنفسٍ واحدة } ولقوله تعالى: { وما قدروا اللهَ حقَ قدرِه والأرضُ جميعاً قبضتهُ يومَ القيامة والسمواتُ مطوياتٌ بيمينه } الآية. فأعلمنا عن عظمته بتقليل الكون حيث شبهه بقبضة يتصرف فيها قابضها من دون مشقة ولا عناء، فسبحان اللطيف الخبير فإن

أسرار الحق لا يدركها عقل فاطرح نفسك في بحر فضله واستمد به دون غيره واجتهد في مرضاته فإنه يعلّمُك ما لم تعلمه. قال تعالى: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين } .

الصفة الرابعة من المعاني: الحياة ولا تتعلق بشيء، فهو الحي الدائم القيوم الباقي. والحياة في المخلوق مدرَكةٌ معلومة، وحياة الخالق صفة الله يعلمها (45) وهي عبارة عن الدوام. ومن اتصف بالحياة اتصف بسمعٍ وبصر وكلام (46) . وهذه الصفات الثلاثة تمام السبعة، فسمعُه يتعلق بكل موجود، وكذا بصرُه.

وليس سمعه بآلةٍ وجارحة كما أن بصرَه كذلك، فهو منزَهٌ عن سِمات الخلق. وهذه الصفات زائدةٌ على العلم وورد بها النص وهي كمال. والحق يجب له كلُ كمال (أي يليق به).

وأما كلامُه تعالى فقد كثر فيه الكلام لا سيما في عصر الشافعي رضي الله عنه حتى قال: "دعونا من علم إذا أخطأ فيه الإنسانُ يقال له كفر وعليكم بعلمٍ إذا أخطأ فيه الإنسان يقال له أخطأ". ولما كثر الكلامُ في صفة كلامه تعالى سموا علمَ التوحيد علمَ الكلام.

قال المعتزلة أن كلامه تعالى مخلوق فهو متكلم بكلام يخلقه (47) . وقال جمعٌ: يتكلم بحروف قديمة. وقال جمع: ورق المصحف وجلده ونقشه قديمات، وهذا ظاهر البطلان، وكذا كون الحروف قديمة لأن الحروف لها تكيف وهيئات ومخارج، وذلك عين الحدوث. وقول المعتزلة مردود بأن الله تعالى سمى القرءان العظيم منزّلاً في

ءاياتٍ ولم يسمّهِ مخلوقا فنقف عند تسميته تعالى.

وأما مذهب أهل السنة أن كلامه النفسي القائم به تعالى صفتُهُ تتعلق بالواجب والجائز والمستحيل، لا حرف لها ولا صوت (48) هو بها ءامرٌ ناهٍ مخبِرٌ ولا يعلمها إلا هو تعالى وحده. وأن موسى سمع كلامَ الله الأزلي بغير حرفٍ ولا صوت (49) . فتفهموا ذلك رحمكم الله.

وأما القرءان العظيم والكتب المنزلة من السماء والحديث القدسي والصحف الربانية فكل ذلك كلامه تعالى (50) . ثم إطلاق هذا الاسم عليه إما من باب الإشتراك كالعين هي اسمٌ للباصرة والنابعة، أو من باب الحقيقة والمجاز كالأسد اسم للسبع حقيقة وللرجل الشجاع مجازا، ولا يجوز إطلاق لفظ الخلق عليها وإن قلنا منزلة والتنزيل حدوث (51)

لكن يجب الوقوف عند الوارد.

ثم المنزل إن كان مكتوباً كالتوراة فالمراد ما هو مكتوب، وإن كان وحياً كالقرءان فإنزاله بإنزال الملَك لأن الكلام عرَضٌ لا يقوم بنفسه بل بغيره؛ فإطلاق الإنزال عليه من إطلاق اسم المحل على الحالّ.

واعلم أنه لا فرق بين إنزال ونزل، خلافا لمن فرّق أخذا من قوله تعالى: { إنّا أنزلناه في ليلة القدر } فجعله لما أنزل تدريجاً، ومن قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لولا نُزِّلَ عليه القرءان جملةً واحدة } الآية، فخَصَ لفظَ (نزّل) لما يكون جملةً، وهذا غلط لأنه لو اختص بالمجمل لما ذكر لفظ (جملة) مع لفظ (نزّل)، وقد قال

تعالى: { ونزلناه تنزيلا } فهما بمعنى واحد والله أعلم.

وقد قال كثير من العلماء أن اللفظ حادث والمعنى قديم وهذا قول صحيح، لكن فهِمَ بعضٌ أن المراد بالمعنى هو تفسير القرءان فقال: المعنى فيه قديم كذات الله تعالى وفيه حادث كفرعون، وهذا فهمٌ سقيم. وإنما المراد بالمعنى ما قام بالله تعالى لا ما قام بقلب السامع فإن الذي يستقر بقلب السامع كالملفوظ فافهم التعبير.

وقال بعض: كيف يأمر وينهى ويخبر في الأزل وليس هناك مَن يأتمر وينتهي ويسمع الأخبار؟ وفرّق بين الخبر والأمر والنهي فجعل الخبر قديما والأمرَ حادثا، وهذا وهمٌ خفي فإن صفة القدرة والحِلم والعفو والغفران وغيرها كذلك ليس هناك مَن تتعلق به القدرة وهذه الصفات وإنما هذا تعلق صلوحي كما تقدم، ثم لم يزل هذا التعلق إلى إبراز ذلك الأثر إلى ما

لم يزل. وإذا حدثتك نفسك بالاطلاع على حقيقة كلامه فارجع إلى كلامك تجد نفسك لا تقدر على إدراكه وهو قائم بك فحينئذ يجب رد العلم له تعالى وترك البحث.

فائدة: يجب السكوت عند قول القائلين بالتفضيل بين كلام الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم فالبحث في هذا الشأن حماقة وجهالة، وما ورد أن حرفا من القرءان خير من محمد وءال بيته هذا لم يصح فالواجب السكوت عن هذا. وأنت لا تدرك كيفية أكلك وشربك وبولك وألمك وفرحك، كيف تخوض في هذا الأمر؟ وقد تعذب أممٌ مِن العلماء على أن

يقولوا: "كلام الله مخلوق والقرءان مخلوق"، فتحمّلوا العذاب الشديد مِن أولاد الرشيد مدة من السنين ولم يقولوا هذه الكلمة وأنت تقولها من غير تعب.

القاعدة الثامنة: الصفات السبع المعنوية

يجب له تعالى سبع صفات يسمونها معنوية نسبة للمعاني وهي ملازمة للسبع السابقة، ولذا نسبت إليها وتسمى أحوالاً، وقيل الحال محال، والمراد تسميتها أحوالاً باللفظ النحوي لا بالمعنى المنتقل كجاء زيد راكبا، على أن الحال تكون مستمرة كخلق الله تعالى الغرابَ أسودَ فهي حالة لازمة.

وصفات الله السبعة المعنوية: قادر ومريد وعالم وحي وسميع وبصير ومتكلم. وهذه الصفات نفيها عنه تعالى كفر ولذا قال المعتزلة وغيرهم بها. فإن كل مؤمن وكل من نسب إليه الإيمان يشهد بهذه الصفات لكن على اختلاف في معناها. وقد علمت أنه تعالى: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } . ثم اختلف أهل العلم في

صفة الإدراك وهي تتعلق بالمشموم والملموس والمذوق من دون اتصال بمحالها فقيل: له صفة الإدراك لأنها من الكمالات، وقيل: صفة العلم والسمع والبصر كافية عنها، والله يعلم ما هو عليه. ولم يرد لها لفظ يدل عليها لا في كتاب ولا سنة.

واختلفوا في صفات الفعل كالتخليق والترزيق والإماتة والإحياء، فعند الأشاعرة لا يسمون ذلك صفة (52) بل يقولون: أفعاله تعالى حادثة لأنها تتعلق بالحادثات. وقال الماتريدية: أن صفات الأفعال قديمة (53) لأنه في الأزل متصف بالتخليق والترزيق وغيرها من صفات الأفعال. وقال الأشاعرة: هذا تعلق القدرة بالأشياء

قبل وجودها لا نفس الفعل. وهذا الخلاف لفظي لا معنوي، فإن تعلّق القدرة بالمقدورات قديم عندهما ولكن هذا التعلق ما اسمه؟ فقيل: اسمه صفة الفعل، وقيل: لا بل اسمه تعلق القدرة. وصفة الفعل هي إيجاد الموجود وإعدام المعدوم، وحينئذ فالمدار على اللفظ، والمعنى يرجع لأمر واحد.

فائدة: المالكية والشافعية أشعرية وإمامهم أبو الحسن الأشعري من ذرية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. والحنفية ماتريدية وإمامهم أبو منصور الماتريدي. وهما إماما أهل السنة والجماعة. والحنابلة أثرية لأنهم يتتبعون النصوص من دون تأويل، وأصحاب داود الظاهري يتبعون ظاهر النصوص حتى في الفقه. وهؤلاء كلهم على خير إن

شاء الله تعالى.

والمعتزلة فِرَقٌ، منهم مجسمون ومنهم القدرية يقولون: "لا قدَر" (54) ، ومنهم مَن ينكر العلم بالمفردات دون المجمَل من الخلق. وأما الذين يقولون بخلق القرءان وبالصلاح والأصلح والحسنُ ما حسّنه العقل وينفون الرؤية في الآخرة عن الله تعالى ويكفرون مرتكب الكبائر ويجعلون المنازل في الآخرة ثلاثة ويقولون: الخلق تخلق

أفعالها والله لا يخلق الفحشاء، فهؤلاء استمروا إلى مدة محمد الأمين وعبد الله المأمون أولاد هارون الرشيد وانتصروا بهما وشهروا مذهبهم وحملوا العلماء عليه بالسيف، ولما ظهر المعتصم ابن الرشيد فلم يسأل عن هذه الشرور فضعف حالهم. ثم لما ظهر المتوكل أظهر المذهب الشافعي رضي الله عنه ومذهب أهل السنة والجماعة ومحق اللهُ المعتزلة

ومزقهم كل ممزق. وكانوا من أتباع سيدنا أبي حنيفة في الفقه دون الاعتقاد، ولم يزل إلى الآن فيهم أهل اعتزال وسموا أنفسهم أهل العدل.

وأما الجبرية فإنهم ينفون الكسب عن العبد وربما أسقطوا عنه الكلف الشرعية لأنه لا فعل عندهم وعلى مذهبهم الإباحة القرندلية فعندهم لا حلال ولا حرام ولا كلفة.

وأما الجهمية (55) فإنهم يقولون لا يضر مع الإسلام ذنب كما لا ينفع مع الكفر عملٌ، فالإيمان عندهم كافٍ عن كل أمر لكنهم يتعبدون، ومنهم من يقول إذا عرف العبدُ ربَه لم يلزمه شيء بعد ذلك والتكليف لأهل الغفلة والحجاب.

وأما الرافضة (56) فإنهم اقسام، أخفهم مَن يفضل علياً على كل الصحابة، وباقي فرقهم لا يخلو من مكفِرٍ كقذف عائشة رضي الله عنه وغلط جبريل في النبوة والحلول في علي وجعفر وقذف الصحابة، وأهل الخفة منهم والرفق يتعبدون عبادة من غير دليل صحيح.

وأما الزنديق فهو الذي لا يتدين بدين.

وأما الملحدون فهم الذين يؤولون القرءان برأيهم الفاسد مثل: { صمٌ بكمٌ عميٌ } يقولون: صم عن غيره بكم عن غيره عمي عن غيره، والآية واردة في ذكر المنافقين فيخرجون القرءان عن مواضعه الواردة ويسمونهم الباطنية (57) فنسأل الله تعالى الحفظ والسلامة وأن يقبضنا إليه غير مفتونين حتى نلقاه على أحسن حال إنه أكرم

الأكرمين.

القاعدة التاسعة: في علم التوحيد.

إعلم أن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) جامعة للصفات العشرين السابق ذكرها الواجبة له تعالى لأن معناها (لا معبود بحق موجود إلا الله). ويلزم من كونه متصفاً بذلك أن يكون غنيا عن كل ما سواه وأن يكون كل الكون يفتقر له تعالى، لأن هذا وصف الإله. قال الشافعي رضي الله عنه: "من تعلقت همته بغير موجود فهو معطل ومن

تعلقت همته بموجود محصور فهو مجسم ومن تعلقت همته بموجود غير محصور فهو موحد".

وسئل رضي الله عنه عن دليل التوحيد عقلاً فقال: "اتحاد المصوِت مع اختلاف الأصوات دليل على أنه واحد، واجتماع أربع طبائع في جسم متضادة مع ائتلافها على بقائه دليل على أنه واحد"، ومعناه أنه تعالى خلق الخلق على شكل واحد في كل حيوان، فاختلاف أصوات الخلق مع اتحاد الخلق فيهم دليل على تصرف قادرٍ مختار وأن الخلق ليس له أثر،

وإلا لوجب اتحاد الأصوات لاتحاد مخرجها. وهذا مثال يهتدى به إلى أمور كثيرة من تصرفه تعالى في الخلق بما يشاء ويختار. وكذا يقال في أربع طبائع متنافرة وقد اتفقت على حياة جسم الحيوان مع أن كل طبيعة قاتلة، ثم ألـّفها تعالى على نفع الحيوان، وذلك دليل على وحدة المتصرف وعلى سعة قدرته وعظيم إحاطته وأنه فاعل مختار ليس لمراده مانع

يمنعه، لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله .

إذا علمت أن كلمة التوحيد تدل على غناه تعالى فخذ منها صفة الوجود والقِدَم والبقاء والقيام بالنفس ومخالفته للكائنات والوحدانية والحياة والسمع والبصر والكلام وكونه حياً سميعاً بصيراً متكلما.