كَانَ بَعْدَمَا تُوُفِّيَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ خِلافَةِ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسُولِ مِنَ الأَوْلِيَاءِ اسْمُهُ "الْعَلاءُ بنُ الْحَضْرَمِيِّ" هَذَا كَانَ خَرَجَ قَائِدًا فِي الْغَزْوِ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ هَذَا الْقَائِدُ جَاءَ لِيُلاحِقَ الْعَدُوَّ الْكُفَّارَ فَمَا وَجَدَ سَفِينَةً يَلْحَقُ بِهَا الْكُفَّارَ الَّذِينَ أَخَذُوا السُّفُنَ وَهَرَبُوا بِهَا هُوَ أَوَّلاً قَالَ بِسْمِ اللَّهِ يَا عَلِيُّ يَا كَرِيْمُ وَخَاضَ الْبَحْرَ فَلَمْ تَبْتَلَّ رُكَبُهُ، ثُمَّ قَالَ لِلْجَيْشِ خُوضُوا فَخَاضُوا فَقَطَعُوا مِنْ دُونِ أَنْ يَلْحَقَهُمْ تَعَبٌ ثُمَّ لَحِقُوا الْعَدُوَّ فَظَفِرُوا بِهِمْ وَكَسَرُوهُمْ،

ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ تِلْكَ السَّفْرَةِ تُوُفِّيَ هَذَا الْقَائِدُ فِي أَرْضٍ بَرِّيَّةٍ مَفَازَةٍ لَيْسَ فِيهَا سُكَّانٌ، حَفَرُوا لَهُ لأِنَّ إِكْرَامَ الْمَيِّتِ التَّعْجِيلُ بِدَفْنِهِ، حَفَرُوا لَهُ فَدَفَنُوهُ ثُمَّ بَعْدَ أَنْ تَجَاوَزُوا مَحَلَّ الدَّفْنِ لَقُوا شَخْصًا مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ قَالَ لَهُمْ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ قَامُوا عَنْ دَفْنِهِ: "مَنْ هَذَا الَّذِي دَفَنْتُمُوهُ؟" قَالُوا: "هَذَا الْعَلاءُ بنُ الْحَضْرَمِيِّ" فَقَالَ:

"مَا جَزَاءُ صَاحِبِكُمْ أَنْ تَتْرُكُوهُ بِهَذِهِ الأَرْضِ هَذِهِ الأَرْضُ فِيهَا سِبَاعٌ، السِّبَاعُ تَحْفُرُ لِتَأْكُلَ الْجُثَّةَ" قَالُوا: "لا نَتْرُكُهُ هُنَا بِهَذِهِ الأَرْضِ" فَرَجَعُوا فَحَفَرُوا فَلَمْ يَجِدُوهُ إِنَّمَا وَجَدُوا الْقَبْرَ مُمْتَدًّا مَدَّ الْبَصَرِ يَتَلاطَمُ نُورًا، الْقَبْرُ كُلُّهُ أَنْوَارٌ أَمَّا جَسَدُهُ فَلَمْ يَرَوْهُ، رُفِعَ إِلَى حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ، مِثْلُ هَذِهِ الْحَالَةِ نَادِرَةٌ، كَذَلِكَ بَعْضُ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ شَاهَدُوا بَعْضَ الْقُبُورِ اتَّسَعَتْ وَامْتَلأَتْ نُورًا، أَمَّا أَكْثَرُ النَّاسِ لَوْ فَتَحُوا قَبْرَ وَلِيٍّ لا يَرَوْنَ هَذِهِ الأَنْوَارَ وَلا يَرَوْنَ هَذَا الاِتِّسَاعَ.

قِصَّةُ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

كَانَ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَرِيصًا عَلَى الْعِلْمِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعِنْدَمَا كَانَ دُونَ الْبُلُوغِ وَمِنْ شِدَّةِ رَغْبَتِهِ فِي الاطِّلاعِ عَلَى أَعْمَالِ الرَّسُولِ بَاتَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ لأِنَّ خَالَتَهُ "مَيْمُونَة" إِحْدَى أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لَمَّا قَامَ الرَّسُولُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ لِيَتَهَجَّدَ أَيْ لِيُصَلِّي لِرَبِّهِ تَطَوُّعًا وَتَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَوَضَّأَ وَوَقَفَ إِلَى جَانِبِ الرَّسُولِ كَانَ هُوَ وَقَفَ عَلَى يَسَارِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدَارَهُ مَسَكَ أُذُنَهُ فَأَدَارَهُ إِلَى الْيَمِينِ،

كَانَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ يُسَمِّيهِ فَتَى الْكُهُولِ لأِنَّ النَّاسَ الْكِبَارَ فِي السِّنِّ قَالُوا إِنَّ عُمَرَ يُدْنِي عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ الَّذِي هُوَ صَغِيرُ السِّنِّ وَلا يُدْنِي أَوْلادَنَا عَتَبُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّهُ فَتَى الْكُهُولِ هَذَا لَوْ كَانَ عُمُرُهُ صَغِيرًا لَكِنَّهُ كَامِلَ الْعَقْلِ. هَذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الَّذِي هُوَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

سَيِّدُنَا الْحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلامُ

سَيِّدُنَا الْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَتَلَهُ بَعْضُ رِجَالِ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ أَتْبَاعِ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ، قَطَعُوا لَهُ رَأْسَهُ فِي كَرْبَلاءَ، ثُمَّ أَخَذُوا رَأْسَهُ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى دِمَشْقَ لِيُرُوا يَزِيدَ حَتَّى يَفْرَحَ، ثُمَّ وُضِعَ فِي مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ مَشْهَدُ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى الْقَاهِرَةِ فَدُفِنَ هُنَاكَ، أَوَّلاً رَأْسُهُ حُمِلَ إِلَى دِمَشْقَ ثُمَّ إِلَى الْقَاهِرَةِ. الْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أَيْ بَكَى عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ وَخِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ.

مَرَّةً مَلَكُ الْقَطْرِ أَيْ مَلَكُ الْمَطَرِ مِيكَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يَزُورَ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فَأَذِنَ لَهُ، فَنَزَلَ لِزِيَارَتِهِ وَكَانَ الْحُسَيْنُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ طِفْلاً صَغِيرًا فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَوْجَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ أَطْبِقِي عَلَيْنَا الْبَابَ حَتَّى لا يَدْخُلَ أَحَدٌ، فَجَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مِنْ دُونِ انْتِبَاهٍ مِنْهَا.

فَالْتَزَمَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ ضَمَّهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ أَتُحِبُّهُ، قَالَ نَعَمْ، قَالَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ سَتَقْتُلُهُ وَإِنْ شِئْتَ أُرِيكَ التُّرْبَةَ الَّتِي سَيُقْتَلُ عِنْدَهَا ثُمَّ مَدَّ هَذَا الْمَلَكُ يَدَهُ إِلَى كَرْبَلاءَ وَأَحْضَرَ تُرْبَةً حَمْرَاءَ مِنْ تُرَابِهَا فَأَرَاهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَخَذَتْ أُمُّ سَلَمَةَ هَذَا التُّرَابَ فَصَرَّتْهُ فِي صُرَّةٍ، ثُمَّ لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ظَهَرَتِ النُّجُومُ فِي النَّهَارِ، الْحُسَيْنُ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ.

صَفِيَّةُ عَمَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ وَهِيَ تَرْثِي رَسُولَ اللَّهِ: بَكَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ وَبَكَاهُ نَدِيْمُهُ جِبْرِيلُ. وَلَمَّا مَاتَ الْحُسَيْنُ كَانَ يُرَى تَحْتَ الْحَجَرِ الَّذِي يُرْفَعُ دَمٌ. ثُمَّ قُتِلَ الْحُسَيْنُ فِي تِلْكَ الأَرْضِ فَهُوَ شَبِيهٌ بِنَبِيِّ اللَّهِ يَحْيَى، يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلامُ قَتَلَهُ مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ لأِنَّهُ أَفْتَاهُ بِحَقٍّ قَالَ لَهُ لا يَجُوزُ التَّزَوُِّجُ بِبِنْتِ الأُخْتِ (وَهُنَاكَ قَوْلٌ إِنَّهَا رَبِيبَةٌ)، وَكَانَ هَذَا الْمَلِكُ طَامِعًا فِي أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ أُخْتِهِ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِهَا.

فَقَالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَجُوزُ لَكَ، فَحَرَّضَتْهُ أُمُّهَا عَلَى قَتْلِ يَحْيَى حَتَّى تَبْقَى ابْنَتُهَا تَحْتَهُ لأِنَّ ابْنَتَهَا إِذَا كَانَتْ تَحْتَ هَذَا الرَّجُلِ تَكُونُ هِيَ مَلِكَةً، حَرَّضَتْهُ عَلَى قَتْلِهِ فَقَطَعَ رَأْسَهُ فَحُمِلَ إِلَيْهِ، فَقَطَرَ دَمُهُ عَلَى الأَرْضِ، فَصَارَ هَذَا الدَّمُ يَغْلِي وَلا يَجِفُّ، وَعَادَةً الدَّمُ إِذَا نَزَلَ عَلَى الأَرْضِ يَجِفُّ، ثُمَّ اللَّهُ سَلَّطَ عَلَى هَذَا الْمَلِكِ مَلِكًا جَبَّارًا كَافِرًا فَقَتَلَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ جُنُودِ هَذَا الْمَلِكِ.

كَثِيرٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَتَلَهُمُ الْكُفَّارُ، الدُّنْيَا لَيْسَ لَهَا قَدْرٌ عِنْدَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ لَهَا قَدْرٌ لا يُصَابُ نَبِيٌّ بِمُصِيبَةٍ، الآخِرَةُ هِيَ دَارُ الْجَزَاءِ لأِوْلِيَائِهِ وَلأِعْدَائِهِ.