أَهْلُ الْقُرُونِ الثَّلاثَةُ كَانَ يُواسِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِمَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ، يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ قَرَأَ التَّوَارِيخَ يُوجَدُ رَجُلٌ كَانَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ وَالِيًا عَلَى سِجِسْتَانَ بَلَدٍ مِنْ بِلادِ الْعَجَمِ اسْمُهَا سِجِسْتَانُ يُسَمَّى طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ، هَذَا الْوَالِي كَانَ كَرِيْمًا ذَا مُرُوءَةٍ، حُكِيَ أَنَّهُ زَوَّجَ مِائَةَ عَرَبِيَّةٍ فِي تِلْكَ الْبِلادِ بِمِائَةِ عَرَبِيٍّ مَعَ تَحَمُّلِ الْكُلَفِ عَنْهُمْ. مِثْلُ هَذَا الْيَوْمَ أَيْنَ الَّذِي يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ.
كَسْرُ النَّفْسِ وَتَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ وَقِصَّةُ دِينَارِ الْعِيَارِ
يُحْكَى أَنَّ رَجُلاً كَانَ يُعْرَفُ بِدِينَارِ الْعِيَارِ، وَكَانَ لَهُ وَالِدَةٌ صَالِحَةٌ تَعِظُهُ وَهُوَ لا يَتَّعِظُ، فَمَرَّ فِي بَعْضِ الأَيَّامِ بِمَقْبَرَةٍ فَأَخَذَ مِنْهَا عَظْمًا تَفَتَّتَ فِي يَدِهِ فَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ. وَقَالَ وَيَحْكَ يَا دِينَارُ كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ صَارَ عَظْمُكَ هَكَذَا رُفَاتًا وَالْجِسْمُ تُرَابًا، فَنَدِمَ عَلَى تَفْرِيطِهِ وَعَزَمَ عَلَى التَّوْبَةِ وَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ لأِنَّهَا قِبْلَةُ الدُّعَاءِ، رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ إِلَهِي وَسَيِّدِي أَلْقَيْتُ إِلَيْكَ مَقَالِيدَ أَمْرِي فَاقْبَلْنِي وَارْحَمْنِي، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَ أُمِّهِ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ مُنْكَسِرَ الْقَلْبِ فَقَالَ:
يَا أُمَّاهُ مَا يُصْنَعُ بِالْعَبْدِ الآبِقِ إِذَا أَخَذَهُ سَيِّدُهُ، قَالَتْ يُخَشِّنُ مَلْبَسَهُ وَمَطْعَمَهُ وَيَغِلُّ يَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ. فَقَالَ أُرِيدُ جُبَّةً مِنْ صُوفٍ وَافْعَلِي بِي كَمَا يُفْعَلُ بِالْعَبْدِ الآبِقِ، فَفَعَلَتْ بِهِ مَا أَرَادَ، فَكَانَ إِذَا جُنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَخَذَ فِي الْبُكَاءِ الشَّدِيدِ وَيَقُولُ لِنَفْسِهِ وَيَحْكَ يَا دِينَارُ أَلَكَ قُوَّةٌ عَلَى النَّارِ، كَيْفَ تَعَرَّضْتَ لِغَضَبِ الْجَبَّارِ، وَلا يَزَالُ كَذَلِكَ إِلَى الصَّبَاحِ، فَقَالَتْ أُمُّهُ يَا بُنَيَّ ارْفِقْ بِنَفْسِكَ، قَالَ دَعِينِي أَتْعَبُ قَلِيلاً، لَعَلِّي أَسْتَرِيحُ طَوِيلاً،
يَا أُمَّاهُ إِنَّ لِي غَدًا مَوْقِفًا طَوِيلاً، بَيْنَ يَدَيْ رَبٍّ جَلِيلٍ، وَلا أَدْرِي أَيُؤْمَرُ بِي إِلَى ظِلٍّ ظَلِيلٍ، أَوْ إِلَى شَرِّ مَقِيلٍ. قَالَتْ يَا بُنَيَّ خُذْ لِنَفْسِكَ رَاحَةً قَالَ لَسْتُ لِلرَّاحَةِ أَطْلُبُ كَأَنَّكِ يَا أُمَّاهُ غَدًا بِالْخَلائِقِ يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَنَا أُسَاقُ إِلَى النَّارِ مَعَ أَهْلِهَا. فَتَرَكَتْهُ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ فِي الْبُكَاءِ وَالْعِبَادَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ فَقَرَأَ بَعْضَ اللَّيَالِي:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سُورَةَ الْحجر] فَفَكَّرَ فِي هَذِهِ الآيَةِ الْعَظِيمَةِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَجَعَلَ يَبْكِي حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ فَجَاءَتْ أُمُّهُ إِلَيْهِ فَنَادَتْهُ فَلَمْ يُجِبْهَا فَقَالَتْ لَهُ يَا حَبِيبِي وَقُرَّةَ عَيْنِي أَيْنَ الْمُلْتَقَى؟
فَقَالَ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ: يَا أُمَّاهُ إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فِي مَوَاقِفِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَاسْأَلِي مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ عَنِّي ثُمَّ شَهَقَ شَهْقَةً فَمَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. فَغَسَّلَتْهُ أُمُّهُ وَجَهَّزَتْهُ وَخَرَجَتْ تُنَادِي أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَى الصَّلاةِ عَلَى قَتِيلِ النَّارِ، فَجَاءَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَمْ يُرَ أَكْثَرَ جَمْعًا وَلا أَغْزَرَ دَمْعًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَمَّا دَفَنُوهُ نَامَ بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَرَءَاهُ يَمْشِي فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ يَقْرَأُ الآيَةَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وَيَقُولُ: وَعِزَّتِهِ وَجَلالِهِ سَأَلَنِي وَرَحِمَنِي وَغَفَرَ لِي وَتَجَاوَزَ عَنِّي أَلا أَخْبِرُوا عَنِّي أُمِّي.
قِصَّةُ الْوَلِيِّ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ بنِ أَبِي نُعُم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ أَبِي نُعُم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ حَبَسَهُ الْحَجَّاجُ بنُ يُوسُفَ وَضَعَهُ فِي السِّجْنِ لِيَمُوتَ بِالْجُوعِ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ بِالْجُوعِ وَشَدَّدَ حِرَاسَةَ السِّجْنِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ أَنْ يُدْخَلَ إِلَيْهِ بِأَكْلٍ أَوْ شَرَابٍ بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فُتِحَ السِّجْنُ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَوَجَدُوهُ قَائِمًا يُصَلِّي، اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْطَاهُ لَذَّةً بِدُونِ أَكْلٍ وَبِدُونِ شَرَابٍ، خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ظَلَّ يَتَطَوَّعُ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالْعِبَادَةِ فَلَمَّا أُخْبِرَ الْحَجَّاجُ بِأَنَّهُمْ وَجَدُوهُ قَائِمًا يُصَلِّي هُوَ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ،
وَأَنَّهُ يَكُونُ صَارَ جِيفَةً أَيْ أَنْتَنَ وَانْتَفَخَ، كَأَغْلَبِ النَّاسِ إِذَا مَاتُوا بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ يَنْتَفِخُونَ تَتَفَسَّخُ أَبْدَانُهُمْ يَخْرُجُ مِنْهَا الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ تَكُونُ رَائِحَةُ الْمَيِّتِ عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ مُنْتِنَةً مُنْتِنَةً جِدًّا هَذَا لَمَّا وَجَدُوهُ عَلَى خِلافِ مَا ظَنَّ هُوَ هَذَا الْحَجَّاجُ الظَّالِمُ دَخَلَ قَلْبَهُ شَىْءٌ فَأَعْفَاهُ مِنَ الْقَتْلِ، مَا عَاقَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، تَرَكَهُ أَخْلَى سَبِيلَهُ، هَذَا الْوَلِيُّ يُسَمَّى عَبْدَ الرَّحْمٰنِ بنَ أَبِي نُعُم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.
صَدِيقُ إِبْلِيسَ لَعَنَهُمَا اللَّهُ
قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ سَنَةٍ فِي الْمِائَةِ الأُولَى مِنْ تَارِيخِ الْهِجْرَةِ، كَانَ رَجُلٌ يَعْمَلُ فِي قَصْرِ الْحَجَّاجِ بنِ يُوسُفَ فَرَأَى جَارِيَةً عَلِقَتْ نَفْسُهُ بِهَا، وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ ذَاتَ يَوْمٍ انْكَبَّ مِنْ يَدِ رَجُلٍ زِقُّ عَسَلٍ فَصَارَتِ الأَطْفَالُ يَأْكُلُونَ مِنَ هَذَا الْعَسَلِ، وَهُمْ يَقُولُونَ أَخْزَى اللَّهُ إِبْلِيسَ، يَسُبُّونَ إِبْلِيسَ وَيَأْكُلُونَ مِنْ هَذَا الْعَسَلِ، فَقَالَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يَعْمَلُ فِي قَصْرِ الْحَجَّاجِ قُولُوا جَزَى اللَّهُ إِبْلِيسَ خَيْرًا لأِنَّهُ هُوَ السَّبَبُ بِأَكْلِكُمْ مِنْ هَذَا الْعَسَلِ وَلا تَقُولُوا أَخْزَى اللَّهُ إِبْلِيسَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ،
فَظَهَرَ لَهُ إِبْلِيسُ مُتَشَكِّلاً فَقَالَ لَهُ أَنْتَ لَكَ عِنْدِي يَدٌ بَيْضَاءُ، مَعْنَاهُ لَكَ عِنْدِي حَقٌّ بِالْمُكَافَأَةِ، مَتَّى مَا أَرَدْتَ لِقَائِي فَالْعَلامَةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ كَذَا، فَصَارَ هَذَا الرَّجُلُ مَعْرُوفًا، صَارَ يُقَالُ لَهُ صَدِيقُ إِبْلِيسَ، مِنْ كَثْرَةِ مَا تُقْضَى حَاجَاتُ النَّاسِ عَلَى يَدِهِ بِسَبَبِ إِبْلِيسَ، ثُمَّ هَذَا الرَّجُلُ تَذَكَّرَ مَا قَالَ لَهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ أَقْصِدُ إِبْلِيسَ لأِصِلَ إِلَى هَذِهِ الْبِنْتِ، إِبْلِيسُ أَعْطَاهُ عَلامَةً قَالَ لَهُ افْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَأَحْضُرُ، فَطَلَبَهُ فَحَضَرَ، فَشَكَى لَهُ فَصَارَ إِبْلِيسُ يُحْضِرُهَا لَهُ فِي اللَّيْلِ ثُمَّ عِنْدَ الصَّبَاحِ يَرُدُّهَا إِلَى قَصْرِ الْحَجَّاجِ،
ثُمَّ الْحَجَّاجُ ذَاتَ لَيْلَةٍ رَأَى هَذِهِ الْبِنْتَ مُكْتَئِبَةً فَقَالَ لَهَا مَا بَالُكِ، فَقَصَّتْ لَهُ قِصَّتَهَا وَأَخْبَرَتْهُ بِأَنَّهَا تُسَاقُ فِي اللَّيْلِ إِلَى بَيْتِ رَجُلٍ فَيَزْنِي بِهَا ثُمَّ تُعَادُ، فَقَالَ لَهَا الْحَجَّاجُ إِنْ عَادَ فَأَخَذَكِ فَخُذِي مَعَكِ هَذَا الصِّبْغَ فَاصْبُغِي بِهِ بَابَ بَيْتِهِ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ هُوَ أَرْسَلَ الْعَسْكَرَ لِيُفَتِّشُوا فَفَتَّشُوا فَوَجَدُوا بَيْتًا عَلَيْهِ هَذَا الصِّبْغُ الْخَاصُّ، فَأَخَذُوا هَذَا الرَّجُلَ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَبَيْنَمَا هُوَ هُنَاكَ جَاءَ الشَّيْطَانُ فَأَخَذَهُ، أَنْقَذَهُ مِنَ الْقَتْلِ، أَخَذَهُ فِي الْهَوَاءِ وَغَيَّبَهُ،
لا يُعْرَفُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَبَرٌ، وَلَوْ وَجَدَهُ الْحَجَّاجُ لَقَتَلَهُ، إِبْلِيسُ شَكَرَهُ لِهَذِهِ، لأِنَّهُ نَهَى الأَطْفَالَ عَنْ سَبِّ إِبْلِيسَ وَقَالَ لَهُمْ هَذَا الْعَسَلُ بِسَبَبِ إِبْلِيسَ حَصَّلْتُمْ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُمْ قُولُوا جَزَى اللَّهُ إِبْلِيسَ خَيْرًا فَكَفَرَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، بِسَبَبِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ صَارَ لَهُ عِنْدَ إِبْلِيسَ مَنْزِلَةٌ كَبِيرَةٌ، إِبْلِيسُ فَرِحَ مِنْهُ فَسَاعَدَهُ. لا يُغْتَرُّ بِالشَّخْصِ إِذَا كَانَ يَحْصُلُ عَلَى يَدِهِ شِفَاءٌ لِلْمَجَانِينِ وَأَصْحَابِ الْعَاهَاتِ، إِلاَّ أَنْ يُعْرَفَ حَالُهُ، إِنْ وُجِدَ مُسْتَقِيمًا بِطَاعَةِ اللَّهِ يُظَنُّ بِهِ الْوِلايَةُ وَإِلاَّ لا يُظَنُّ بِهِ الْوِلايَةُ.
