سَيِّدُنَا زَيْنُ الْعَابِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلِيُّ بنُ سَيِّدِنَا الْحُسَيْنِ الَّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ السَّجَّادُ كَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ خِلْقَةً وَمِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا وَمِنْ أَسْخَى النَّاسِ، النَّاسُ مِنْ حُسْنِ حَالِهِ وَمَنْظَرِهِ كَانُوا يَهَابُونَهُ أَكْثَرَ مِنَ الْمُلُوكِ هَذَا أَهَانَهُ شَخْصٌ فِي وَجْهِهِ فَسَكَتَ، مَا رَدَّ عَلَيْهِ، مَا انْتَقَمَ مِنْهُ، فَذَاكَ لَمَّا وَجَدَهُ لا يَرُدُّ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ "إِيَّاكَ أَعْنِي" فَقَالَ "وَعَنْكَ أُغْضِي" وَعَنْكَ أُغْضِي مَعْنَاهُ أَنَا عَمْدًا أَسْكُتُ عَنْكَ لا أُعَامِلُكَ بِالْمِثْلِ، فَذَلِكَ الرَّجُلُ تَرَاجَعَ فِي نَفْسِهِ وَنَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ قَالَ فِي نَفْسِهِ أَنَا عَامَلْتُهُ بِالشَّتْمِ وَالإِهَانَةِ وَهُوَ مَا قَابَلَنِي بِالْمِثْلِ بَلْ أَغْضَى عَنِّي فَوَبَّخَ نَفْسَهُ لامَ نَفْسَهُ.

قِصَّةُ صَحَابِيٍّ رَأَى امْرَأَةً أَعْجَبَتْهُ

كَانَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رَأَى امْرَأَةً أَعْجَبَتْهُ فَصَارَ يُتْبِعُهَا نَظَرَهُ ثُمَّ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ اصْطَدَمَ وَجْهُهُ بِجِدَارٍ فَسَالَ دَمُهُ فَجَاءَ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُ أَرَادَ بِكَ خَيْرًا وَإِنَّ هَذَا جَزَاءُ تِلْكَ النَّظْرَةِ" فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ اللَّهُ يُجَازِيهِمْ عَلَى مَعَاصِيهِمْ فِي الدُّنْيَا وَأَمَّا أَكْثَرُ النَّاسِ فَإِنَّ اللَّهَ يُؤَخِّرُ لَهُمْ عُقُوبَتَهُمْ إِلَى الآخِرَةِ. لَكِنَّ الَّذِي يُجَازِيهِ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا يَكُونُ أَحْسَنَ مِنَ الَّذِي يُؤَخِّرُ لَهُ الْعَذَابَ إِلَى الآخِرَةِ، لأِنَّ هَذَا بِهَذِهِ الْمَصَائِبِ تَسْقُطُ عَنْهُ الْعُقُوبَةُ فِي الآخِرَةِ.

قِصَّةُ مَلِكِ الْفُرْسِ

مَلِكُ الْفُرْسِ كَانَ مِنْ شِدَّةِ حُبِّهِ لِلرِّئَاسَةِ اسْتَعْجَلَ مَوْتَ أَبِيهِ فَقَتَلَهُ لأِنَّهُ كَانَ لَهُ أَعْوَانٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ، اعْتِمَادًا عَلَى ذَلِكَ قَتَلَ أَبَاهُ. أَبُوهُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ ابْنَهُ هَذَا يَقْتُلُهُ لَمَّا رَأَى مِنْهُ مِنْ عَلامَاتِ ذَلِكَ، هُوَ أَيْضًا دَبَّرَ لَهُ مَكِيدَةً، الأَبُ وَضَعَ سُمَّ سَاعَةٍ فِي حُقَّةٍ وَكَتَبَ عَلَيْهِ هَذَا مُقَوٍّ لِلْجِمَاعِ وَوَضَعَهُ فِي مَحَلِّ الدَّخَائِرِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَضَعُ الْمُلُوكُ الأَشْيَاءَ النَّفِيسَةَ الْغَالِيَةَ وَكَتَبَ عَلَيْهِ هَذَا مُقَوٍّ، بَعْدَمَا قَتَلَ أَبَاهُ مَلَكَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، هَذَا نَظَرَ فِي الْخَزَائِنِ فَوَجَدَ هَذِهِ الْحُقَّةَ وَوَجَدَ عَلَيْهَا كِتَابَةً: هَذَا مُقَوٍّ فَاسْتَعْمَلَهُ، فَقَتَلَهُ هَذَا السُّمُّ.

ذِكْرُ قِصَّةِ سَيِّدِنَا الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أَفْتَى وَعُمُرُهُ نَحْوُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً

سَيِّدُنَا الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ الإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ نَاصِرُ السُّنَّةِ الْمُجَدِّدُ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بنُ إِدْرِيسَ بنِ الْعَبَّاسِ بنِ عُثْمَانَ بنِ شَافِعِ بنِ السَّائِبِ بنِ عُبْيَدِ بنِ عَبْدِ يَزِيدَ بنِ هَاشِمِ بنِ الْمُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ جَدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ الشَّافِعِيُّ نِسْبَةً لِشَافِعٍ جَدِّهِ الثَّالِثِ الَّذِي كَانَ صَحَابِيًّا ابْنَ صَحَابِيٍّ.

كَانَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عُمُرُهُ نَحْوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً كَانَ يَدْرُسُ الْعِلْمَ عِنْدَ الإِمَامِ مَالِكٍ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى مَالِكٍ فَاسْتَفْتَاهُ، قَالَ لَهُ: "إِنِّي حَلَفْتُ بِالطَّلاقِ أَنَّ هَذَا الْقُمْرِيَّ لا يَهْدَأُ مِنْ صِيَاحٍ". فَنَظَرَ مَالِكٌ، فَأَدَّاهُ نَظَرُهُ وَاجْتِهَادُهُ إِلَى أَنَّ هَذَا الإِنْسَانَ حَنِثَ فِي حَلِفِهِ، فَطَلَقَتِ امْرَأَتُهُ، لأِنَّ الْقُمْرِيَّ لا بُدَّ أَنْ يَهْدَأَ مِنْ صِيَاحٍ، لَيْسَ كُلَّ سَاعَةٍ يَصِيحُ.

فَأَفْتَاهُ بِطَلاقِ امْرَأَتِهِ. فَعَلِمَ الشَّافِعِيُّ بِهَذِهِ الْفَتْوَى فَاجْتَهَدَ الشَّافِعِيُّ، فَلَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهَا، قَالَ الشَّافِعِيُّ الشَّخْصُ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ إِنَّ هَذَا الْقُمْرِيَّ لا يَهْدَأُ مِنْ صِيَاحٍ أَنَّهُ كَثِيرُ الصِّيَاحِ، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ فَتْرَةٌ يَسْكُتُ فِيهَا مِنَ الصِّيَاحِ، وَأَنَّ الطَّلاقَ لَمْ يَقَعْ عَلَى زَوْجَتِهِ، لأِنَّهُ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ يَصِيحُ، وَفِي بَعْضٍ مِنْهَا لا يَصِيحُ، فَلَمْ يَحْصُلِ الطَّلاقُ لأِنَّهُ فِي الْعُرْفِ يُقَالُ لَهُ:

"لا يَهْدَأُ مِنْ صِيَاحٍ" فَلَمْ يَحْنَثْ فِي حَلِفِهِ، مَا انْكَسَرَ حَلِفُهُ، قَالَ لَهُ: "لَمْ تَطْلُقِ امْرَأَتُكَ" هُوَ الشَّافِعِيُّ أَخَذَ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ حَدِيثٍ صَحِيحِ الإِسْنَادِ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَاسْتَشَارَتْهُ لِلتَّزَوُّجِ بِرَجُلَيْنِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو جَهْمٍ وَرَجُلٌ ءَاخَرُ هُوَ مُعَاوِيَةُ. فَقَالَ لَهَا الرَّسُولُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ: "أَمَّا أَبُو جْهَمٍ فَلا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ" يَعْنِي أَنَّهُ ضَرَّابٌ، ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ " وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ عَلَيْكِ بِفُلانٍ" سَمَّى لَهَا شَخْصًا ثَالِثًا.

الشَّافِعِيُّ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ اسْتَخْرَجَ أَنَّ هَذَا الْقُمْرِيَّ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لا يَهْدَأُ بِالْمَرَّةِ مِنَ الصِّيَاحِ إِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ كَثِيرُ الصِّيَاحِ، مَا دَامَ مُسْتَيْقِظًا الصِّيَاحُ يَغْلِبُ عَلَيْهِ، صِيَاحُهُ يَغْلِبُ عَلَى سُكُوتِهِ، فَلا يَحْنَثُ هَذَا الرَّجُل الَّذِي عَلَّقَ طَلاقَ زَوْجَتِهِ. كَمَا أَنَّ الرَّسُولَ لَمَّا قَالَ: "أَمَّا أَبُو جْهَمٍ فَلا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ"، مَا أَرَادَ أَنَّهُ فِي حَالِ النَّوْمِ وَفِي حَالِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَفِي حَالِ الصَّلاةِ يَظَلُّ حَامِلاً عَصَاهُ عَلَى عَاتِقِهِ.

مَا عَنَى ذَلِكَ. إِنَّمَا عَنَى أَنَّهُ كَثِيرُ الْحَمْلِ لِلْعَصَا، يَغْلِبُ عَلَيْهِ حَمْلُ الْعَصَا عَلَى عَاتِقِهِ، فَالشَّافِعِيُّ مِنْ هُنَا اسْتَخْرَجَ فَتْوًى لِهَذَا الرَّجُلِ. فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى مَالِكٍ فَقَالَ لَهُ: "إِنَّ هَهُنَا فَتًى يَقُولُ لَمْ تَطْلُقِ امْرَأَتُكَ" فَقَالَ: "عَلَيَّ بِهِ"، فَحَضَرَ الشَّافِعِيُّ، فَقَالَ: "مِنْ أَيْنَ قُلْتَ مَا قُلْتَ؟" فَقَالَ لَهُ: "مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَنْتَ حَدَّثْتَنَا أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ جَاءَتْ إِلَى الرَّسُولِ فَقَالَتْ: "إِنَّ أَبَا جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةَ خَطَبَانِي" فَقَالَ الرَّسُولُ: "أَمَّا أَبُو جْهَمٍ فَإِنَّهُ لا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ"، أَنَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَخَذْتُ". فَسَكَتَ مَالِكٌ مَا عَارَضَهُ لأِنَّهُ وَجَدَ مَعَهُ حُجَّةً.

هُنَا قَرِيْحَةُ الشَّافِعِيُّ الَّذِي هُوَ تِلْمِيذُ مَالِكٍ طَلَعَتْ أَقْوَى مِنْ قَرِيْحَةِ مَالِكٍ. أَدْرَكَ الشَّافِعِيُّ مَا لَمْ يُدْرِكْ مَالِكٌ، مَعَ أَنَّ مَالِكًا أُسْتَاذُهُ وَأَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا لَكِنَّ الْعِلْمَ مَوَاهِبُ مِنَ اللَّهِ وَالْقَرَائِحَ مَوَاهِبُ مِنَ اللَّهِ.