قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةً مِّنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
كَانَ لِكُلٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ بِدِينِ الإِسْلامِ دِينِ الْحَقِّ، مُعْجِزَاتٌ عَدِيدَةٌ تَأْيِيدًا لَهُمْ وَتَصْدِيقًا لِنُبُوَّتِهِمْ.
وَكَانَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أُوتُوا مُعْجِزَاتٍ عَظِيمَةً كَثِيرَةً مِنْهَا مُعْجِزَةُ نُزُولِ الْمَائِدَةِ.
وَكَانَ سَيِّدُنَا عِيسَى قَدْ أَمَرَ الْحَوَارِيِّينَ وَهُمْ خِيرَةُ مَنْ ءَامَنُوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِصِيَامِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا أَتَمُّوهَا كَانُوا مَعَهُ فِي صَحْرَاءَ، وَكَانَ سَيِّدُنَا عِيسَى إِذَا خَرَجَ تَبِعَهُ أُلُوفٌ مِنَ النَّاسِ: بَعْضُهُمْ أَصْحَابُهُ، وَبَعْضُهُمْ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الدُّعَاءَ لَهُمْ لِمَرَضٍ بِهِمْ أَوْ عِلَّةٍ، إِذْ كَانُوا أَصْحَابَ عَاهَاتٍ وَإِعَاقَاتٍ، وَالْبَعْضُ الآخَرُ يَتْبَعُونَهُ لِلاِسْتِهْزَاءِ وَالتَّشْوِيشِ.
سَأَلَ الْحَوَارِيُّونَ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ إِنْزَالَ مَائِدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْهِمْ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ تَقَبَّلَ صِيَامَهُمْ، وَتَكُونَ لَهُمْ عِيدًا يُفْطِرُونَ عَلَيْهَا يَوْمَ فِطْرِهِمْ، وَطَلَبُوا أَنْ تَكُونَ كَافِيَةً لأِوَّلِهِمْ وَءَاخِرِهِمْ وَلِغَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ، وَلَكِنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى وَعَظَهُمْ فِي ذَلِكَ وَخَافَ أَلاَّ يَقُومُوا بِشُكْرِ اللَّهِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهَا، وَهُمْ قَدْ رَأَوِا الْكَثِيرَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، فَلِمَاذَا يَطْلُبُونَ الْمَزِيدَ؟
وَكَانَ الْجَوَابُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الأَكْلَ مِنْهَا لِلتَّبَرُّكِ. وَلَمَّا أَلَحُّوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ قَامَ إِلَى حَيْثُ كَانَ يُصَلِّي وَلَبِسَ ثِيَابًا مِنْ شَعَرٍ وَأَطْرَقَ رَأْسَهُ وَبَكَى خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَخَذَ يَتَضَرَّعُ وَيَدْعُو بِأَنْ يُجَابُوا إِلَى مَا طَلَبُوا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ دُعَاءَهُ، وَنَزَلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ، غَمَامَةٌ فَوْقَهَا وَأُخْرَى تَحْتَهَا، وَحَوْلَهَا الْمَلائِكَةُ، وَصَارَتْ تَدْنُو شَيْئًا فَشَيْئًا، وَكُلَّمَا اقْتَرَبَتْ مِنْهُمْ سَأَلَ عِيسَى الْمَسِيحُ رَبَّهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهَا رَحْمَةً لا نِقْمَةً وَأَنْ يَجْعَلَهَا سَلامًا وَبَرَكَةً،
فَلَمْ تَزَلْ تَدْنُو حَتَّى اسْتَقَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَهِيَ مُغَطَّاةٌ بِمِنْدِيلٍ، فَقَامَ يَكْشِفُ عَنْهَا وَهُوَ يَقُولُ: "بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرَّازِقِينَ" وَإِذَا عَلَيْهَا مِنَ الطَّعَامِ سَبْعُ أَسْمَاكٍ كَبِيرَةٍ وَسَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ وَخَلٌّ وَمِلْحٌ وَرُمَّانٌ وَعَسَلٌ وَثِمَارٌ وَهُمْ يَجِدُونَ لَهَا رَائِحَةً طَيِّبَةً جِدًّا لَمْ يَكُونُوا يَجِدُونَ مِثْلَهَا قَبْلَ ذَلِكَ.
بَلَغَ الْخَبَرُ الْيَهُودَ فَجَاءُوا غَمًّا وَكَمَدًا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَرَأَوْا عَجَبًا، ثُمَّ أَمَرَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ الْحَوَارِيِّينَ بِالأَكْلِ مِنْهَا، فَقَالُوا لَهُ: لا نَأْكُلُ حَتَّى تَأْكُلَ، فَقَالَ عِيسَى: إِنَّمَا يَأْكُلُ مِنْهَا مَنْ طَلَبَهَا وَسَأَلَهَا، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَبْدَأُوا بِالأَكْلِ مِنْهَا أَمَرَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمَرْضَى وَأَصْحَابَ الْعَاهَاتِ وَالْمُقْعَدِينَ وَالْعُمْيَان وَكَانُوا قَرِيبًا مِنَ الأَلْفِ وَثَلاثِمَائَةٍ أَنْ يَأْكُلُوا فَأَطَاعُوا، فَأَكَلُوا مِنْهَا وَحَصَلَتْ بَرَكَاتُ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ الْعَظِيمَةِ إِذْ شُفِيَ كُلُّ مَنْ بِهِ عَاهَةٌ أَوْ ءَافَةٌ أَوْ مَرَضٌ مُزْمِنٌ،
وَصَارَ الْفُقَرَاءُ أَغْنِيَاءَ، فَنَدِمَ النَّاسُ الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا مِنْهَا لِمَا رَأَوْا مِنْ إِصْلاحِ حَالِ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَكَلُوا، وَلَمَّا تَزَاحَمَ النَّاسُ عَلَى الْمَائِدَةِ جَعَلَ سَيِّدُنَا عِيسَى دَوْرًا لِكُلٍّ مِنْهُمْ وَكَانَ يَأْكُلُ ءَاخِرُهُمْ كَمَا يَأْكُلُ أَوَّلُهُمْ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَةُ ءَالافِ شَخْصٍ.
وَلَمَّا تَمَّ أَرْبَعُونَ يَوْمًا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ: يَا عِيسَى اجْعَلْ مَائِدَتِي هَذِهِ لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الأَغْنِيَاءِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأَنْ لا يَخُونُوا فَيَأْكُلُ مِنْهَا غَنِيٌّ وَأَنْ لا يَدَّخِرُوا وَلا يَرْفَعُوا مِنْ طَعَامِهَا وَيُخَبِئُوهُ لِغَدٍ، فَخَانَ مَنْ خَانَ وَادَّخَرَ مَنِ ادَّخَرَ، فَرُفِعَتِ الْمَائِدَةُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَتَكَلَّمَ مُنَافِقُوهُمْ فِي ذَلِكَ وَشَكَّكُوا النَّاسَ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأوحى الله لعيسى أنه سيعذب من كفر، فَلَمَّا قَامَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ نَوْمِهِمْ فِي الْيَوْمِ التَّالِي وَكَانُوا ثَلاثَةً وَثَلاثِينَ شَخْصًا،
تَحَوَّلُوا إِلَى خَنَازِيرَ بَشِعَةٍ، وَصَارُوا يَأْكُلُونَ الأَوْسَاخَ مِنْ حُفَرِ الأَقْذَارِ، بَعْدَمَا كَانُوا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ الطَّيِّبَ وَيَنَامُونَ عَلَى الْفِرَاشِ اللَّيِّنِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ اجْتَمَعُوا إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ يَبْكُونَ، وَجَاءَ هَؤُلاءِ الْخَنَازِيرُ فَطَأْطَئُوا رُءُوسَهُمْ وَصَارُوا يَبْكُونَ وَتَجْرِي دُمُوعُهُمْ، فَعَرَفَهُمْ سَيِّدُنَا عِيسَى وَصَارَ يَقُولُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ: "أَلَسْتَ فُلانًا؟" فَيُومِئُ بِرَأْسِهِ وَلا يَسْتَطِيعُ الْكَلامَ، وَبَقوا كَذَلِكَ عِدَّةَ أَيَّامٍ ثُمَّ دَعَا سَيِّدُنَا عِيسَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَقْبِضَ أَرْوَاحَهُمْ، فَأَصْبَحُوا لا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبُوا، هَلِ الأَرْضُ ابْتَلَعَتْهُمْ، أَمْ غَيْرُ ذَلِكَ؟
وَتَحَدَّثَ النَّاسُ عَنْ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ الْعَظِيمَةِ، فَآمَنَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَازْدَادَ الْمُؤْمِنُونَ يَقِينًا وَثَبَاتًا فِي إِيْمَانِهِمْ.
مُعْجِزَاتُ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ الْمُتَوَالِيَاتُ
لَمَّا بَلَغَ سَيِّدُنَا عِيسَى الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ الثَّلاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ، أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَخَرَجَ يَجُوبُ الْبِلادَ وَيَجُولُ فِي الْقُرَى، يَدْعُو إِلَى الإِسْلامِ قَائِلاً لِلنَّاسِ: "اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَءَامِنُوا بِأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ"، فَآمَنَ بِهِ أَوَّلَ مَنْ ءَامَنَ اثْنَا عَشَرَ شَخْصًا يُسَمَّوْنَ "الْحَوَارِيِّينَ".
يُرْوَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَوَّلِ مُعْجِزَاتِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، أَنَّ وَالِدَتَهُ السَّيِّدَةَ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلامُ دَفَعَتْهُ مَرَّاتٍ عَدِيدَةٍ لِلْقِيَامِ بِأَعْمَالٍ شَتَّى، وَءَاخِرُ مَنْ دَفَعَتْهُ إِلَيْهِمْ كَانُوا جَمَاعَةَ صَابِغِي الثِّيَابِ يُبَيِّضُونَهَا وَيُلَوِّنُونَهَا، فَأَرَادَ صَاحِبُ الْعَمَلِ السَّفَرَ، فَقَالَ لِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدِي ثِيَابٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةُ الأَلْوَانِ، وَقَدْ عَلَّمْتُكَ الصِّبْغَةَ فَاصْبِغْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِاللَّوْنِ الَّذِي حَدَّدْتُهُ لَكَ وَوَضَعْتُ خَيْطًا مِنَ اللَّوْنِ الْمَطْلُوبِ عَلَيْهَا،
فَسَخَّنَ سَيِّدُنَا عِيسَى وِعَاءً وَاحِدًا كَبِيرًا وَوَضَعَ فِيهِ أَلْوَانًا عَدِيدَةً، ثُمَّ وَضَعَ الثِّيَابَ كُلَّهَا فِي هَذَا الْوِعَاءِ وَقَالَ كُونِي بِإِذْنِ اللَّهِ عَلَى مَا أُرِيدُهُ مِنْكِ، فَعَادَ صَاحِبُ الْعَمَلِ مِنَ السَّفَرِ وَالثِّيَابُ كُلُّهَا فِي الْوِعَاءِ، فَلَمَّا رَءَاهَا دُهِشَ وَقَالَ لَقَدْ أَفْسَدْتَهَا، فَأَخْرَجَ سَيِّدُنَا عِيسَى ثَوْبًا أَحْمَرَ وَثَوْبًا أَصْفَرَ وَءَاخَرَ أَخْضَرَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ عَلَى كُلِّ ثَوْبٍ مَكْتُوبٍ عَلَيْهِ صِبْغَتُهُ، فَعَجِبَ صَاحِبُ الْعَمَلِ وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ فَآمَنَ بِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ فَآمَنُوا بِهِ،
وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا يَشُدُّونَ أَزْرَ سَيِّدِنَا عِيسَى فِي دَعْوَتِهِ إِلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى. وَتَوَالَتِ الْمُعْجِزَاتُ، فَمَرَّ يَوْمًا بِجَمَاعَةٍ يَصْطَادُونَ السَّمَكَ وَرَئِيسُهُمْ يُدْعَى "شَمْعُونَ"، فَقَالَ لَهُمْ سَيِّدُنَا عِيسَى: "مَا تَصْنَعُونَ؟" قَالُوا: "نَصِيدُ السَّمَكَ"، قَالَ: "أَفَلا تَمْشُونَ حَتَّى نَصِيدَ النَّاسَ؟" أَيْ لِنَهْدِيَهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، قَالُوا: "وَمَنْ أَنْتَ؟" فَأَجَابَ:
"أَنَا عِيسَى بنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ"، فَسَأَلُوهُ دَلِيلاً يَدُلُّهُمْ عَلَى صِدْقِهِ فِي مَا قَالَ، وَكَانَ شَمْعُونُ قَدْ رَمَى بِشَبَكَتِهِ فِي الْمَاءِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَمَا اصْطَادَ شَيْئًا، فَأَمَرَهُ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإِلْقَاءِ شَبَكَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى مُتَضَرِّعًا إِلَيْهِ، فَمَا هِيَ إِلاَّ لَحَظَاتٌ يَسِيرَةٌ حَتَّى اجْتَمَعَ فِي تِلْكَ الشَّبَكَةِ مِنَ السَّمَكِ مَا كَادَتْ تَتَمَزَّقُ مِنْ كَثْرَتِهِ، فَاسْتَعَانُوا بِأَهْلِ سَفِينَةٍ أُخْرَى وَمَلَئُوا السَّفِينَتَيْنِ مِنَ السَّمَكِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ءَامَنُوا بِهِ وَانْطَلَقُوا مَعَهُ،
فَصَارُوا مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَارِيِّينَ، الَّذِينَ كَانُوا يَصْطَادُونَ السَّمَكَ، فَلَمَّا ءَامَنُوا بِسَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ صَارُوا يَصْطَادُونَ النَّاسَ لِيَهْدُوهُمْ إِلَى دِينِ الإِسْلامِ، وَسُمُّوا بِالْحَوَارِيِّينَ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ وَقِيلَ بَلْ لأِنَّهُمْ كَانُوا أَنْصَارَ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ وَأَعْوَانَهُ الْمُخْلِصِينَ فِي مَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ وَخِدْمَتِهِ.
لَمْ يَكُنِ الْيَهُودُ بَعِيدِينَ عَنْ أَخْبَارِ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَظْهَرُ عَلَى سَيِّدِنَا عِيسَى الْمَسِيحِ، وَشَعَرُوا وَكَأَنَّ الْبِسَاطَ يُسْحَبُ مِنْ تَحْتِهِمْ وَأَنَّهُ يُهَدِّدُ كَرَاسِيَهُمْ وَمَنَاصِبَهُمْ، فَكَمْ غَرُّوا أُنَاسًا وَأَضَلُّوهُمْ وَحَادُوا بِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ لِمَآرِبِهِمْ الدَّنِيئَةِ الْخَبِيثَةِ، وَهَا هُوَ سَيِّدُنَا عِيسَى الثَّابِتُ الْقَوِيُّ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، يَفْضَحُ أَسْرَارَهُمْ، وَيَنْشُرُ بَيْنَ النَّاسِ مَخَازِيَهُمْ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ عَلَى مُحَارَبَتِهِ أَيْنَمَا حَلَّ، وَتَكْذِيبِهِ حَيْثُمَا ذَهَبَ.
وَيَوْمًا قَالُوا لَهُ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِي قَوْلِكَ وَدَعْوَتِكَ فَصَوِّرْ لَنَا خُفَّاشًا مِنْ الطِّينٍ وَاجْعَلْهُ يَطِيرُ، فَقَامَ سَيِّدُنَا عِيسَى مُتَوَكِّلاً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَخَذَ طِينًا وَجَعَلَ مِنْهُ خُفَّاشًا ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ فَقَامَ يَطِيرُ بِإِذْنِ اللَّهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَسَطَ دَهْشَةِ النَّاظِرِينَ، وَلَكِنَّهُ مَا إِنْ غَابَ عَنْ أَعْيُنِهِمْ حَتَّى سَقَطَ مَيِّتًا، فَاغْتَاظَ الْيَهُودُ إِذْ طَلَبُوا الْخُفَّاشَ لأِنَّهُ مِنْ أَعْجَبِ وَأَغْرَبِ الْخَلْقِ، وَمِنْ أَكْمَلِ الطُّيُورِ خَلْقًا، لأِنَّ لأُنْثَاهُ ثَدِيَيْنِ وَأَسْنَانًا وَأُذُنَيْنِ وَمِنْ عَجَائِبِهِ أَنَّهُ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ،
وَيَلِدُ كَمَا يَلِدُ الْحَيَوَانُ، وَلا يَبِيضُ كَمَا تَبِيضُ سَائِرُ الطُّيُورِ، فَيَكُونُ لَهُ الضَّرْعُ يَخْرُجُ مِنْهُ اللَّبَنُ وَلا يُبْصِرُ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ وَلا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا يَرَى فِي سَاعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ سَاعَةً، وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ سَاعَةً، وَيَضْحَكُ كَمَا يَضْحَكُ الإِنْسَانُ، وَتَحِيضُ أُنْثَاهُ كَمَا تَحِيضُ الْمَرْأَةُ وَكَانَ تَسْوِيَةُ الطِّينِ وَالنَّفْخُ مِنْ سَيِّدِنَا عِيسَى وَالْخَلْقُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَكَانَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ كَانَ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ الَّذِي يُولَدُ أَعْمَى، وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَالْبَرَصُ مَرَضٌ يُصِيبُ الْجِلْدَ وَيَكُونُ عَلَى شَكْلِ بَيَاضٍ يُغَطِّي مِسَاحَاتٍ مِنَ الْجِسْمِ فَيَنْفِرُ النَّاسُ مِنْ صَاحِبِهِ، وَخُصَّ هَذَانِ الْمَرَضَانِ بِالذِّكْرِ لأِنَّهُمَا دَاءَانِ مُعْضِلانِ، وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى زَمَنِ سَيِّدِنَا عِيسَى الطِّبَّ، فَأَرَاهُمُ اللَّهُ الْمُعْجِزَةَ عَلَى يَدَيْ سَيِّدِنَا عِيسَى مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ، وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ أَحْيَا أَرْبَعَةً مِنَ الْخَلْقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ،
وَكَانَ سَيِّدُنَا حِزْقِيلُ قَبْلَ سَيِّدِنَا عِيسَى أَحْيَا ثَمَانِيَةً وَهُوَ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمَا أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنَ الَّذِينَ أَحْيَاهُمْ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإِذْنِ اللَّهِ أَحَدُ أَصْدِقَائِهِ وَاسْمُهُ عَازَرُ، إِذْ لَمَّا مَرِضَ أَرْسَلَتْ أُخْتُهُ إِلَى سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّ عَازَرَ يَمُوتُ فَسَارَ إِلَيْهِ وَبَيْنَهُمَا ثَلاثَةُ أَيَّامٍ فَوَصَلَ إِلَيْهِ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ، فَأَتَى قَبْرَهُ فَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَقَامَ عَازَرُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَاشَ وَوُلِدَ لَهُ،
وَمِنَ الَّذِينَ أُحْيُوا بِإِذْنِ اللَّهِ عَلَى يَدَيْ سَيِّدِنَا عِيسَى الْمَسِيحِ ابْنُ الْعَجُوزِ فَإِنَّهُ مُرَّ بِهِ مَحْمُولاً عَلَى سَرِيرِهِ فَدَعَا لَهُ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أَنْ يَقُومَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَقَامَ وَنَزَلَ عَنْ أَكْتَافِ الرِّجَالِ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ ثُمَّ حَمَلَ سَرِيرَهُ وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ.
وَكَذَلِكَ فَعَلَ مَعَ أَحَدِ الْمُلُوكِ إِذْ كَانَ مَحْمُولاً وَجَرَى مَعَهُ مَا جَرَى مَعَ ابْنِ الْعَجُوزِ. لَكِنَّ الْيَهُودَ الْحَسَدَةَ لَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا تَعَنُّتًا: "إِنَّكَ تُحْيِي مَنْ كَانَ مَوْتُهُ قَرِيبًا، فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا بَلْ أُصِيبُوا بِإِغْمَاءٍ أَوْ سَكْتَةٍ"، فَأَحْيِ لَنَا سَامَ بنَ نُوحٍ، وَكَانَ لِسَيِّدِنَا نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أَرْبَعَةُ أَبْنَاء، ثَلاثَةٌ أَسْلَمُوا وَنَجَوْا مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ سَامٌ وَحَامٌ وَيَافِثُ أَمَّا الاِبْنُ الرَّابِعُ كَنْعَانُ فَقَدْ أَبَى أَنْ يُؤْمِنَ وَلَمْ يَصْعَدِ السَّفِينَةَ مَعَ وَالِدِهِ وَإِخْوَتِهِ فَمَاتَ غَرَقًا.
فَقَالَ سَيِّدُنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ: "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ"، فَخَرَجَ سَيِّدُنَا عِيسَى وَخَرَجَ الْقَوْمُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى قَبْرِهِ، فَدَعَا اللَّهَ فَخَرَجَ سَامٌ، وَقَدْ كَانَ مِنْ وَقْتِ مَوْتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ ءَالافِ سَنَةٍ، فَالْتَفَتَ سَامٌ وَقَالَ لِلنَّاسِ مُشِيرًا إِلَى سَيِّدِنَا عِيسَى الْمَسِيحِ: "صَدِّقُوهُ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ" ثُمَّ عَادَ إِلَى حَالِهِ، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَكَذَّبَهُ الْبَعْضُ الآخَرُ وَقَالُوا: هَذَا سِحْرٌ. وَرُوِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فِي إِحْيَائِهِ لِلْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ كَانَ يَضْرِبُ بِعَصَاهُ الْمَيِّتَ أَوِ الْقَبْرَ أَوِ الْجُمْجُمَةَ فَيَحْيَا الإِنْسَانُ وَيُكَلِّمُهُ وَيَعِيشُ.
وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُنْبِئُ قَوْمَهُ بِمَا يَأْكُلُونَهُ وَيَدَّخِرُونَهُ فِي بُيُوتِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَحْيَا لَهُمُ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ طَلَبُوا مِنْهُ ءَايَةً أُخْرَى وَقَالُوا: أَخْبِرْنَا بِمَا نَأْكُلُ فِي بُيُوتِنَا وَمَا نَدَّخِرُ لِلْغَدِ، فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ: "يَا فُلانُ، أَنْتَ أَكَلْتَ كَذَا وَكَذَا، وَأَنْتَ أَكَلْتَ كَذَا وَكَذَا وَادَّخَرْتَ كَذَا وَكَذَا.
